يطالب الجميع باستحداث آليات عملية فاعلة ومرنة وقابلة للتطبيق الفوري لوقف الانتشار المتسارع للغش والتقليد والحد من اتساع رقعته، والوفاء الإجباري بخدمات ما بعد البيع من ضمان وتوفير قطع الغيار ولا ننسى ارتفاع بعض اسعار منتجات ليس له ما يبرره، ويستبشر التاجر (الأصلي) والمستهلك على حد سواء بالتهديد والوعيد الذي يعلو جنبات كل مناسبة رسمية تختص بالحديث عن الغش والتقليد، وهي المناسبات التي لا تتجاوز في الغالب حدود المكان والزمان ومجرد إنذارات وحرب ضروس ضد الغش والغشاشين، ليعود بعد ذلك كل شيء على ما كان عليه.
وفي أمكنة كثيرة ومتناثرة وحتى هذه اللحظة، ما زال التاجر المقلد (بكسر اللام) أو المقلد (بفتح اللام) كلاهما سواء.. يستيقظ صباح كل يوم كعادته لتسويق وترويج بضاعته (المرممة) غير عابئ بالأنظمة والتشريعات أياً كانت (لأنه كلام في الهواء) ولأن لكل عقدة في نظره ولها حل وإذا أوصد باب فهناك أبواب.
ومبدأ تهاون واستهتار هذا التاجر المقلد أو ذاك هو أنه يعي تماماً ماذا يريد المستهلك. يدعمه في ذلك الثقافة الاستهلاكية المتردية والتي لابد ان نعترف بوجودها ولو بنسب متفاوتة بين بعض شرائح المستهلكين. من جهة اخرى يعمل التاجر (الأصلي) بخدماته - العالية التكلفة - من دون قصد على تحفيز التاجر المقلد وإثارته للمضي قدماً وبنشاط منقطع النظير لضخ المزيد من السلع البالية الى اسواقنا المحلية، بالإضافة إلى انه من الواضح ان المنتمين لدائرة الغش والتقليد قد تكيفوا تماماً مع قوانين المكافحة والعقوبات والتي أثبتت أنها أشبه ما تكون ب"عتاب أحبة" وليست عقوبات رادعة قادرة على استئصال جذور الغش وتوابعه وحرق أوراقه أو تخفيف منابعه.
وكما قال الاقتصاديون من أن الغلاء والتصاعد في الأسعار دون مبررات مقبولة لدى المستهلك، والتي يلجأ إليه الكثير من أصحاب الوكالات وموزعيهم المعتمدين والباعة بشكل عام بحجة ان بضاعتهم اصلية وذات جودة عالية، يعد من العوامل المحرضة على انتشار الغش، وهي ما انعكست سلباً على أسواقنا ككل، وهي ما ساعدت وشدت من أزر ذلك الزحف الكبير للسلع المقلدة.
إن ما يلفت الانتباه ضمن انظمة وزارة التجارة والصناعة هو سن العقوبات الرادعة لمن يلجأ لتقليد سلعة لا يزيد ثمنها عن العشرة ريالات. وهي عقوبات مستحقة ولا يمكن التهاون فيها ولكن لن تجد بين كل عقوبات الردع هذه ما يشير حتى إلى لفت الانتباه لمن يبيع سلعة أصلية بأضعاف أضعاف ثمنها المستحق وهذه حقيقة صريحة جاءت على لسان الدكتور عبدالعالي العبدالعالي مدير إدارة مكافحة الغش التجاري بوزارة التجارة والصناعة. ويمكنك ان تلحظ هذه الحقيقة الجلية عبر التخفيضات الموسمية التي يقدمها بعض هؤلاء والتي تصل في مجملها إلى 80أو 90%.
إن المعاناة الحقيقية للمستهلك لا تقف عند حد تقليد سلعة أو تزوير في بلد المنشأ فتلك ماهي إلا إفرازات للداء الحقيقي الذي أخل بوظائف الجسم ككل. إنه الاحتكار أولاً ثم الخداع والتحايل ثانياً، هذا الفساد الاستهلاكي لا تظهر مساوئه في حيز المستهلك فقط بل يتعدى ذلك إلى الإخلال بالعملية الاقتصادية والتنموية ككل عبر فقد الثقة بكل ما حوله من سلع ومنتجات. ولتكون هذه الضربة الموجعة والخنجر الأخير الذي زرع في ظهر المستهلك قبل المثول أمام المنافسة الحقيقية وإثبات الوجود وفك احتكار الخدمات المقدمة. وما علم هؤلاء ان "غبن المسترسل ربا" كما قال عليه الصلاة والسلام.
condsumer@alriyadh.com