جريدة الرياض اليومية

الأربعاء 27جمادى الأولى 1428هـ - 13يونيو 2007م - العدد 14233
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
مبالغات التزهيد والترغيب

هناك انحراف في إدراك أهمية متع الدنيا. ربما يحدث بحسن نية، الغاية منها تحريض الناس عاطفياً للاتجاه فقط نحو متع الجنة، وربما أيضاً أنه لم يدر في خلد هؤلاء أن الأمر سوف يقفز حدود العبادات والزهد في المتع الدنيوية إلى حد التطرف في تفسير أهمية الجهاد المروّض بالاتجاه السريع نحو الجنة دون واسطة العبادات. فالجهاد يدفع بصاحبه إلى التضحية بالنفس، وهي أغلى ثمن وموتها أسرع طريق في الوصول إلى الجنة..

هذا المفهوم الذي يهمش العقل في تفضيلاته وتوجهاته، إنما اتجه عاطفياً نحو إغراق مواصفات الجنة بكل المغريات، وإغراق مواصفات الدنيا بكل محاذير الخوف من مغرياتها.. ربما بدأ الأمر بحسن نية، لكن وجد من استغله بمنتهى سوء النية..

فالجنة وهي أرقى ثواب يحلم به الانسان معروف لها قداستها واختلافات متعها الراقية عن الدنيا.. لكن متع الدنيا ليست هبة من الشيطان. فالله جل وعلا هو الذي أعطى للإنسان بل ميزه بعقله كي يدير كون الدنيا الواسع بمنجزاته العلمية المبهرة على مستويات الزراعة، والطب، والصناعة، وتطور كل وسائل خدمة حياة الإنسان.. هو الذي أعطاه خصوصية علاقات الزواج اختلافاً عن أي كائن حي - غير انساني - ينجب من أي أنثى.. أعطاه عاطفة الأمومة، والأبوة وتعاون الأسرة. جعله يطور كل وسائل الإمتاع في طعامه، وتسليته، وملبسه، ومختلف أدوات حياته.. وهو معاقب إذا أخل بضوابط استعمال المتع. لكنه ليس مدعواً بالتعفف عنها وكراهيتها واختصار حياته بعمل انتحاري ذهاباً إلى الجنة عبر أقصر الطرق..

أعتقد أن هذا جانب توعية مهم للغاية. فالإنسان في شعار ممارسته للحياة مطلوب منه أن يتصرف مع دنياه كما لو كان يعيش أبداً ومع آخرته كما لو كان يموت غداً..

لقد أفرد الدكتور رشيد الخيون فصلاً للانتحار في العصور الإسلامية في كتابه طروس من تراث الإسلام، وهو غير الاغتيال الذي يدبر فيه القاتل مخرجه من تهمة القتل قبل أن يقدم عليها. أما الانتحار فهو يرحب بموت ذاته بعد أن يؤدي مهمته الجهادية حسب اعتقاده بقتل آخرين معه.. ضرب لذلك مثلاً مقتل الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. حيث إن ابن ملجم فعل ذلك أثناء الصلاة وبين أبنائه وأهله. وبالتالي فهو يعلم أنه سيقتل فوراً. ثم يشير إلى الأساليب التي تم بها تأسيس دولة النزارية أو الباطنية التي احتلت أكثر من قلعة في بعض جبال إيران، وأبرزها قلعة الموت والتي مثلت في انحداراتها صورة مزيفة لحياة الجنة. كان يتم فيها نقل المغرر بهم وهم مخدرون كي يفيقوا داخلها وسط آلاف الطيور وخرير أنواع الأنهر ورقص مئات الجميلات، ثم يعادون مخدرين إلى حياتهم الطبيعية على أنهم عاشوا حلماً في نومهم داخل الجنة.. بعد ذلك يتم تكليفهم بعمليات انتحارية ضد وزراء وحكام مناطق في مواقع إسلامية مختلفة. وقد نجحوا في معظمها. وحكمت قلعة الموت تلك القلاع مدة مائة وسبعة وسبعين عاماً في القرنين الخامس والسادس الهجري..

على رجال الدين المختصين والمؤهلين ثقافة محاربة ظاهرة التزهيد بالدنيا.

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية