الرئيسية > الرأي

قراءة في مدونة الأحكام القضائية


محمد عبدالعال أبوسماعيل

أصدرت الادارة العامة لتدوين ونشر الأحكام التابعة لوزارة العدل باكورة اصداراتها، تحت اشراف معالي وزير العدل د. عبدالله بن محمد آل الشيخ ونخبة من الخبراء الذين اضطلعوا بجهد مشكور لإخراج هذا العمل، الذي كان ينتظره العاملون في ميدان العدالة من قضاة ومستشارين وباحثين، كما يكون عوناً لهم على تلمس الأحكام الموافقة للقواعد والمبادئ الشرعية الحاكمة لها، بهدف نشر الوعي القضائي، وتحقيق مبدأ علانية الاحكام المكفول بموجب نص الماد الحادية والستين من نظام المرافعات الشرعية، وهذا المبدأ يكفل حسن الأداء ويؤكد نزاهة وحيده القضاء، ويبث الثقة والطمأنينة في نفوس المتقاضين، وقد جاءت هذه الخطوة الهامة بعد طول انتظار تحقيقاً لمقتضى نص المادة (89) من نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 64وتاريخ1395ه التي خولت استحداث ادارة بوزارة العدل يكون من مهامها إعداد مجموعات الأحكام المختارة للنشر.

وقد قسمت المدونة إلى قسمين:

الأول: قرارات مجلس القضاء الأعلى.

الثاني: الأحكام النهائية الصادرة من المحاكم.

وتحت قرارات مجلس القضاء الأعلى وردت المسائل التي أحيلت إليه، أو تلك التي أعقبت التماس المحكوم عليه لجهات رسمية بإعادة النظر في نزاع ما، ورصدت فيها المدونة لتسعة قرارات صنفت تحت تصرفات عقارية (تثبيت ملكية - حق انتفاع) ومطالبات مالية (قرض ربوي - اختلاس).

أما بالنسبة للاحكام النهائية الصادرة من المحاكم فبلغت تسعة وثلاثين حكماً تناولت العديد من المشكلات التي نظرتها المحاكم في فترات سابقة، واصدرت فيها احكام نهائية في ضوء المادة 192من نظام المرافعات الشرعية ومنها.

1- الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة من (نفقة ومعاشره وحضانه وعضل وطلاق وخلع وفسخ نكاح).

2- وقضايا الاراضي من (إخراج حجج الاستحكام وتقرير حقوق الارتقاق).

3- قضية إعسار.

4- قضايا حوادث السيارات وما ترتبه من التزامات.

5- قضايا جزائية مثل المساس بسلامة الجسد. والابلاغ الكاذب والسرقة مع التعدي والقتل وحيازة المخدرات.

6- قضايا العقار ومنها (المطالبة بشأن مساهمة وسعي الوسيط وتسليم الاعيان المؤجرة والايجار وبيع المنفعة والمكية وخلافه).

7- النظاره والوقف.

8- المطالبات المالية. (شيك - إسترداد ثمن سيارة - توريد - اتعاب وكيل).

ولما كانت المدونة هي الاصدار الاول وتوخت بعض الاهداف منها عرض مخرجات القضاء للعموم بغية نشر الوعي القضائي إلا انه وردت عليها بعض الملاحظات التي تنطوي على تقليل هذه الميزة منها:

أولاً: لم تضع المدونة الاحكام تحت عناوين موضوعية متجانسة (تبويب) فجاءت احكام الاسرة مبعثرة بين الاحكام الخاصة بالتصرفات العقارية ومنازعات المنفعة وتخللها احكام متعلقة بالنظارة والوقف وحوادث السيارات مما يجعل البحث عن موضوع بعينه ليس سهلاً، فكان يحسن أن تعتمد المدونة اسلوب التبويب الذي اعتمدته في نهاية المدونة في (كشاف الموضوعات)، حيث وضعت كل مجموعة احكاماً مرتبطة ببعضها ومتشابهة نوعياً في مجموعة مستقلة فجاءت احكام الاسرة أولاً ثم تلتها غيرها وهكذا.

وهذا وإن كان مفيداً في تسهيل البحث على الباحث فأنه يفيد ايضاً وضع المبادئ الشرعية الحاكمة للمسائل الموضوعية المتشابهة كقضايا الخلع او النفقة او الايجار وخلافه.

ثانياً: اتسمت بعض الاحكام الواردة في المدونة بالقصور في التسيب وعدم ذكر تفصيل حيثيات الحكم التي تجعل منطوقه من حيث نتيجته موافق لأصوله الشرعية، بما يجعل الخصوم ينحون في صياغة أسباب اعتراضهم جانب العمومية وعدم التحديد. كأن يذكر الطاعن أن الحكم خالف الثوابت الشرعية والانظمة دونما يذكر موطن المخالفة.

ثالثاً: لم تشر المدونة في الاحكام التي لم يقنع بها خاسروها وطعنوا عليها الى الاسباب الموضوعية التي حملتهم على طلب تمييز احكامهم وما هي العيوب التي شابتها؟ فكان يحسن ان يشار الى الاسباب التي ينعاها الطاعن على الحكم المطعون فيه كالتفاته عن دفاع موضوعي أبداه أو إهداره حق يكفله له نظام المرافعات، ليعلم مدى اسباب الطعن وانسجامها مع ملاحظات هيئة التمييز.

رابعاً: خلت المدونة من نوعيات كثيرة من القضايا والمشكلات المستمرة والمنتشرة في الحياة اليومية للناس كمشكلات الرهن العقاري، والشفعه وبعض الدعاوى العقارية المستعجلة، وعقود التأمين التعاوني، وعقود التمويل المجازة شرعاً، لاسيما وان بعض المصارف قد وفق اوضاع بعض معاملاته وفق فقه المعاملات الشرعية (التورق - وبيوع التقسيط - والمتاجرة الشرعية في السلع).

ويشرف عليها بعض العلماء، وتقع نوعياً تحت ولاية المحاكم

خامساً: لوحظ في كثير من الاحكام الصادرة عقب العمل بنظام المرافعات الشرعية الصادر عام 1421ه عدم الاستشهاد به من قريب أو من بعيد في مواضع كان يجدر الاشارة إليه فيها مثل احكام الإدخال والتدخل في الدعوى المنظم بموجب المادة 75وما بعدها، على الرغم من ان وجود النظام واستمراره رهين بموافقته نص المادة السابعة من النظام الاساسي للحكم التي تجعل الشريعة الاسلامية مصدراً اساسياً لجميع الانظمة المطبقة في المملكة العربية السعودية، وهو النظام الذي تولد وتكتمل في كنفه الدعوى من وقت تحريرها وقيدها مروراً باحالتها وتبليغها وتحقيقها والحكم فيها واكتساب حكمها القطعية وتنفيذه إختياراً أوجبراً.

سادساً: ان هناك من الاحوال التي حددها نظام المرافعات الشرعية في المادة التاسعة والتسعين بعد المائة يكون الحكم فيها مشمولاً بالنفاذ المعجل طليقاً من قيد الكفالة أو مقيداً بها، وأعطى القاضي سلطة تقديرية في هذا الصدد، ومع ذلك اغفلت بعض الاحكام التي تناولت هذه الأمور منح رخصة هامة يمنحها النظام للمحكوم له.

وأخيراً بقيت كلمة وهي ان الشريعة الاسلامية تسع كل المشكلات التقليدية والمعاصرة وتوجد بها نظريات عظيمة اخذت بها نظم قانونية اخرى، ولا شك ان استقرار المعاملات والمراكز القانونية لاطراف علاقة ما يستلزم تقنين وتدوين القواعد الشرعية المنظمة لها، ليستبين كل طرق ما له وما عليه في ظل هذه القواعد. لا سيما وقد تعاظمت التعاملات الاقتصادية وتداخلات فيها انماط لم تكن موجودة من قبل.

ولعل صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله بتنظيم مرفق القضاء، ودراسة الامر من قبل مجلس الشورى مما يجعل المهتمون بهذا الشأن يتطلعون الى اصداره وتفعيله قريباً على غرار الانظمة العدالية الثلاثة التي سبقته وهي نظام المرافعات ونظام المحاماة ونظام الإجراءات الجزائية.

والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل.

@ مستشار قانوني

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة