بحث



الخميس 6جمادى الآخرة 1428هـ - 21يونيو 2007م - العدد 14241

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


مع الشاعرة اللبنانية جمانة حداد حول كتابها الجديد:
سيجيء الموت وستكون له عيناك

حوار - زينب عساف:
    أنطولوجيا "سيجيء الموت وسيكون له عيناك" للشاعرة اللبنانية جمانة حداد الصادرة أخيراً في بيروت أثارت الكثير من الأخذ والردّ. وهذا طبيعي ربما، حين يسعى كتاب إلى جمع شعراء العالم المنتحرين ضمن دفّتيه. كتاب للشعر وللموت بل احتفاء بما بينهما: الحياة. حول هذه الأنطولوجيا كان هذا الحوار مع حداد:

@ "سيجيء الموت وستكون له عيناك". من بين آلاف العبارات الشعرية التي قيلت في الموت اخترتِ هذا البيت للشاعر الإيطالي تشيزاري بافيزي ليكون عنواناً، لماذا؟ واستطراداً هل أردتِ منح موضوع مرعب كالانتحار صفة القرب أو الألفة من خلال هذه العبارة؟

- اخترتُ هذا البيت لسببين، أولهما أن صاحبه تشيزاري بافيزي من شعرائي الأثيرين، رغم أنه عُرِف كروائي اكثر منه شاعراً. وثانيهما لروعة الصورة التي تحملها هذه الكلمات: فأنا مثلاً، عندما يجيئني الموت، جلّ ما أتمناه هو أن تكون له عينا الرجل الذي أحبّ. هل أجمل من أن نسافر من عالمٍ معلوم الى عالمٍ مجهول، تهدهدنا، وتحرسنا، نظراتُ مَن نحبّ؟

@ الانتحار فكرة شعرية أولاً من حيث هو تحدٍ للزمن أو للموت نفسه، كيف ترين هذا الارتباط الدائم بين الشعر وتيمة الموت؟

- كل موت حكاية، وكل انتحار قصيدة. في المقابل، الشعر أيضاً انتحار، في معنى ما - هو ربما أجمل معانيه - لا في تجسّداته البكائية، ولا في صورته الرومنطيقية "الزائدة الحلاوة"، بل في بعده المطلق ومأزقه الوجودي المعيش حتى النخاع، ذاك المأزق الذي لا يذوق طعمه الشاعر "اللعوب" (وليست هذه إدانة بل محض معاينة)، والذي يجعل بعض الشعراء الملعونين يبذلون كل شيء و"يهدرون" كل شيء ويقامرون بكل شيء وبلا تردّد والى الأبد. "من لا يعرف ما هي الحياة، أنّى له أن يعرف الموت؟"، يسأل كونفوشيوس. أنا اسأل في المقابل في أنطولوجيتي هذه: أتراهم خانوا الحياة، أولئك الشعراء، وخانوا أنفسهم، كي لا "يعرفوا"؟

@ تطلّب إنجاز هذا العمل الأنطولوجي والموسوعي أربعة أعوام من البحث والتدقيق ومقارنة الترجمات المختلفة والعودة إلى اللغة الأم التي كتبت فيها القصائد، هل أنت راضية الآن عن العمل؟

- نعم، في وسعي أن أقول إني راضية عنه، وإلا لما كنت عمدتُ الى نشره، خصوصاً وأني استثمرتُ فيه (وبسعادة مطلقة) جهوداً فكرية ومعنوية وجسدية هائلة طوال الأعوام الأربعة الأخيرة. ولكن لا مفرّ من ان تكون هناك هنات، وسوف أعمد الى سدّ الثغرات مع كل طبعة جديدة، فهذا المشروع متحرّك وقيد الاضافات المستمرة (للأسف). أنا واثقة من أن ثمة نواقص ينبغي استدراكها، وستكون الطبعات التالية مناسبة للتنقيح و"تكحيل" العيوب، وخصوصا أن مسعى هذا المجلّد ليس انطولوجياً فحسب، بل هو موسوعي كذلك، ويرمي، بقدر الامكان، الى أوسع "مسح" متاحٍ لموضوعه. ثمة على سبيل المثال أسماء ذكرتها في المقدمة ولم يتسن لي التوسع فيها. ربما في الطبعات اللاحقة أفيها حقها. أصلاً لا شك عندي في أن الشعراء المنتحرين في القرن العشرين هم أكثر من مئة وخمسين، لا بل ربما أكثر بكثير من هذا الرقم: فصحيح أن من الصعب أن أكون قد أغفلتُ اسم أي شاعر "كبير" وأساسي، ولكن: ماذا عن الشعراء والبلدان الذين لم أستطع الوصول إليهم، بسبب عائق اللغة أو المسافة؟ لذلك سأظل أحاول أن "أنبش" قبوراً شعرية جديدة.

@ وبالنسبة للترجمة هل اعتمدت الوفاء الكامل للنص الأصلي أم ركّزتِ على وصول المعنى للقارئ العربي؟

- أجيبك بسؤال: إلى أي مدى يشكّل عامل "الأمانة" البحتة معياراً لتقويم عملية ترجمة الشعر؟ في رأيي، لا يمكن ان تكون الترجمة الشعرية مرادفاً للوفاء الكامل للنصّ، ولا يمكن ترجمة الشعر أن تحيا اذا كانت حرفية. فهي تفقد الكثير من وهجها اذا كان معيارها التبجّح بالاخلاص والموضوعية الخالصة اللذين قد يُفرغان النص من روحه فلا يبقى منه سوى جثته، إن لم يقترنا بالموهبة والحساسية الموضوعتين في خدمتهما. هذا لأقول إنّ معرفة العالم السري للنص الشعري ليست شأنا علميا وأكاديميا بحتا، بل هي خصوصا معيار حدوسي ورؤيوي نفّاذ، ومثلها الترجمة الشعرية: حيث الحدس يخترق أسرار القصيدة ويضع نفسه في خدمة تقنياته ومعاييره الأكاديمية. في اي حال، أرفقتُ مقدّمة الكتاب باستطراد ضمّنته بعض تأملاتي "النظرية" و"الذهنية" في عملية الترجمة الشعرية، خصوصاً على مستوى العلاقة الجدلية بين المترجِم والمترجَم إذا كان الاثنان شاعرين. وسوف أخصّص لذلك قريباً مؤلّفاً على حدة، أعرض فيه لتجربتي العملية في الترجمة الأدبية عموماً، والشعرية خصوصاً (وهي موضوع رسالة الدكتوراه التي أعدّها) استناداً الى أمثلةٍ وملاحظات ومعاينات مستقاة من عملين أساسيين حققتُهما في هذا المجال، هما "أنطولوجيا الشعر اللبناني الحديث بالاسبانية"، وأنطولوجيا الشعراء المنتحرين هذه.

@ نعرف أن للشعراء المنتحرين طقوسهم الخاصة قبل الموت ثم طرقهم المختلفة في القفز نحو الأبدية، فأنت تنقلين عن سيلفيا بلاث قولها: "الموت فنّ على غرار كل ما عداه"، هل لحظتِ في الأنطولوجيا هذه الطقوس أو الطرق المختلفة؟ بمعنى آخر هل تعامل كل شاعر مع موته كما يتعامل مع قصيدة؟

- فعلاً، لكل موت طقوسه وكل شاعر من هؤلاء "هندس" انتحاره على طريقته. أنا أرى الشاعر المنتحر "مجرماً" من الطراز الرفيع، لا بل أراه مبدع الجريمة الكاملة، لأنه يفلت بفعلته بلا عقاب! مجرمٌ هو، قاتلُ نفسه وسفّاكها، قاتلها وقتيلها، تارةً عن ردّ فعل آنيّ وغريزيّ وابن ساعته (ف "يقع" في الموت كمن يعلق في فخّ)، وطوراً عن سابق تصوّر وتصميم وتخطيط (فيمشي إليه الهوينا و"يتخلّص" من ذاته). ألم يضع غبريال فيراتير، مثلاً، حداً أقصى لحياته، هو خمسون عاماً، والتزم هذا الحد؟ ألم يقل جاك ريغو إنه سيموت في الثلاثين، وفعل، بعدما أعلن: "سأكون ميتاً عظيماً"؟

في مقابل ذلك، لا بد من ان نسأل: هل يمكن حقاً القول إن الانتحار فعل شعري رومنطيقي؟ أنا، شخصيا، ظللتُ أراه كذلك، حتى "رأيته" بأمّ العين. فعندما نشاهد الأجساد الممزقة، لا يظلّ هناك شاعرية الفعل، بل بشاعة "النتيجة" في ذاتها: الجسد المقسوم نصفين في حال الارتماء تحت عجلات قطار مثلا، أو الدماغ السائل في حال الرصاصة في الرأس، أو بركة الدماء في حال تقطيع أوردة المعصم، أو الوجه المنتفخ والمزرقّ في حال الاختناق...

@ كونك شاعرة، هل تفاعلت مع قصائد شاعر معين أكثر من قصائد شاعر آخر؟

- صعبٌ أن أحدّد وأميّز، ولكن ربما تفاعلت أكثر ما تفاعلت مع المجموعة - النواة التي حرضتني في البدء. أي مع الشاعرتين الأرجنتينيتين ألفونسينا ستورني وأليخاندرا بيثارنيك، الشاعر الإيطالي تشيزاري بافيزي (رغم أنه روائي ولم يكتب شعراً إلا القليل)، ايضا الشاعر الفرنسي جان بيار دوبريه، والشاعرة الأسوجية كارين بوي، والشاعرين الروسيين فلاديمير ماياكوفكسي ومارينا تسفيتاييفا، والشاعر الروماني بول سيلان، والشاعرتين الأميركيتين سيلفيا بلاث وآن سكستون، والشاعر النمسوي جورج تراكل...الخ

@ تتناول الأنطولوجيا مئة وخمسين شاعراً انتحروا في القرن العشرين، بينهم 122شاعراً و 28شاعرة، لماذا ينتحر الشعراء أكثر من الشاعرات برأيك؟ هل لأن عدد الشاعرات في العالم أقل من عدد الشعراء؟

- مثلما لحظتُ في مقدمتي، تشير درسات علمية كثيرة الى أن الرجال ينتحرون أكثر من النساء بنسبة 4مقابل 1.الاستثناء الوحيد على هذه القاعدة العالمية تمثّله الصين، حيث تنتحر النساء أكثر. على سبيل المثال، 80في المئة من الناس الذين ينتحرون في الولايات المتحدة هم من الذكور. صحيح أن النساء يصبن بانهيارات عصبية اكثر من الرجال، وأنهن "يحاولن" الانتحار اكثر بنسبة 2مقابل 1، لكن معظم محاولاتهن لا تؤول الى موت، ويكون الهدف منها فقط اطلاق جرس انذارٍ ما. أيضا، يعزو الدكتور مورفي سبب "نجاح" الرجال في الانتحار الى أنهم يستخدمون أدوات قاتلة أكثر من النساء. ففي حين تلجأ معظم النساء الى الحبوب المنوّمة، يختار الرجال غالباً المسدسات والبنادق. ناهيك بأن معظم الدراسات تشير الى أن المرأة أكثر صلابة على المستوى النفسي من الرجل، رغم أنها أكثر قابلية منه للوقوع في دوامة الاكتئاب.

@ بالنسبة للشعراء العرب المنتحرين، أي مراجع اعتمدتِ للوقوف على تجاربهم؟

- هناك مراجع عديدة ومختلفة، مذكورة كلّها في خاتمة الكتاب، منها ما أدّى دور المصدر للنصوص، ومنها ما كان للقراءة والتعرّف الى عالم الشاعر. وقد كان بعض الأصدقاء الموجودين في عواصم عربية مختلفة عوناً كبيراً لي في هذا المجال، من حيث ارسال الكتب التي كنت في حاجة اليها، والتي لم تكن متوافرة بسهولة في بيروت أو في المكتبات الالكترونية. أدين بالكثير لهؤلاء الأصدقاء (وهم مذكورون في رسالة الشكر)، مثلما أدين بالكثير للانترنت (المنقذة الكبرى من الضلال وشيخة الضلال على السواء) في ما يتعلّق بالشعراء الذي لم أحصل على كتبهم، واورد هنا على سبيل المثال لا الحصر الشاعر المغربي كريم حوماري الذي أسس له الشاعر ادريس علوش موقعاً أورد فيه مختارات من قصائده، نهلتُ منه ما كنتُ في حاجةٍ إليه.

@ تتردد دائماً مقولات حول أسباب سياسية أو عامة تدفع بعض الشعراء إلى الانتحار، كما في حالة الشاعر اللبناني خليل حاوي مثلاً الذي انتحر غداة الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982.هل وجدتِ لدى الشعراء الذين احصيتهم أن أسباب الانتحار هي غالباً خارجية أو على العكس من ذلك خاصّة للغاية؟

- صعقني أن معظم المنتحرين لخيبة سياسية هم عرب. ولكن يبقى كل انتحار سراً. لا تستطيعين أن تدركي الدافع الحقيقي. الى جانب خليل حاوي يقال إن الشاعر الأردني تيسير سبول انتحر ايضا لأسباب سياسية، وأيضاَ الشاعرين العراقيين إبرهيم زاير وقاسم جبارة. في المقابل لم أصدف أحداً من الشعراء الأجانب انتحر لأسباب سياسية. ماياكوفسكي مثلاً كان ملتزماً سياسياً، لكنه انفصل عن رؤيته السياسية وعاش خيبتها قبل وقت من انتحاره، فلم تكن هي دافعه. ولكن يظل الدافع الرئيسي لانتحار أي شاعر وجودياً: أي سؤال "أن نكون او لا نكون"، الذي لا ننفك نطرحه جميعاً على أنفسنا.

@ هل ستتم ترجمة هذه الأنطولوجيا إلى لغات أخرى؟ وهل ستتولين ذلك بنفسك؟

- فعلاً، الكتاب سيصدر، حتى الآن، في لغتين ثانيتين، وسوف أحققه في تينك اللغتين بنفسي، وهما الفرنسية والاسبانية: اذ تلقيت عروض نشر من دورٍ بارزة من الجهتين. ولكن ليس على الفور، اذ سآخذ "فرصة" منه لوقتٍ قصير، كي ارتاح من أجوائه قليلاً...

@ ختاماً، عُيّنتِ حديثاً مديرة ادارية ل "الجائزة العالمية للرواية العربية"، أو الIPAF؟ هلا أعطيتنا لمحة عن هذه الجائزة؟

- هذه الجائزة، كما يدلّ اسمها، هي خاصة بالرواية العربية، وتُمنَح لرواية واحدة سنوياً. تأسست أخيراً بالشراكة مع جائزة "بوكر" Booker الأدبية الأنغلوفونية المهيبة؛ وهي تحظى بدعم "مؤسسة الإمارات" التي تُعنى برعاية مشاريع ثقافية وإنمائية وعلمية واجتماعية متنوّعة. تقع الجائزة تحت رعاية مجلس للأمناء يضم نخبةً من أبرز مثقفي العالمين العربي والأنغلوفوني، وقيمتها خمسون ألف دولار أميركي للرواية الفائزة، وتُكافأ أيضاً كلّ رواية من الروايات الستّ التي تصل الى اللائحة النهائية، بعشرة آلاف دولار أميركي. لا يمكن المؤلف أن يرشّح روايته بنفسه، بل ينبغي لدار النشر أن تتولى عملية الترشيح، على أن يتم ذلك طبعاً بالتشاور معه. ويمكن من الآن أن تختار كل دار 3روايات صدرت لديها خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة (استثنائياً للدورة الأولى، على ألا يتجاوز عمر الرواية السنة الواحدة للدورات اللاحقة)، وإرسال 7نسخ من كلّ منها، مع استمارات الترشيح المعبّأة (موجودة في موقع الجائزة: www.arabicfiction.org)، الى الإدارة (ص.ب. 280- جونيه - لبنان). تُقفل أبواب الترشيح للدورة الأولى في 31تموز المقبل، وتُعلَن اسماء الروايات الست التي اختيرت للائحة النهاية في كانون الثاني 2008.أما الرواية الفائزة، فسيتم الإعلان عنها في شباط 2008، في إطار حفلٍ ضخم تستضيفه لهذه الدورة مدينة أبو ظبي، على أن يتخذ في كل سنة عاصمةً عربية مختلفة مقرّاً له. وستتولى محطة تلفزيونية كبرى نقل الحفل في بثّ مباشر يمكن متابعته في العواصم العربية كافة. أما الرواية التي ستظفر بالجائزة فسوف تترجَم الى الانكليزية والفرنسية والايطالية والألمانية والإسبانية؛ علماً أن ناشرين بارزين في هذه اللغات، في أوروبا كما في الولايات المتحدة، أبدوا اهتماماً لنشرها. هذه الجائزة مشروع ثقافي راق ومثير للاهتمام، يهدف الى المساهمة في إثراء آداب لغتنا العربية، والمساعدة في نشر الرفيع منها في الغرب، وإعطائه الصورة والمكانة اللتين يستحقهما. وأنا فخورة لأني أؤدي دوراً فيه.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية