العيب لم يكن يوماً في اللغة العربية في قدرتها على مواجهة كل استحقاقات النمو والمعرفة والإبداع.. المشكلة في تراجع قدرتنا في بناء مشروع وطني حقيقي قادر على جعل اللغة العربية لغة علم تطال كل مناحي الحياة. المشكلة في الاستلاب والانبهار باللغة الأجنبية وكأنها تميز خاص وعنوان للإبداع
من المؤسف انه حتى وقت قريب كانت تنشط الدعوات المخلصة، لتعريب التعليم العالي لا من منظور عاطفي أو انحياز للغة الأم، ولكن من منظور الجدوى وترسيخ قيم الابداع والتميز، وادماج اللغة الأم في مشروع تقدم ونهضة.. لكن ها نحن اليوم نقاتل من أجل الحفاظ على كيان التعليم العام من هذه الهجمة التي تريد انتهاك آخر حصون هذه اللغة من خلال الترويج للتعليم العام بلغات أجنبية.
قرار وزير التربية والتعليم الاخير حول هذا الأمر، فتح الباب مشرعاً على مصراعيه لاحداث نقلة كبرى وخطيرة لتقديم نوع من التعليم يختلف عن التعليم الحكومي وهو يقدم الغطاء القانوني والنظامي للتعليم في المدارس الأهلية بأي لغة غير العربية.
التعميم صدر تحت مسوغ فتح مزيد من أبواب التميز والإبداع والتطوير التربوي.. وهذا نص التعميم لا من عندي، وهو أيضاً يريد تقديم نوع من التعليم يختلف عن التعليم الحكومي وهذا جزء من نص في مسوغات القرار!!.. وهو يعني ان الباب اليوم مشرع نظامياً لكل مدرسة أهلية تريد ان تعلم منذ الصفوف الاول بغير العربية.
لا أريد ان تكون هذه القراءة دفاعاً عن اللغة العربية وقدرتها على احتواء العلوم استيعاباً معرفياً وقدرة على التعبير عنها بكافة أشكالها، بل وإنتاج العلم والمعرفة وتقوية صلتها بمشروع تنمية وطنية عنوانه التقدم العلمي والتقني وادماج لغة العلم في نسيج وطن.
أريد في البدء ان أقرأ في مسوغات هذا القرار الذي أصاب الكثيرين من أبناء هذا الوطن بالدهشة، لا من حيث جرأته وتجاوزه على معنى الانتماء للغة الأم وتعميقها في نفوس الناشئة وهم يخطون اولى مراحل تعليمهم بلغة اجنبية، فاللغة انتماء بكل ما يحمل هذا المعنى من تداعيات وليست أوعية معرفية فحسب.. سأتجاوز هذا المعنى لبحث الجدوى والمسوغات التي دفعت لاتخاذ مثل هذا القرار حسب نص التعميم الصادر عن الوزارة.
نص القرار يتوسل فتح أبواب التميز والإبداع والتطوير التربوي.. فهل هذا المسوغ صحيح علمياً وهل يستند إلى دراسات وأبحاث وتجارب يمكن اعتمادها؟ هل تملك وزارة التربية والتعليم أي دراسات أو بحوث أو تجارب، تذهب إلى ان التميز والإبداع والتطوير التربوي يتأتى من خلال استخدام لغة غير اللغة الأم في التعليم العام. لا اعرف ان ثمة دراسات من أي نوع ربطت بين الإبداع والتميز والتطوير التربوي وبين التعليم بلغة خاصة تدفع للتخلي عن التعليم باللغة القومية أو الوطنية أو اللغة الأم لتتوسل لغة تعليم اخرى منذ الصفوف الاولى.. بل الأمر على العكس تماماً فهناك دراسات وابحاث تقدم نتائج تجعل الابداع والتميز رهينا أيضاً بالبقاء في حضن اللغة الأم معرفة واستلهاماً وتداولاً وإنتاجاً. هل يمكن تجاوز مسألة علمية في قرار أو تعميم عاجل لا يجد ما يتوسله سوى مسوغات الإبداع والتميز والتطوير التربوي!!
إن قراراً من هذا النوع هو قرار سيادي لا يمكن البت فيه بهذه الصورة، طالما كان فيه ضرر محض على عقل نشء، منذ ان بدأ يعي معنى المعرفة أخذت تتسرب إلى عقله عبر لغة غريبة تجعله هجيناً مشوشاً قبل ان يشتد عوده ويتذوق لغة انتمائه الاول، ويقبل عليها كوعاء تفكير وتعبير وتداول، ماذا يتوقع من أجيال ستكون ثمرة لقرار مثل هذا.
هذا القرار كان ينبغي ان يكون من أكثر مشروعات القرارات تداولاً ودراسة وبحثاً قبل اقراره، هذا القرار كان ينبغي ان يكون مصدره قراءة علمية عميقة لا فقط في وعي الانتماء والهوية وآثار التشوه الذي يمكن ان يترتب عليه في عقل جيل ينفصل عن لغته الأم منذ الايام الاولى لنشأته، القرار ينص على تعليم مختلف عن التعليم الحكومي توسلا للابداع والتميز، هل هناك هجاء أكبر منه هذا للتعليم الحكومي، وكأن التعليم المتميز والمبدع والمطوّر قنطرة عبوره لا تتأتى سوى من خلال التعليم بلغة غير لغة التعليم الحكومي.
التعليم الأهلي لم يعد تعليماً مقصوراً على بضع مدارس.. انه يشكل اليوم ما يقارب 51% وربما أكثر من حجم التعليم العام في بلادنا.. وقد اصبح هذا القرار منذ يوم صدوره مسوغاً لكل مدرسة اهلية ان تحول برامجها للتعليم بغير اللغة العربية لأسباب تجارية وسنرى خلال الأعوام القادمة كيف تصبح المدارس الأهلية واقعاً ومشروعاً عن تعليم طالما تمسكنا بعناوينه الرئيسية ونادينا بتطويره، لكن هذا التطور جاء من جذور اللغة التي طالما تمسكنا بها هوية وانتماءً وابداعاً وعطاءً، لا مجرد لغة معزولة عن معنى الوطن والانتماء والحياة العملية. هذه النظرة القصيرة اليوم لمفهوم اللغة هي التي خنقتها في وعاء العولمة، ودهشة الاستلاب والانبهار، سنفعل فعلها في انتشار مزيد من المدارس الأهلية وتقديم جرعة الانبهار باللغة الاجنبية عنواناً للتعليم، حد اننا نضحي بابنائنا في مشروع تعليم لم يُختبر ولم تقرأ نتائجه البعيدة لنتوسل ان هذا من باب التطوير التربوي أو من باب التميز والابداع!!
كيف مرت هذه المعاني على وزارة التربية والتعليم، وكيف جاء مضمون القرار على هذا النحو؟ ماذا ينقص التعليم الحكومي؟ هل هذا اعتراف ضمني بأن التعليم الحكومي متعثر، ولم يعد نموذجاً يمكن تطويره سوى من خلال فتح الباب للتعليم بأي لغة؟ هل يمكن اعتبار هذا القرار إدانة للتعليم الحكومي الذي عجز عن تطوير أدواته حتى تتبنى الوزارة تعليماً أهلياً يفتح الباب على مصراعيه للتعليم باللغات الأجنبية أي كانت هذه اللغات.
ليقدم لنا أي مسؤول تربوي دليلاً على ان التعليم باللغات الاجنبية هو فتح لباب التميز والابداع! الدراسات التي تناولت هذه المسألة لم تضع التعليم باللغات الاجنبية منذ الصفوف الاولى عنواناً للابداع والتميز، بل انها وضعت محاذير لا بد من أخذها بعين الاعتبار، من بينها خطورة هذا النوع من التعليم على الهوية والانتماء وزيادة مساحة التشتت بين لغة التفكير والتعبير مما يخلق حالة من الارتباك.. حتى تضاؤل فرص الابداع، خلال ثلاثة أعوام متتالية حقق الطلاب الكوريون واليابانيون الذين لا يحسنون غير لغتهم أعلى الدرجات في حقول معرفية تتميز بالابداع كالرياضيات والفيزياء ولم يحققها الطلاب الذين تعلموا باللغة الانجليزية.
الثابت علمياً أن الإنسان يفكر آلياً بلغته الأم التي يتحدث بها في مجتمعه، والإنسان العربي مثل أي إنسان آخر يفكر بلغته العربية ومن الصعب ان يتحدث بلغة ويفكر بأخرى.. إذاً سيضيع قسماً من وقته وجهده في الترجمة بين الفكر واللسان، فالتفكير باللغة الأم ثم ترجمة الأفكار إلى لغة اجنبية للشخص ذاته سينتج لغة مشوشة غالباً لا تكون تعبيراً سليماً عن الفكر.. ناهيك عن الطاقة الذهنية المهدرة التي كان من الأفضل صرفها في الابداع عوضاً عن ضياعها بين الفكر واللسان..
ما هي القيمة الحقيقية المتأتية من تعميم تعليم عام بغير اللغة الأم؟ لماذا اصبحت اللغات الاجنبية وخاصة الانجليزية تكتسح الوعي الجمعي بالتميز، ولنفترض اننا اصبحنا اسيرين للغة الاقتصاد والمال والتقنية وسوق العمل، ولم تحل لغتنا العربية بديلاً عنها لأنه لا مشروع لدينا لاحلالها بديلاً عن اللغات الاجنبية.. هل يمكن ان نعالج خلل تواضع المنجز تجاه لغتنا الأم من خلال انتهاك هذا الحصن الاخير للانتماء. أليست اللغة هي الوعاء الفكري للأمة الذي يجسد شخصيتها ويربط ماضيها بحاضرها وهي أداة التواصل لربط الأجيال بتاريخها وخبراتها.. لا أريد ان ادخل في مرافعة معرفية حول اللغة العربية، فاللغة العربية هي لغة علم وقادرة بمكوناتها ومخزونها ان تكون لغة علوم وتقنية.. وابداع وتميز.. لا اتحدث هنا من فراغ بل من خلال معايشة وعمل في هذا المجال، ومن خلال تجربة شخصية مررت بها منذ ان كتبت أول اطروحة ماجستير في فيزياء الجوامد باللغة العربية عام 7891م في جامعة الملك سعود، وفي وقت لم تكن تطورت أدوات الترجمة الآلية، إلا ان المصطلحات العلمية المعرّبة كانت معقدة أو صعبة. لقد شاركت في كثير من المؤتمرات العلمية التي تناولت هذا الجانب ولم أجد يوماً ورقة ربطت الابداع والتميز والتطوير يتوسل تعليم العلوم بغير العربية. لنترك كل هذا جانباً ولنسأل أنفسنا ما هي المصلحة والمكاسب المتأتية التي سنجنيها من الانحياز للتعليم منذ الصفوف الاولى بلغة غير لغتنا العربية؟ وما هي الخسائر المترتبة على نمو وعي مزيف بقيمة التعليم بلغة اجنبية. أعتقد انه لا قيمة لكل هذا سوى التمكن من اجادة لغة يبحث عنها سوق العمل لا أكثر ولا أقل، وليست مضموناً للابداع أو عنواناً للتميز.، وهذا الأمر يمكن معالجته عبر تقوية دراسة اللغة الانجليزية منذ الصفوف الاولى، إذاكنا مُصرين ان نكون جزءا من هذه العولمة الكاسحة، وليس من خلال استلاب نشء صغير من مقومات الانتماء والبقاء في حضن وطن من خلال تعميم التعليم بلغة غير عربية.
الأمر الآخر ان القرار مع الوقت سيخلق حالة من الفرز في التعليم وفي التكوين الاجتماعي لحساب تكوين اثنيات طبقية حقيقية. وكأننا بحاجة لمزيد من الاثنيات المرهقة لتماسك ولحمة أبناء الوطن.. سيكون أبناء الوطن فريقين، فريق خريج المدارس الأهلية التي تعلم بالانجليزية - لغة سوق العمل - وفريق عريض من أبناء الوطن العاجز عن توفير مصروفات دراسة في المدارس الخاصة.. والمفتقر للغة التعليم النخبوية.. تصوروا مثل هذا الشعور كيف يمكن ان يخلق حالة من الفرز وسط مجتمع بحاجة للتماسك والانتماء وتكافؤ الفرص.
قد يضيق المجال لتعداد تجارب دول كثيرة انحازت للتعليم بلغاتها القومية، وحققت اليوم نتائج باهرة من خلال ادماج لغتها الوطنية أو القومية في صلب مشروع علمي يطال التنمية بكل ابعادها. الدول التي اتخذت لغات اجنبية للتعليم أو الإدارة الرسمية هي دول تتعدد في اللغات المحكية ولا توجد لديها لغة قومية تجمع شتات العرقيات أو الاثنيات فيها. العيب لم يكن يوماً في اللغة العربية في قدرتها على مواجهة كل استحقاقات النمو والمعرفة والابداع.. المشكلة في تراجع قدرتنا في بناء مشروع وطني حقيقي قادر على جعل اللغة العربية لغة علم تطال كل مناحي الحياة. المشكلة في الاستلاب والانبهار باللغة الاجنبية وكأنها تميز خاص وعنوان للابداع.
1
موضوع مهم وقيم
اذا اردت ان تبعد قوما عن دينهم فابعدهم عن لغتهم الام.
ذلك سلاح الاستعمار ووسيلة المستشرقين لقتل الاسلام واضعاف المسلمين, بتحريف وتغير مسارهم اللغوي والفكري وتحريف وتغير غاياتهم اهدافهم الاسلامية من "رضوان الله" واستبدالها باهداف دنيوية لا صلة لها بالخالق سبحانه وتعالى في كل المجالات العلمية والتعليمية والثقافية والصناعية والتقنية ووو...
وان تصبح اهمية ومكانة ومسوغات الابداع والتمييز في المجالات العلمية والتقنية والصناعية اعلى من اهمية ومكانة ومسوغات الابداع والتميز في الكتاب والسنة فذلك مؤشر خطير على ديننا وعلى وطننا وعلى أمننا وعلى ابنائنا وبناتنا وعلى مستقبلنا.
اللغة العربية تحتاج الى عولمة ونشر عالمي وبرامج تصدير حتى يتمكن العالم من قراءة القرأن الكريم, وحتى تثبت مكانتها وتأخذ مسارها في العالمين.
حارث الماجد - زائر
06:38 صباحاً 2007/06/18
2
لابد للكاتب ان يعلم ان معظم دول العالم تتحدث الانجليزيه سواء لغة رسميه للبلاد او كلغة ثانيه ومعتمده ,,
في اليابان كل الشعب لديه على الاقل لغتين ومنها الانجليزيه ولايسمح لاي طالب بدخول الجامعه مالم يكون ملما باللغه الانجليزيه اضف الى ذلك لغة اخرى
وانت تقول انك قلق على الجيل وان المجتمع سينقسم الى طبقات !!!
ماهذا الكلام لو اخذنا بهذه الاراء لانتظرنا عشرات السنين لنصل الى ربع ماوصلت اليه الدول المتقدمه والعلميه والصناعيه والتجاريه ,
بمثل هذا القرار يجب ان نصفق له لا ان نكيل التهم والويلات والبلاء على الامه بسبب تعليم لغه اجنبيه , بالعكس ستتقدم الامه وستنعم بالكثير من الخيرات جراء اخذنا من علم تلك الدول وبلغتهم الرسميه ,,,
لاننكر اهمية اللغه العربيه ولكن ارى ان الانجليزيه حان دورها الان ولاغنى عن اللغه الام فهي لغتة القران ولغتنا كعرب ولكن لايمنع هذا من تعلم الانجليزيه
وانا في الحقيقه اختلف كثيرا في ماجاء به الكاتب بل العكس انا مع تدريس اللغه الانجليزيه في المدارس الحكوميه من الصفوف الاولى ,
يجب ان نرتقي بافكارنا وطموحنا والا نشك بكل ماهو نافع لامتنا
ولو اكتفينا بتعليم لغتنا لاصبحنا نعيش وحدنا في هذا العالم حتى دون ان نتواصل مع الامم التي سبقتنا بالعلم والمعرفه
بندر ال خالد - زائر
07:37 صباحاً 2007/06/18
3
فعلا كيف لهذا القرار الخطير أن يقر بلا دراسة بحثية واسعة ومداولة طويلة تنتهي وتهتدي الى الصواب ؟!!
عجبي يطول.. لاأستبعد أن المحفز لهذا القرار هو ( الغرض المادي التجاري ) حيث يلحون ملاك المدارس الاهلية على افساح المجال لهم لكل مايصب في جيوبهم وبأي وسيلة كانت.
مراد - زائر
07:59 صباحاً 2007/06/18
4
قرار صائب 100%
وهو القرار الوحيد الجيد للوزارة
لماذا لم يركز الكاتب
على الادوات التي تطور التعليم
اقلها المستويات الظالمه للمعلمين
البكري - زائر
10:17 صباحاً 2007/06/18
5
أؤيد الكاتب فيما ذكره
فعندما كنا المتقدمون ترجم الغرب عنا العلوم إلى لغتهم و لم يقولوا ندرسها باللغة العربية لأن الأمم تزول بزوال لغتها!!
د. فدوى بنت سلامة أبو مريفة - زائر
04:15 مساءً 2007/06/18
6
أريد أن أسأل لماذا كل هذا الفزع من تعليم اللغات الأجنبية ؟.غريبة هي امر اخوتنا الذين يخافون من كل تجديد أو تطوير أو تغيير...في مدارسنا وقبل نصف قرن كنا ندرس الإنجليزية والفرنسية...علينا أن نعترف أننا مجتمع متعدد اللغات وتتداول فيه الإنجلزية والأردية والتجالو وغيرهم...أنظر إلى الشركات الحكومية...الأ تستعمل في إعلاناتها الأنجليزية والأدرية ( شركة الإتصالات)...
الأيحق للمواطن إختيار نوعية التعليم لإبنه ؟.إننا ندعو إلى تقسيم ميزانية التربية والتي تعادل 25 مليارا على أولياء الأمور على شكل فوتشر ( Education Voucher (..وتعطى لأولياء الأمور بحيث يدفعون بهذا فوتشر للمدرسة التي يختارون لأبنائهم.
محمد الشمري
محمد الشمري - زائر
08:32 مساءً 2007/06/18
7
(المشكلة في تراجع قدرتنا في بناء مشروع وطني حقيقي قادر على جعل اللغة العربية لغة علم تطال كل مناحي الحياة)
بالفعل أستاذي هذه هي المشكلة، ولا يعتبر هذا تبريرا لهذا القرار00
محمد عوض الحربي - زائر
01:07 صباحاً 2007/06/19
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة