الرئيسية > مقالات اليوم

سياسة الاغتيالات


جهاد فاضل

الواقع ان ما يدينه وزير الخارجية الفرنسي وما ادانه قبل اكثر من ربع قرن نائب ووزير وزعيم لبناني راحل هو من البديهيات التي لا يناقشها اليوم احد لا في المجتمع المتحضر ولا في أي مجتمع آخر يتمتع بحدّ ادنى من التحضر.

ذكرتني ادانة وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير لسياسة الاغتيالات، اثناء زيارته الاخيرة إلى لبنان، بكلمة قالها لي الزعيم الجنوبي اللبناني الراحل كاظم الخليل بعد نشوب الحرب اللبنانية عام 1975م، كان كاظم الخليل النائب عن مدينة صور، احد نجوم السياسة اللبنانية لما لا يقل عن نصف قرن، وكان مشهوراً بحنكته وكفاءته وقدرته على حلّ المشكلات السياسية عندما تستعصي هذه المشكلات على الحلّ، ولكن كاظم الخليل اختفى تماماً عن المسرح السياسي اللبناني بعد نشوب حرب 1975م ولاذ ببيته في الحازمية لا يغادره، كما انقطع عن المشاركة في أي نشاط عام، لا في السرّ ولا في العلن، وكأنه لم يكن يوماً هذا السياسي الفائق النشاط والحيوية، واذكر ان صديقاً مشتركاً اصطحبني يوماً لزيارته في منزله، فسألته لماذا انقطع عن العمل السياسي والبلد بأشد الحاجة إلى العقلاء امثاله فقال لي ما ملخصه انه لم يعد من موجب، لا له ولا لامثاله من السياسيين، التعاطي في الشأن العام بعد ان ارتفع صوت البندقية على صوت السياسة، واضاف: "كنا نتعاطى في السياسة عندما كان في لبنان سياسة اما اليوم فلم يعد لنا أي تأثير بعد ان اصبحت المليشيات المسلحة هي سيدة الساحة، وبعد ان باتت حياة كل من يعمل في السياسة في خطر، كم تكلف عملية قتل سياسي في لبنان الآن؟ عدة رصاصات؟ لبنان كله تحول إلى ترسانة اسلحة".

كوشنير يدين سياسة الاغتيالات التي حصدت زهرة السياسيين، والمثقفين اللبنانيين، ويقول انه لا يفهم كيف ان لهذه السياسة محلا في المجتمعات المتحضرة، كوشنير القادم من مثل هذا المجتمع المتحضر، يعتبر ان السياسة تقارع بالسياسة، كما يقارع المنطق بالمنطق، والحجة بالحجة، وان السياسة عقل ومنطق ومنافسة بين برامج وتوجهات، وليست ابداً كتماً للصوت، أو كاتماً للصوت، والغاء للآخر برصاصة أو بغير رصاصة.

اما كاظم الخليل فقد اعتبر في كلمته التي قالها لي ان السياسة لا تأتلف مع سيطرة المليشيا على الشارع، وان المليشيا عندما تسيطر، لا يبقى امام السياسي سوى ان يلوذ ببيته، وان يكتب مذكراته، فكيف إذا كان البلد كله قد تحول إلى عدة مليشيات، وباتت هذه المليشيات تتناحر فيما بينها، وتتقاتل،فهل من مكان بعد ذلك للسياسة والسياسيين؟

الواقع ان ما يدينه وزير الخارجية الفرنسي وما ادانه قبل اكثر من ربع قرن نائب ووزير وزعيم لبناني راحل هو من البديهيات التي لا يناقشها اليوم احد لا في المجتمع المتحضر ولا في أي مجتمع آخر يتمتع بحدّ ادنى من التحضر. فهل هناك نظام سياسي في العالم يظل محتفظاً باحترام العالم له، يلجأ، وعلى مدى سنوات طويلة، لا إلى سجن الرأي، بل إلى تصفية صاحبه بقسوة، وبصورة تقشعر لها الابدان، ان سجن صاحب الرأي هو مبدئياً غير مبرر، فكيف بتصفيته جسدياً؟

والواقع ان سياسة الاغتيالات هي نفي للسياسة أصلاً من أيام ارسطو الى اليوم، اتفق الجميع على ان السياسة هي فن تدبير الحياة العامة، ورعاية شؤون الناس، وتلبية حاجاتهم. والأكيد أنه لم يدر ببال ارسطو لحظة واحدة ان الاغتيال له ما يبرره، وان من حق الحاكم ان يلجأ اليه لتصفية خصومه. فأرسطو اعتبر ان لا مهنة اشرف من مهنة السياسة لأنها تبتغي المصالح العامة وتغلبها على أية مصالح أخرى. والى اليوم مازال كتاب ارسطو يطبع ويقرأ ويشكّل المصدر الأول لهذه المهنة الشريفة بطبيعتها وجوهرها. أما زميله في الفلسفة، وتلميذه في الوقت نفسه، أفلاطون، فقد سلك مسلك أستاذه في توقير السياسة، وصاغ جمهوريته "الفاضلة" التي تعلي من شأن العقل والفكر والتدبير والفضيلة وابتغاء المقاصد العامة الشريفة.

تعتبر السياسة مرحلة متقدمة في حياة البشرية وقد استقرت قواعدها وتقاليدها في المجتمعات الحديثة وباتت نوعاً من قوانين غير مكتوبة. وأي نشاز في تطبيق هذه القواعد والتقاليد يثير اشمئزاز القوم، ويعيد الى الذاكرة مجتمعات القرون الوسطى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مجتمع "الحشاشين" وزعيمهم في قلعة "الموت" الفارسية، الذي كان يلجأ الى تصفية خصومه بواسطة الخناجر المسمومة التي كان يزود بها رجاله. وكان زعيم الحشاشين هذا يستخدم "الحشيش" في جعل اتباعه يفقدون ارادتهم، ويطيعون اوامره طاعة عمياء. ولكن الحشاشين مضى زمانهم، والزمان اليوم هو للعقل والعقلانية والحوار والاصغاء إلى الآخر بنية الاستفادة من فكره، لا للايعاز بعد ذلك بتصفيته على النحو الذذي شهده بلد الأرز، وما يزال يشهده الى اليوم.

سياسة الاغتيالات نفي للسياسة واستبعاد لشرعتها، كما هي استدعاء لشرعة أخرى هي شرعة الغاب، وهذا ما لا يجوز أن يكون له محل في عالم اليوم.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة