
في منتصف الستينات ظهرت في أمريكا موجة من الأفلام الصغيرة ذات الإنتاج المتواضع والتي جاءت كإشارة تمرد وبادرة استقلال بعث بها المنتجون الصغار ضد الاستوديوهات الكبرى في هوليود. وقد ضمت هذه الموجة بذور السينما الأمريكية المستقلة إضافة إلى بذور أفلام الرعب والأكشن الرخيصة التي نمت وتطورت بالتزامن مع موجة أفلام الرعب الإيطالية حتى أصبحت تزاحم الأفلام الهوليودية الضخمة في الشعبية والانتشار برغم ما فيها من بدائية في الصنع ورخص في الشكل وتفاهة في المضمون. وقد عرفت هذه الموجة باسم (البي موفيز-B-Movies) أي أفلام الدرجة الثانية التي كانت ثيماتها الرئيسية تسبح في فلك الرعب والزومبي والمستذئبين وكذلك في الطرقات حيث سباق السرعة والمطاردات المثيرة بين الشرطة والمجرمين الهاربين.
هذا النوع من الأفلام الرخيصة هو الذي كان رائجاً في السعودية في عقد الثمانينيات حين ضجت محلات الفيديو بأفلام المطاردات وبأفلام الرعب المليئة بالجثث والأشلاء والدماء التي تسيل كالأنهار الهادرة دون منطق يبررها وفي تجاوز صارخ لكل الاعتبارات الفنية والأخلاقية التي تحكم الإنتاج الرسمي في هوليوود. إن أفلاماً مثل (السيارة السوداء) وَ(قطار الرعب) تجسد إعجابنا القديم بهذه الأفلام وهو إعجاب يبدو مقبولاً حين نعلم أنه لم يكن أمامنا أي خيار آخر فالمحلات لم تكن توفر سوى هذا النوع فحسب. وذلك على العكس من أمريكا التي رغم إنتاجاتها الهوليودية الباذخة ورغم وجود السينما المستقلة بصبغتها الفنية الجمالية إلا أن هذه الموجة الرخيصة أوجدت لها شعبية طاغية وجمهوراً متعصباً كان من بينهم المخرج المعروف (كوينتن تارنتينو) الذي تعلّق بهذه الأفلام وارتبط بها ارتباطاً وثيقاً منذ أن كان يعمل في محل الفيديو في منطقة هيرموسا بيتش..
و(كوينتن تارنتينو) لا يخجل من إعلان عشقه لهذه الأفلام الرخيصة حتى بعد نجاحه الكبير في السينما، بل نجده يحتفي بها احتفاء خاصاً وإن كان على استحياء في أفلامه السابقة كما فعل عام 1997في فيلم (جاكي براون) وعام 2002في رائعته (اقتل بيل-Kill Bill). أما في مشروعه الأخير (غريندهاوس) فهو يتجاوز الاحتفاء الخجول إلى احتفاء صريح تمثل في بعث أجواء تلك الأفلام كما هي وبكل ما فيها من رخص وتفاهة وسطحية سواء على مستوى صنعتها الرديئة أو على مستوى موضوعاتها التي لا تخرج عن قوالب الرعب والأكشن الجاهزة. في (غريندهاوس) هناك التزام مدهش واحترام شديد لمميزات وخصائص تلك النوعية من الأفلام، فهو مصنوع بنفس الكيفية بنفس الجنون بنفس العيوب وبنفس السخافة أيضاً، حتى ليبدو أنه من منتجات عقد السبعينيات؛ العصر الذهبي لل((B -Movies
فيلم (غريندهاوس) ينقسم إلى قسمين أو فيلمين مستقلين عن بعضهما البعض يحكي كل واحد منهما حكاية مختلفة والرابط الوحيد المشترك هي رغبة بعث أجواء الأفلام الرخيصة. ويتولى (كوينتن تارنتينو) إخراج القسم الثاني منه المسمى ب(برهان الوفاة-Death Proof) أما القسم الأول (كوكب الرعب) فهو من نصيب المخرج (روبرت رودريغيز). وإمعاناً في بعث تلك الأجواء القديمة ومن أجل خلق وهم كامل بالمعايشة فقد صنع القائمون على مشروع (غريندهاوس) إعلانات خاصة لأفلام من نفس النوعية ووضعوها في مقدمة كل فيلم، منها إعلان لفيلم أكشن دموي يقوم ببطولته (نيكولاس كيج).
التعاون بين (تارنتينو) والمخرج (روبرت رودريغيز) بدأ قبل سنوات وتحديداً بعد النجاح الكبير الذي حققه الشاب التكساسي (رودريغيز) عام 1992مع فيلمه (المارياشي- El Mariachi) عندما لفت أنظار هوليود إليه كمخرج يمتلك مستقبلاً في أفلام الحركة. وقد جاءت بداية التعاون بعد فترة بسيطة من قدومه إلى هوليود حين التقى هو و(تارنتينو) في الفيلم الغريب (أربعة غرف) عام 1995ثم أتبعاه بفيلم الرعب (من الغسق حتى الفجر) الذي أخرجه (رودريغيز) وكتبه ومثل فيه (تارنتينو) بمشاركة (جورج كلوني) و(سلمى حايك). والتقيا مجدداً في التحفة البصرية (مدينة الخطيئة-Sin City) لكن ليس بشكل رسمي إذ كان حضور (تارنتينو) مجرد حضور شرفي بوصفه ضيف أثناء عملية التصوير. وبعيداً عن التعاون المهني فالاثنان صديقان قديمان يربطهما المزاج الواحد والعشق الثابت للجنون والشطح وأفلامهما تشرح ذلك الجنون بوضوح. لذلك يبدو من الطبيعي أن يطلب منهما النهوض بمشروع مجنون ك(غريندهاوس)..
في القسم الأول من (غريندهاوس) واسمه (كوكب الرعب-Planet Terror) يتناول (روبرت رودريغيز) الثيمة الأثيرة لأفلام الرعب؛ ثيمة الزومبي، وبذات القالب المشهور حيث القرية المعزولة، المحاطة بالظلام، التي تواجه خطر الموتى الأحياء (الزومبي). البداية تكون مع سيدة جميلة تعمل في ملهى ليلي تشعر بالسأم من حياتها فتقرر ترك عملها والهرب بعيداً. وقبل خروجها من القرية تفاجأ ببشر يسيرون مترنحين يقتلون كل من يقابلهم في الشارع لتنشأ بسببهم مذابح رهيبة، ما يرغم الناجين على التعاون سوياً للهرب من هذا الجحيم. وخلال رحلة الهرب يكتشفون علاقة المخابرات الأمريكية -التي يمثلها النجم (بروس ويليس)- بهذه المأساة التي وقعت على القرية المأفونة. هنا لا تهمّ متابعة الحكاية لأنها مكشوفة منذ البدء وهي إعادة لحكايات قديمة معروفة. إن المهم هنا هو طريقة الصنع، تلك المحاكاة المدهشة لأفلام الرعب القديمة، حيث الأجساد الممزقة، والدماء السيالة، والفيروسات التي تفجر وجوه ضحاياها، والرشاشات التي توضع مكان الرجل المقطوعة لتصبح سلاحاً يفتك بمخلوقات الزومبي. ولا تقف المحاكاة عند هذا الحد بل تتجاوز ذلك إلى (شريط) الفيلم نفسه واحتراق بكرته وانقطاعه كما لو كان المشاهد يجلس فعلا في صالة السينما في سبعينيات القرن الماضي.
أما في القسم الثاني (برهان الوفاة) فيبلغ فيه الجنون مداه حين يذهب (تارنتينو) إلى أفلام المطاردات والقتلة غريبي الأطوار الذين يمتطون السيارات السوداء لممارسة هوايتهم في قتل السيدات الجميلات. بطل هذا القسم هو الممثل (كرت روسل). والحكاية تبدأ من مطعم في ضاحية أمريكية بعيدة مع مجموعة من السيدات اللاتي يتحدثن في كل شيء وعن كل شيء -بنفس أسلوب الحوارات الذي نراه عادة في أفلام (تارنتينو)-. وحتى منتصف الفيلم لا يحدث شيء سوى الحوارات بين هاته النسوة وبين مجموعة من الرجال من بينهم (كرت روسل) نفسه. وفي لحظة تنشأ لدى الصديقات الثلاث فكرة القيام بمغامرة على سيارة رياضية، وبعد حصولهن على السيارة، والانطلاق في الطريق السريع، تأتيهم من الخلف سيارة سوداء، يقودها سائق مجنون، هو (كرت روسل). ولتبدأ حينئذ مطاردات مثيرة للغاية ولحظات عظيمة ستكون حتماً من اللحظات الكلاسيكية التي لا تنسى. خاصة تلك اللحظة التي اقتحمت فيها السيارتان شارعاً حديثاً تسير عليه سيارات حديثة في خدش لذيذ لعامل الزمن يربط بين العصر الذهبي لتلك الأفلام وبين عصرنا الحالي الذي صنع فيه الفيلم ليكون أبلغ تحية لذلك العصر القديم.