يتميز هذا العصر بأنه عصر الثقافات المختلفة، خصوصاً السلبية منها، فهناك ثقافة الرعب وثقافة الإرهاب وثقافة العنف وثقافة الكذب، وثقافة التحريض وغيرها، وطبعاً هناك ثقافات إيجابية في مقدمتها ثقافة المقاومة.
وهذه الثقافات السلبية، متشابكة ببعضها البعض، وتعتمد في نجاحها على وحدتها، فثقافة الرعب تحتاج إلى بث الخوف في النفوس من ما يسمونه بالإرهاب، ولتعزيز ذلك، هناك حاجة إلى ثقافة التحريض، ولكي تنجح هذه الثقافة، فإنها بحاجة إلى ثقافة الكذب والتبريرات عندما تكشف الأكاذيب، والهدف من كل ذلك هو تبرير العنف، والغطرسة، والذي يواكبهما، غزو بلاد أخرى، وتجنيد مليارات الدولارات لتنفيذ المآرب التي تهدف إلى السيطرة على العالم، ولتحقيق كل ذلك، فإن القائمين على هذه الثقافات بحاجة إلى تغطية جماهيرية نابعة من الرعب الذي ترسمه له هذه المجموعات.
فمنذ وصول جورج بوش إلى البيت الأبيض، واختياره ديك تشيني نائباً له، وهما ينشران ثقافة الرعب، مستغلين أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، كمدخل لتطبيق سياسة عنصرية داخل وخارج حدود الولايات المتحدة.
فقد استطاع بوش وإدارته نشر الرعب في قلوب الأمريكيين لمدة تجاوزت الخمس سنوات، حيث لا يتركون فرصة إلا وذكروا الشعب الأمريكي بأنه يواجه خطراً يشكل تحدياً لأمنه القومي.
ولكي تنجح ثقافة الرعب هذه كان من الضروري أن تربط إدارة بوش تحركها مع عدد من العناصر، في مقدمتها ما تسميه بالإرهاب، ووضعت تحت هذا البند عناصر كثيرة، منها الثقافة الإسلامية، والملامح الشرق أوسطية، والأسماء العربية، ونشر الشرطة في شوارع المدن الرئيسية ورفع مستوى الحذر الأمني من أخضر إلى أصفر إلى أحمر، وقيام الشرطة بين الحين والآخر باظهار عضلاتها، وشددت ما سمته الأمن في المطارات ومحطات القطارات وغيرها من الأماكن العامة، كل ذلك كي تجعل من البعد الأمني مدخلاً يشعر كل إنسان فيه بمدى "الخطورة الإرهابية التي تواجهه" عن طريق التفتيش الدقيق، وخلع الأحذية، ومنع حمل حتى معجون الأسنان، أو أنابيب صابونة الحلاقة وغيرها من الأمور أثناء السفر بالطائرات، وهي أكثر المواصلات طلباً في أمريكا، كل ذلك من أجل ادخال الرعب إلى نفس رجل الشارع الأمريكي. الأمن مطلوب، وهو متواجد في كل مطارات العالم ومحطات قطاراتها، ولكن ليس بالصورة التي تقوم بها السلطات الأمريكية، السبب أن لهذه السلطات بعدا سياسيا/ اقتصاديا.
وتطور وضع ادخال الرعب إلى القلوب يمر عبر الثقافات الأخرى، وفي مقدمة ذلك الثقافة العربية والإسلامية، مشيرين إلى أن "الدين الإسلامي يحمل عنصر العنف الذي يؤدي إلى الإرهاب". ولعل الهجوم الذي شن على رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، اثر وضع غطاء على رأسها عندما قامت بزيارة الجامع الأموي أثناء زيارتها إلى دمشق، حيث قالت بعض الصحف أنه كان يتحتم عليها أن لا تذهب إلى الجامع، كي لا "تتحجب"، هو مثل واحد فقط.
وعندما قامت بيلوسي بزيارة إلى "مجلس الشورى" السعودي، أثناء زيارتها للمملكة، كان السؤال الذي دار بخاطر الصحفيين أن يسألوه فور خروجها من هناك، هو عن رأيها في أعضاء هذا المجلس الذي لا يضم فيه امرأة واحدة. وأجابت بيلوسي: "لقد احتاجت الولايات المتحدة إلى أكثر من مائتي سنة كي تصل سيدة إلى منصب رئاسة مجلس النواب".
وللمقارنة فقط، فإننا لا نسمع أي انتقاد لأي مسؤول أمريكي، أو غير أمريكي، يضع "اليماكا" على رأسه (وهي قبعة صغيرة يضعها الإنسان على رأسه عندما يدخل معبداً دينياً يهودياً). ولكن الهجوم على بيلوسي يصب في خانة ثقافة الرعب والتحريض.
وثقافة الرعب هذه والتي يواكبها حملة التحريض على العرب والمسلمين، هي في والواقع من صلب الفلسفة السياسية التي يتبناها المحافظون الجدد في أمريكا. فقد حاولوا عن طريق مبعوثهم، بوش، أن ينشروا هذه الثقافة، آملين أن تفسح لهم إمكانية السيطرة على العالم. وقد ظهر ذلك في موقف بوش قبل غزو العراق عندما قال لدول العالم "إما معنا أو معهم".
ولكن يبدو أن هذا الخط من التفكير قد أخذ يفقد بريقه، خصوصاً بعد أن تبين للشعب الأمريكي وللعالم أن الإدارة الأمريكية، والمحافظين الجدد، والمسيحيين الصهاينة، قد أفرغوا ما في جعبتهم من أكاذيب، وظهر وجههم الحقيقي الهادف إلى السيطرة على العالم، ودفعه في متاهات حروب قد تعود بالفائدة المادية على شريحه ضيقة في المجتمع الأمريكي، وفائدة معنوية في وضع الولايات المتحدة كقائدة وحيدة على العالم تتصرف به كما تشاء.
فقد وجد الشعب الأمريكي أن هذه الإدارة فشلت في تحقيق أي شيء في العراق، سوى اقناع العراقيين بأن نظام الاحتلال أسوأ بكثير من نظام صدام حسين وبدأ الكثيرون يترحمون على أيام صدام.
ويبدو أن المحافظين الجدد لن يرتاحوا قبل ادخال الولايات المتحدة بحرب إضافية، وليس عن طريق الصدفة أن وصف بوش نفسه ب "رئيس حرب". وهو يحاول أن ينهي فترة وجوده في البيت الأبيض، عن طريق حرب جديدة. ولكي ينفذ ذلك يحتاج بوش إلى حلفاء جدد بعد أن خاب أمله بالحلفاء القدامى. فقد بدأت دول التحالف بسحب قواتها من العراق، وتواجه أمريكا معارضة شديدة في المؤسسات العالمية لتحركاتها، ونرى ذلك واضحاً على مستوى شعوب العالم أيضاً.
فمن هنا نستطيع أن نفهم التحرك المكثف لكوندوليزيا رايس في منطقة الشرق الأوسط، ومحاولة إدارة بوش كسب ود العرب عن طريق رفع شعارات بحل القضية الفلسطينية عن طريق إقامة دولة فلسطينية.
ولكن هذا لم يمنع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله من نعت الاحتلال الأمريكي للعراق بأنه "احتلال غير مشروع". إضافة إلى أن الكونغرس الأمريكي لا يؤيد حرب بوش الجديدة، ونأمل أن لا يقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه عندما منح الكونغرس بوش صلاحية غزو العراق، الشيء الذي ندم عليه الكثيرون في الكونغرس.