الفقد عظيم.. إنه فقد أمة بأكملها.. إلى والدي الشيخ عبدالله عبدالمحسن التويجري - أطال الله عمره .. وإلى أبناء الفقيد أخصهم جميعاً بالعزاء فكلنا في الفقد سواء.. وإلى أخي عبدالله عبدالعزيز .. يا من جمعتني بكم دروب الحياة ومنافي الكون فأسعدتموني حين نهلت من معين الرجال الحكماء، حينها أدركت حقاً أن الرجال معادن ومنهم معادن نادرة.. فالحكماء نوادر وأندرهم الفقيد.
فارس ترجل من صهوة جواده
في ليل مدلهم
قال: لكم الحكمة ميراثي
وهي من أصبغت بالبرد رأسي
ونالت مني العمر جله وكله
وأدمى طول السُرى قدمي
فما بين (اليمامة والدهناء)
كنت أقتفي أثراً وأبحث عن ضالتي
وعن سر طموح الرجال
وبحثاً صعدت قمم الجبال
وتحدثت مع أبي الطيب
سامرته الليالي الطوال
فأخبرني عن كيف توأد الآمال!!
وكيف تنال بعيدة المنال
أخبرني عن عدم الاستسلام
لقهر الرجال!!
أبا عبدالمحسن
الأحزان عمت ربوع الوطن العربي
وإنسان الوطن العربي
توشح الكلمة بالسواد
أطرق المذياع في أسى
وبكى التلفاز ليل الأسى
بكت ربوع الأوطان
من (تل الزعتر) حتى (غالة)
ومن (البستان) حتى (طنجة)
توقف النيل من الإبحار نحو الشمال
تسربل ليل الخرطوم وشاح الأحزان
امتلأت مآقيه دموعاً
فقد كنت ياحكيم يعرب
تفند لنا تاريخ هوازن
وحروب تغلب
كنا نستقي منك الحكمة
كأنها حكايا وأحاجي جد
للأولاد.. وللأحفاد
كنت تخاف لوم الزمن
فكنت تُعلم .. كنت تلقن
كنت ضوء القنديل
في الليالي الحالكات
كنت الماضي والحاضر
وثاقب فكر لما هو آت
يا رفيق الحواشي
أنت العطف على الضعاف
يا كريم يا مغراف
يا قلباً عامراً بالحب
أبا عبدالمحسن
حين كنا نجلس في حضرتكم
كنت خادم الضيف
كنت تكره الظلم والحيف
يومها تعلمنا أول فصول الحكمة:
(حكيم القوم خادمهم)
فيا شيخاً عركته السنون
بحثاً عن الحقيقة
ومدرئاً للشبهات، للظنون
فأعطى وأجزل
فأورث الأجيال الحكمة
فأسدى
ما أعطى فأكدى!!
أعطيت العصارة
كنوز المعارف.. تلال الأدب
فلم تيأس من عاديات الزمن
كنت يا شيخنا فينا وما زلت
تاريخ العرب
حكمة تمشي على قدمين
مجبولة من تراث الخزرج
من روابي نجد
وسهول تهامة
وتاريخ تغلب
بكتك الرجال
والنساء والصبايا
وكل الأيامى
واليتامى
واللطام.. والعجايا
حزناً على يد بيضاء
وعطاء متجدد
فكر
وحكمة وأدب!!
ما أسعد المتنبي اليوم!!
فقد كان يشتهي أن يلتقيك
يتجاذب معك الحديث
ويسألك عن صقور الوادي
وعن بدو القرن الحادي والعشرين
وعن خيمته التي تركها
هناك في جوف الصحراء
وعن بعيره إن كان قد تناسل؟
وعن عباءته المقصبة
إن كانت كما تركها رهينة الخزانة!!
أبا عبدالمحسن أعلم أن لك عتباً عليَّ
حين وخزت سيرته مع كافور
قلت لي بحكمة الشيخ الوقور:
أكنا هناك معه وقتها؟
أندري كيف كان الحال؟
نحن لا نجلد الغائب
ولا نتشفى مما يصيبه لغاية
(وتلك الأيام نداولها بين الناس) .. الآية
إنه جور الزمان والعاديات والمصائب!!
فلنستعذ بالله من قهر الرجال!!
أبا عبدالمحسن
أبكيك اليوم يا سيد الرجال
يا من تعلمت منه درساً:
- أن حكيم القوم خادمهم -
قلت: تجلى لي معنى الحكمة
وأردفت سائلاً: وشيخهم؟!!
قال: (هَرِم احدودب ظهره فانحنى يلتقط الحكمة من دروب الحياة)!!