طلاب الثانوية العامة.. إلى أين المصير؟
لعل هذه الأيام التي نعيشها تعتبر من أصعب الأيام التي تمر بها الأسر السعودية بسبب حالة الاستنفار جراء اختبارات نهاية العام والتي يتبعها توجس وتخوف بانتظار نتائج التحصيل النهائي للطلاب والطالبات. وهو ما يحدد مبدئيا مستقبلهم. لكن الكثير من الطلبة يجهل قدومه إلى منعطف حساس في حياته بسبب افتقاده للتوجيه والإرشاد المهني. والمؤسف حقا هو أن شخصية الطالب لدينا لا تظهر (عادة) تخصصا أو قسما معينا أو حتى هواية تساعده في تحديد مساره التعليمي أو التدريبي قبل دخوله المرحلة الجامعية. ذلك يرجع بسبب غياب التوجيه المهني سواء في مدارسنا أو جامعاتنا. ولا غرابة إذا قلنا أن الطالب في المرحلة الثانوية لا يستطيع التمييز والإلمام في الكليات والأقسام الجامعية بل إن خلط المعلومات وضبابيتها تكاد تكون سمة واضحة في الصورة النمطية التي يأخذها الطالب في هذه المرحلة عن التعليم الجامعي. والحقيقة المرة هو أن مدارسنا تخلو من توجيه الطلاب نحو التخصصات والمسارات التي تتناسب وقدراتهم الذهنية والشخصية وترسم لهم مستقبلهم التعليمي، وهو ما يساهم في حصول حالة ارتباك واضح لبعض الطلاب حال التحاقه بالمرحلة الجامعية يتمثل ذلك الارتباك في التنقل بين التخصصات والقيام (بحذف) فصول دراسية نتيجة عدم التأقلم ومن ثم التسرب من التعليم الجامعي لسوق العمل (بلا مهارات) أو الانضمام لقائمة المتعطلين عن التعليم والعمل. ولعل تأثير غياب التوجيه المهني في مدارسنا يؤثر بشكل أو بآخر في خصائص تركيبة سوق العمل فنلحظ انخراط عدد كبير من الشباب في الوظائف المختلفة على أساس غير مهني ما ينتج عنه سلبيات عديدة تتأثر منها بيئات العمل.
في ضوء ذلك أرى أن التعليم العام مطالب بتكثيف الجهود للقيام بالدور المنوط به في جانب التوجيه المهني. ومحاولة نشر الوعي بأهمية الانتماء (ولو نفسيا) إلى المهن والتخصصات المتاحة في الجهات التعليمية والتدريبية. بل وتقريب تلك التخصصات إلى نفوس الطلاب من خلال تزويدهم ببعض المعلومات عنها. ولعلي أكون أكثر تفاؤلا حينما اقترح إنشاء بعض الورش والمختبرات العلمية في المدارس والتي من شأنها المساهمة في تقريب الصورة الذهنية للطالب عن التخصصات الجامعية ومن ثم مخاطبة عقله وفكره لجذبه نحو أحدها. أرى كذلك أن تنشأ مراكز للتوجيه المهني تتبع لكل حي أو منطقة معينة في المدينة ترتبط إداريا بالإدارة التعليمية، و تقدم الاستشارات اللازمة للطلاب على مدار السنة، وتكون أحد أنشطتها الرئيسية تقديم بعض الدروس العلمية في مختلف التخصصات بهدف إحياء روح الاستطلاع لدى الطلاب ومحاولة جذبهم نحو التخصصات التي يرغبون بها. كما أن من الضرورة أن نبتعد (في طريقة تقديم التوجيه والإرشاد للطالب) عن التقليدية، كأن توزع بعض المنشورات على الطلاب أو أن تحوي المكتبة كتابا واحدا عن التوجيه والإرشاد تتم استعارته تباعا بين الطلاب دون فائدة فتلك الطرق أثبتت فشلها من خلال اعتماد البعض عليها لسنوات طويلة دون تحقق شيء من فوائدها المفترضة.
ما نشهده من حيرة وتشتت للخريجين من المرحلة الثانوية يحتاج لإقرار سياسة واضحة ومدعومة للتوجيه والإرشاد المهني. هذه السياسة تعتمد بشكل كبير على الكفاءات المتخصصة في مجال التوجيه والإرشاد لتقديم هذا العنصر المهم بشكله النموذجي بدلا من تقديمه من قبل من قبل بعض التربويين غير المتخصصين في هذا المجال.
إن الاهتمام بعنصر التوجيه والإرشاد في التعليم أضحى حاجة ملحة في وقت خطت فيه المملكة خطوات كبيرة في طريق التنمية وصار من الواجب أن يتزامن مع هذه الخطوات إصلاح في التعليم والتدريب يساهم في تزويد عناصر نجاح التنمية بما تحتاج له من عناصر بشرية مؤهلة.
halanzi@alriyadh.com