الرئيسية > فن

رباب.. عندما ترضى روتانا ( 1- 4):

كيف استطاعت هذه الحنجرة أن تكون مطربة الخليج الأولى؟


أحمد الواصل

أثناء إعدادي لوضع مقدمة دراسية لتاريخ غناء المرأة في الخليج والجزيرة العربية عموماً كان لا بد من البحث عن مرحلة مفصلية بين تاريخين لغناء المرأة من وسط الفرق النسائية المختصة بالموروث الغنائي والتراث التقليدي (منذ قرن حتى منتصف القرن الماضي) وصولاً إلى استمرار الفرق النسائية الحالية (المتواجدة منذ ثلاثين عاماً) المختصة بالغناء الشعبي الآن فيما انفصلت المغنية لتنفرد بمسيرة مستقلة وكانت رباب من حققت هذا الفصل لذا فهذه دراسة تبحث في مسيرتها.

بقيت صورة رباب تلك المرأة قصيرة الشعر لابسة الدراعة السُّكَّرية اللون بوجهها المضيء بطبيعته وضميرها المجروح وقلبها النقي ترفع يدها اليسرى تسلطن وجع الغناء تجلس متربعة في إحدى جلسات الغناء من تلفزيون الكويت تغني أغنية الفتاة الجريحة بزواج محبوبها الذي غاب عن عادته يوم الخميس لقد عاد لي المشهد من جديد عندما مثلت القديرة حياة الفهد في مسلسلها: الفرءية (الفرجة) - 2006ذات الموقف عندما تذهب حمدة (حياة) إلى عرس زوجها وترقص مذبوحة من ألمها ولكن كانت ترقص على فن الخماري، ورباب كان صوتها يئن على إيقاع راقص مختلط (الدزة - سواحلي) كان يوظفه بذكاء أحمد عبدالكريم. ولعل تقطع متابعتي لتجربة رباب كونها بدت تلتبس مع تجربة عبدالكريم ذات الفترة نحو احتقان عاطفي يروج بين مادتي: الجرح والحزن، التي تشتبك، مع فارق القيمة والمستوى، مع تجربة غناء شعبي لدينا في تجربتي: عبادي الجوهر ومزعل فرحان. وأغنية رباب هذه: رحت أبارك - 1983(كلمات: عبداللطيف البناي - لحن أحمد عبدالكريم) تتقاطع بصلة مع موضوع أغنية: ساكن قصادي وبحبه لنجاة الصغيرة (كلمات: حسين السيد - لحن: محمد عبدالوهاب) وهذا باب للغناء القصصي في أرشيف الأغنية العربية ليس موضوعنا هنا.

ودعوة إلى أن تجربة رباب وعبدالكريم قد ساهمت أغنيات فايق عبدالجليل في اقترابي منهما حيث كنت انجذب إلى نصوصه الشعرية بوقع تلبية حداثة الأغنية الخليجية التي كان بنفسه عبدالجليل واحداً من فرسانها، ولعل مواكبة غناء الاثنين له: عبدالكريم ورباب، ما أدنى عتبة السماع بشكل جدي، وهذا ما حصل بغناء رباب: غيَّرت عنواني (لحن: عبدالرب إدريس) وغناء عبدالكريم عبدالقادر: أنا آسف (لحن: محمد شفيق) على معرفتي لاحقاً بنصوص لفايق عبدالجليل سكنت صوب رباب قبلها: إنت بديت، أتحداك، احتمالاتك خطا وسواها.

وإذا كانت غيرت عنواناً مدخلاً مباشراً إلى التجربة الغنائية لرباب لأنه حققت أموراً كثيرة:

1- حضورها الفني الذي ترسخ ثقافياً واجتماعياً.

2- انطلاقها القوي من الكويت صوب منطقة الخليج والعالم العربي.

3- تأسيسها تجربة خليجية تتجاوب مع الأغنية النسوية عربياً.

وحين تصدر من رباب هذه الكلمات ذات الأثر الفاعل من أغنية: غيرت عنواني في مقطع ذي ذروة مشحونة عاطفية:

"يا قيد في إيدي تصورَّتكء ذهب

وصَّلءتني لليأس وحدود التعب"

لهو يتجاوب بالتأكيد مع تلك الأمور وأهمها الدفعة القوية التي أسهمت بها مباشرة بعض الحناجر النسوية العربية في تطوير تناول قضايا المرأة العربية، خاصة في تأزم العلاقات العاطفية، بقيودها الاجتماعية، المنطلقة من موضوعة: الحب المستحيل كما تناولتها تجربة وردة بأغنيات: بعمري كله، مستحيل، لو سألوك، وفيروز: يا ريت منن، لما ع الباب، زعلي طول، وفي مرحلة لاحقة نراها متطورة عند ماجدة الرومي وسميرة سعيد وأنغام.

وتؤرخ أغنية: "غيرت عنواني - 1988" ما حققته رباب من حضور قوي في ساحة الغناء العربي منطلقة من الكويت صوب الخليج حتى الأقطار العربية حيث دخلت مركز الثقل الثقافي في حضارة الغناء العربي بعد أساس متين جاء بأفكارها ذات الشخصية المميزة مع مجموعة من كُتَّاب الأغنية والملحنين الكويتيين الأكفاء خاصة الجيل الذي واكب وصوله نضجه الفني والأدبي نهاية السبعينيات من الأسماء الكبيرة في عالم النغم: خالد الزايد وغنام الديكان وأحمد عبدالكريم والكلمة: فايق عبدالجليل وأمير عيسى ومبارك الحديبي كما ستواكب الجيل اللاحق، جيلها بالذات، في النغم راشد الخضر وسليمان الملا وأنور عبدالله وعبدالله الراشد والكلمة عبداللطيف البناي وجميل عاطف وخالد المقرن.

ولعل تهافت شركات إنتاج سعودية على احتكار أو طبع وتوزيع أعمالها، مثل: فنون الجزيرة وفرسان والتوكيلات، بعد مرحلتها مع شركة الإنتاج الكويتية: بوزيد فون، لسبب يؤكد مسألتين: (رغبة التعاون) مع صوتها تبعاً لمسألة ثانية هي (تضاعف قبول) تجربتها وتلقيها.

وقد جاءت رباب نهاية الخمسينيات من البصرة مع عائلتها العراقية بعمر لم يتجاوز ستة أشهر لتسكن الكويت متربية ومتعلمة في مدارسها حتى تعيينها موظفة في كورال وزارة الإعلام لترافق تسجيل أغنيات كثيرة خلال تلك الفترة حيث سنلحظ وجودها مع كورال نسائي في حفل أغنية: في الجو غيم (فايق عبدالجليل - يوسف المهنا) التي يغنيها محمد عبده نهاية السبعينيات على أحد مسارح الكويت ثم تقديمها من الملحن والمطرب غازي الشرقاوي شركة بوزيد فون حيث تعرف عليها الملحن خالد الزايد لتنطلق بأغنيتها الأولى: اجرح (كلمات: عبداللطيف البناي) عام 1980لتكون نواة أولى لأعمالها اللاحقة.

وستكشف تجربة رباب الغنائية ملحظين تأسيسيين لم يتناولا في كثير من المقابلات أو التقارير المدبجة عنها عن مصادرها الثقافية لكونها استوعبت بالسماع العفوي (طفولتها) ذروة نهضة الغناء الكويتي نهاية الخمسينيات ومطالع الستينيات مع كلاسيكية سعود الراشد وأحمد الزنجباري والنيوكلاسيكية أحمد باقر وحمد الرقيب ويوسف دوخي بأصوات: عوض دوخي وشادي الخليج وغريد الشاطئ ثم جيل التجديد عبدالرحمن البعيجان وغنام الديكان ومرزوق المرزوق وخالد الزايد ويوسف المهنا مع أصوات: مصطفى أحمد وحسين جاسم وعبدالمحسن المهنا، ولا ننسى استمرار تيار رواة الغناء (الموروث والتقليدي) بسادته الكبار عبداللطيف الكويتي ومحمود الكويتي وعودة المهنا وأم زايد (أمينة مبارك).

والملحظ الثاني أنها لم تقف عند نوع من التراث التقليدي كفن السامري مثل تجربة عائشة المرطى القصيرة، ولا الموروث الغنائي الشعبي مثل تجربة ليلى عبدالعزيز بل انطلقت من قلب حداثة الأغنية التي اندفعت مع عبدالرب إدريس وعبدالكريم عبدالقادر المدشنة حضورها عام 1972حيث سنرى تحولاً كامناً انفجر من خالد الزايد وأحمد عبدالكريم بألحانهما لها وضعت أسساً لأساليب غناء جديدة: التعبير والطرب النفسي لا الغرائزي الذي وصل الذروة مع عبداللطيف الكويتي وعوض دوخي، وتركيز التجربة على إعادة النظر نقدياً في استخدام المقامات الدارجة والمكرسة والإيقاعات المحلية والشعبية بحيث نوظف في صلب تجربة الحداثة لا على أطرافها حيث نرى في ذلك إشعاراً مضمراً إلى أن تجربة إعادة استخدام الألوان وإيقاعاتها على قوالب شعبية بمضامينها القديمة اصطدمت بجدار كسر أضلاعها عندما حدث مع (موضة) استخدام إيقاع الطنبورة عند باقر والبعيجان ودوخي والمهنا فيما كانت محاولات التجديد بين الديكان والحديبي لصوت مصطفى أحمد تصطدم في جمود أدائه وروتينه عوضاً عن مضامين أغنيات هاجسها بالماضي والموروث: "قال أحبك"، "ما دريت" بينما انكفأت محاولات البعيجان عن استمرارها إلى أبعد مع صوت الحساسية والعذوبة حسين جاسم لاعتزاله المبكر عام 1974وتوجه هم البعيجان نحو صوت عبدالكريم، ولكن بقيت النصوص تحوم بإرهاص حداثي ممتنع المدى مثل: "ناطرين أحباب" أو "وين مرساك؟" حتى شكلت ساعة الصفر من جديد فتحاً بين الملحن عبدالرب إدريس وصوت عبدالكريم لتخط اتجاهاً بدأ مرحلة مهمة في الغناء الكويتي أثرت لاحقاً على جيلين كل بطريقته: أحمد عبدالكريم وعبدالله الراشد وراشد الخضر وأنور عبدالله.

ahmed_alwasel@hotmail.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    جاءت رباب نهاية الخمسينيات من البصرة مع عائلتها العراقية بعمر لم يتجاوز ستة أشهر لتسكن الكويت متربية ومتعلمة في مدارسها. تحية تقدير واعجاب للكوبت الصغيرة بحجمها الكبيرة في ابراز وتشجيع المواهب في جميع المجالاات الفنية والرياضية والدينية وغيرها.

    سمير فهد - زائر

    05:25 صباحاً 2007/06/21


  • 2
    رباب في بداية الثمانينات كانت مع عبدالكريم عبدالقادر هي رسول المحبين وأهات العاشقين.. أجرح وعذب على ماتشتهي.. الصدق يبقى والخديعة تنتهي..
    واتحداك إذا تقدر تخاصمني..
    والأأغنية التي يشدو بها راشد الماجد وقد لايعرف بعض محبوه مكن فناناها الأصلي.. أرجوك أرجوك..يامن خنت حبي..
    كانت أغلب أغاني رباب تمثل دور الفتاة المحزونة أو المطعونة من حبيبها..وشخصيا أرى ان رباب قد امتزجت به هذه الاغاني لدرجة انك تشعر انها مفصلة تماما عليها.. لكن أتذكر مع موجة الفيديو كليب منتصف التسعينات ان رباب عادت بعد غياب لكن للأأسف لم تكن هي رباب التي نعرفها..
    لكن لن ننسى ابداعها منذ سنوات في غناء مقدمة واغاني مسلسل حياة الفهد : جرح الزمن.

    اسامه - الشرقية - زائر

    09:58 صباحاً 2007/06/21


  • 3
    الله لا يشغلنا الا بطاعته

    ام خالد - زائر

    10:13 صباحاً 2007/06/21


  • 4
    بصراحة أحسدك ايها الصحفي المهني على هذا السبق...

    فرج المنصوري - زائر

    01:22 مساءً 2007/06/21


  • 5
    الكل يعرف بأن الغناء هو لهو الحديث المذكور في الآية الكريمة
    اللهم صن أسماعنا وأبصارنا عن الحرام وإهدي ضال المسلمين اللهم آمين

    جواهرعبدالله - زائر

    03:47 مساءً 2007/06/21


  • 6
    الاستاذ احمد الواصل: مليون تحيه للكاتب على هذا الابداع المفصل, تحيه اكبار ايضا لجريدة الرياض و الزميل حسن النجمي. رباب فنانه الخليج الاولى بلا واسطه ولا دعم حكومات ولا واسطات قنوات فضائيه. رباب برزت ولم تعتمد الا على الصوت و الاحساس وليس على الازياء و الاطقم الالماس و الساعات Cartier, Chopard و غيرها. والغريب ان روتانا تدعي دعم الفنان الاصيل والملاحظ انه اغاني رباب لا تعرض الا كل كم شهر مرة بالكاد تذكر (ماشاء الله عليك يا سالم الهندي)؟! زلكن المعادله الصعبه ان رباب سيدة الغناء الخليجي مهما فعلت بعض المطربات ذوات النفوذ الحاقد(والشاطر يفهم) مرة اخرى احمد, الف شكر انك انصفت رباب فانها تستحق وسنواصل قراءة باقي السلسله الى الرابعه ولقاء مع رباب مطول.

    عادل - زائر

    05:37 مساءً 2007/06/21



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة