تعتبر الميزانية التي خصصتها الدولة للتعليم لهذا العام ميزانية لا يستهان بها ومع ذلك نجد ان هناك من يرى بأن تلك الميزانية المصروفة لم تحقق الخطط المطلوبة كاملة فلا زال هناك قصور في تحقيق الأهداف وربما يعود ذلك إلى قصور في بعض الجوانب التنفيذية الفرعية لدى المدارس والإدارات وواقع التعامل مع التقنيات الحديثة والوسائل التعليمية والاعداد الجيد للكفاءات فما هو الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة بمختلف السبل الممكنة؟ وما هي الكيفية التي يتم من خلالها توليد صيغ تعليمية جديدة لدعم الابداع المطلوب من وراء كل تلك الخطط والذي من شأنه ان يؤدي إلى تعليم عدد أكبر من الطلاب بنفس الإمكانيات المتاحة لاستثمار الميزانية المصروفة فعلياً وإنتاجياً؟
مبدأ التوازن
أمل الدوسري مشرفة تربوية ترى بأن التربية والتعليم تواجه بعض الصعوبات بالرغم من السعي الحثيث لاستثمار المبالغ الضخمة التي تصرف في سبيل تذليلها فهي تواجه فكرة عدم التوازن والتي تعوق الاستثمار الجيد للموارد المالية فلا زال هناك عدم توازن بين تزايد اعداد الطلاب وتزايد اعداد المعلمين ولو تتبعنا الكم في تخريج المعلمين والمعلمات لوجدنا أعدادهم عالية ولكن ليس هناك فرص وشواغر توظيف للجميع مما يؤدي إلى اكتظاظ الصف الواحد بعدد كبير من الطلاب ويترتب عليه زيادة نصاب الحصص على المعلمين وعدم إيجاد الوقت لأخذ دورات تدريبية لترفع من كفاءتهم التعليمية بجانب تراكم الأعمال عليهم وهذا يدفعهم إلى تهميش استخدام الوسائل التعليمية الحديثة وأساليب القياس والتقويم وفرصة الاكتشاف لتلك الابداعات الحقيقية التي تكمن خلف الاستذكار وسبر أغوار الطلبة وهذا أقل ما فيه هبوط مستوى التعليم، كذلك ليس هناك توازن بين اعداد الطلبة وتزايد اعداد الأبنية المدرسية وهذا لا يؤدي إلى اكتظاظ الصفوف فقط بل وإنشاء المدارس الدورية للفترة والفترتين بين صباحية ومسائية في المدرسة الواحدة وكل ذلك يقودنا إلى صعوبة تنفيذ التقنيات الحديثة داخل الصف الواحد وعدم القدرة على تشكيل المجموعات المنتظمة عبر تقسيم الطلاب على مجموعات ثابتة ضمن الشكل العام للفصل الواحد للمشاركة الجماعية وتبادل الخبرات خصوصاً عند توزيع المجموعات بوجود المبدعين والموهوبين من الطلاب لقيادة المجموعة وللاستفادة من خبرته الابداعية وذكائه في التحليل والتفسير في العمل الجماعي وتنظيم ذهنية البقية ودفعهم لمحاكاته وتشغيل الجوانب العقلية والابداعية التي لم تجد مجالها من قبل فيسهل عمل المعلمين ويشكلوا قوى مساندة داخل الصف ويكون هناك استغلال جيد لمعطيات التعليم ووسائله المتاحة.
تنمية الإبداع
ندى الشريف إدارية في مدرسة ابتدائية ترى بأنه من الضروري استخدام الوسائل التعليمية المتاحة لرفع كفاءة الطلبة والطالبات بشكل عام بالعمل على البحث في تفجير الإبداع ورعايته منذ نعومة الأظافر ويستمر في مراحل التربية المختلفة وهنا تبرز الخطوة الأولى منذ المرحلة الابتدائية لدى الصفوف المبكرة وقبلها في التربية السابقة في البيت كما نجد ان إقامة مجالس الآباء والأمهات بشكل مستمر يساعد على بناء اللبنة الأولى ورعايتها وانضمامها إلى المجموعة واسباغ الصفة القيادية وتعريف الصغار على العلم والتكنولوجيا واستخدام العقل الذي في أيديهم والذي يفوق في هذه المرحلة العقل الذي في رؤوسهم والاستفادة من استخدام الأصابع الخمسة وان ننمي لدى الطفل إلى جانب تذوق المعارف القدرة على التغير والتغيير والإبداع فكبت النشاط المبدع لدى الطفل من قبل المربين هو أول الأمور الدالة على كبت النشاطات الخلاقة من قبل المجتمع وهذا الكبت ومع استمرار نموه وتنقله بين مراحل التعليم المختلفة يجعل من قابليته للاستفادة من المواد والامكانيات التي توفرها الدولة استفادة ضئيلة لعدم وجود مساحة صافية لاستقبال التقنية والتطور فنحن لو تتبعنا إلى طرق تدريس المعلمين نجدها رتيبة بالية وأصبحت مألوفة ومعتادة خالية من التشويق مما يطفأ جذوة الابداع ويضع الجميع في مصاف القدرة الواحدة بوجود مصروفات مالية أو بعدم وجودها فيكون السعي فقط للحصول على درجات عالية عن طريق الحفظ والصم وترك المقدرة الابداع بعيدة عن مفهوم المواد عاطلة دون تشغيل.
أدوات الاكتشاف
أمل الحارثي مرشدة طلابية تؤكد على ان وسائل التربية الحديثة من تقنيات مختلفة هي أدوات مساعدة للرقي بالإبداع وليست أدوات اكتشاف فلو نظرنا إلى غالبية تلك الموارد نجدها تعني بالذكاء وليس بالإبداع، فالإبداع ملكة تنمو بالرعاية والتدريب وهي في هذه الحالة تتضافر مع الذكاء لإعادة صياغة أشكال مختلفة للوسائل التقنية الحديثة فعقل الإنسان وابداعه يخلق أنماطاً جديدة من الوسائل المختلفة للرقي بالتربية وبالتعليم فلا تكون الوسائل التعليمية ومصادر التقنيات مجرد أدوات بل وتتوالد على أيدي المبدعين طرق مختلفة وأفكار متجددة لتطوير الوسائل التعليمية ولبرمجة بقية المجموعة من الطلبة للنهوض بمستوى قدراتهم.
وتضيف أمل الدوسري "فليس صب الجهود على نشر التعليم وتنويعه وتجويد مناهجه وطرقه يكفي لكي يكون غاية الهدف إنما وسيلة في ان نجعل الإنسان الذي يتلقى العلم قادراً على التفتح إلى أبعد مدى وعلى تجاوز ذاته دوماً وأبداً وعلى تغيير مجتمعه وتجديد مجتمعه من خلال نظرة مبدعة خلاقة وهذا الأمر يتطلب خطة متكاملة تتناول شتى جوانب التربية بحيث تكون الإدارة التربوية واعداد المعلمين والمناهج المدرسية والوسائل التعليمية والاختبارات والتقويم بل حتى الأبنية المدرسية وتجهيزاتها التربوية في المدارس الحكومية والأهلية وبمراحلها المختلفة وفي التعليم الموازي وفي التربية المستمرة وفي أنماط التدريب المختلفة كلها تصب في مواقع العمل والإنتاج.وتواصل ندى الشريف حول حدود التعلم حيث تقول "لا حد للتعلم وكما يقال (يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن انه علم فقد جهل) والتعلم في أحدث معانيه يعني العملية التي تهيئ الطالب لمواجهة مواقف جديدة، فتركيز التربية على إنتاج مبدعين أولى خطوات الاستثمار الحقيقي للأموال المصروفة فالتربية التي تؤدي إلى التقدم ليست أي نوع من التربية بل لابد ان تشمل في ممارستها على الشروط اللازمة للتقدم فتكون عوناً لا عبئاً وان لم نفعل ذلك فإنها ستكون أداة لتخريج ادعياء الثقافة وهم أخطر من فاقديها فليس المهم فقط تكوين العالم والمهني والفني والمؤرخ والمهندس وغيره بل أيضاً تنمية استمرارية الإبداع ليستمروا في العطاء والتجدد آلياً وداخلياً.
البحث العلمي
رحمة يماني أستاذة جامعية تشيد بأهمية تنمية البحث العلمي ووسائله في مرحلة التعليم العالي وتضيف "ان التعليم العالي جانب هام من جوانب تعهد تربية الإبداع حسب الرعاية المقدمة للطلبة من الصغر ومن المهم عدم ترك الإبداع يخضع لعامل الصدفة لأن الخيال المبدع هو الذي يلعب الدور الأكبر في أي تنمية ولاسيما في التنمية الصناعية فمن الجيد تبني مفهوم أرهف وأشمل للتربية لدى الطلبة إلى جانب تذوق المعارف والقدرة على التطوير إلى أبعد مساحات التعامل مع التجديد والتطور الحديث الذي يفاجئنا به العصر كل ساعة بل كل دقيقة ويكون هناك تقبل وإقبال لأي وضع جديد ومرونة في التطوير دون الوقوف على المعلومات القديمة أو الاكتفاء بالخبرات السابقة ومن هنا نستطيع ان نتيح السيطرة على العوامل والشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط به للخروج عن المألوف والأخذ بالمبادرة وارتياد المجهول واقتحام الصعاب.