الرئيسية > فن

ضوء

كلمة وداع


عبدالعزيز الصقعبي

"ماذا أكتب وأنا ابن عشرين أو ثلاثين؟ لا مدرسة لي غير الحياة، بقيت تلميذاً لها إلى أن قدّرت أنها قد تسحب مني ما أعطتني إياه وعلمتنيه. فالشيخوخة والهرم لا يبقيان عند الإنسان ذاكرة عامرة بشيء. وهكذا فتحت أوراقي وناديت على إبلي وأغنامي ورعاتها أن ادخلوا أوراقي وضعوا عليها هويتي، وإن كانت "باقل" في قومه العرب!! ولا أظن أني مطالب من أحد بشهادة تجيز لي إفراغ ما أكسبتنيه الأيام، فهي ما تقلقني دائما إلى أن أذهب بها في خاطرة أو هاجس، خامل أو نشط، إلى الشارع العام. فما أردت أن أودع الحياة دون أن أترك لأولادي كلمة وداع يرون فيها كيف سارت بي الحياة على جمل، أو على قدم حافية أو مركبة فضاء!! وهكذا أرتنا الأيام والليالي ما يضع على حياتنا ومسلكنا كثيراً من علامات الاستفهام والتساؤلات".

الكلام السابق لمعالي الشيخ عبدالعزيز بن عبد المحسن التويجري - رحمه الله -، اختتم بها مقالة بعنوان "هاجس أخافه" من كتابه "أجهدتني التساؤلات معك، أيها التاريخ"، وبكل تأكيد جميع كتبه تحفل بإبداع شبيه بهذا، يطرح بها رؤيته، ويكفي أن رسائله إلى المتنبي وفق رأي الدكتور محمد هدارة "وثائق في تحليل النفس البشرية والفكر الإنساني وخلاصة عبرة الماضي ونقداً للحاضر وتطلعاً إلى المستقبل، والحديث عن عطاءات عبدالعزيز التويجري في مجال الفكر والأدب، ودراساته التاريخية المهمة وبالذات فيما يتعلق بسيرة الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه -، يتطلب جهداً كبيراً ودراسات متعددة، ومقالة صغيرة لا تتجاوز غالباً رصد مشاعر التقدير والإعجاب لهذا الرجل، ولكن ثمة أمر حقاً استوقفني منذ أول كتاب للشيخ التويجري اطلعت عليه، ألا وهو العنوان، هل توقف أحدكم عند عناوين كتبه، ألا تلاحظون أن ثمة إبداعا خاصا للعناوين، مثال ذلك كتابي "لسراة الليل هتف الصباح، و"عند الصباح حمد القوم السرى" وهما دراسة وثائقية عن الملك عبدالعزيز، ربما لو كان المؤلف غير الشيخ التويجري لاكتفى بالعنوان المباشر، ولكن بكل تأكيد أنه يحرص على التميز حتى بالعنوان والذي يوحي بمدلول يضيف الكثير إلى مضمون الكتاب، ولنا أن نستعرض بعض عناوين كتبه الأخرى والتي حرص أن تكون عناوينها لافتة ومتميزة مثل: حتى لا يصيبنا الدوار.. رسائل إلى ولدي، منازل الأحلام الجميلة.. ، حاطب ليل ضجر، أبا العلاء ضجر الركب من عناء الطريق، خاطرات أرقني سراها، ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن، رسائل خفت عليها الضياع، أجهدتني التساؤلات معك أيها التاريخ، راكب أدلج في ليل طال صباحه، وغيرها، صدقوني تلك العناوين لوحدها تستحق التوقف عندها ودراستها كنوع من الإبداع، وهنا أتمنى أن تقوم أحدى المؤسسات الثقافية في المملكة بإعادة طباعة جميع الكتب التي ألفها عبدالعزيز التويجري رحمه الله، ليطلع عليها كل قارئ فحسبنا ما قاله في أول هذه المقالة من حرص أن يترك لأولاده كلمة وداع يرون فيها كيف سارت به الحياة.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة