الرئيسية > محليات

وداعاً "منازل الأحلام الجميلة"

رحيل مثقف "الجنادرية" وذاكرة التاريخ السعودي الحديث


تقرير - يحيى الأمير

كل الذكريات التي يحملها كبار المثقفين العرب عن المملكة جاءت عبر بوابة الجنادرية حين تحولت تلك الفعالية المتواضعة لتصبح أبرز حدث ثقافي في المنطقة.

الجميع يدركون أن مهندس هذا المهرجان وبانيه ومنفذ توجيهات خادم الحرمين فيه هو المؤلف والأستاذ عبدالعزيز التويجري.

القواعد التقليدية لرجال العمل العسكري والأمني أنهم بعيدون غالباً عن الفعل الثقافي إلا ما ندر، لكن هذه القواعد لا مكان لها في تجربة الحرس الوطني في المملكة الذي أصبح مؤسسة ثقافية مثلما هو مؤسسة عسكرية.

الغياب الأخير الذي دخل إليه الأستاذ عبدالعزيز التويجري إنما جاء ليستبدل به شكل حضوره لأن المؤثرين إلى هذا الحد لا يمكن أن يحيط بهم الغياب، ولا تعرف حياتهم الصمت حتى بعد رحيلهم.

ولأن الرجال يدركون قيمة الرجال وعقولهم جيداً كان لمصاحبة الأستاذ عبدالعزيز التويجري لخادم الحرمين الشريفين وعمله معه لفترة طويلة خير التقاء بين الإداري والقائد الواعي والمتطلع للمستقبل الأفضل وبين نمودج المواطن الفعلي الذي يدرك أن الأفكار الوطنية الصادقة والعمل الوطني الحقيقي هو خير ما يمكن أن يُقدم للقيادة وللوطن.

والذين يملأون من حولهم ثقة في وطنيتهم لهم أن يديروا ويقدموا من الأفكار ما لا يمكن إلا قبوله والموقع الذي شغله الراحل في الحرس الوطني أسهم في تحويله إلى جهاز يوازي بين دوره العسكري والأمني وبين ما اتجه إليه من عمل ثقافي ووطني، ليست الجنادرية أقل شواهده، بل المؤسسات الدائمة التي رعاها خادم الحرمين كمكتبة الملك عبدالعزيز ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني إنما هي أفكار للوطن أدارها وقدمها الحرس الوطني.

"وكيل الحرس الوطني" تلك هي الصفة الوظيفية للراحل، لكن الصفات الأخرى يدركها كل الذين تعاملوا مع الحالة الكتابية والتأليفية والثقافية لديه تبدأ من "في أثر أبي الطيب بين اليمامة والدهناء" كأول كتاب يوضح التوجه الثقافي والكتابي لديه.

لم يكن التويجري يكتب سواء عن الشخصيات أو القضايا إلا وهو ينطلق من مواءمة بين شخصيته وولعه بالتطلع والحياة والصحراء وقلق البحث عن الأفضل وضجر القراءة المستمرة لتحولات الحياة، وكتابه عن أبي الطيب المتنبي كتاب عن التجربة الشخصية والأثر الشعري المصاحب لتلك التجربة، وهو ما حدث كذلك في كتاب: أبا العلاء.. ضجر الركب من عناء الطريق.

الحياة الحافلة بالأفكار حياة حافلة بالمعارف والمضامين التي لا تتوقف عند حدود الفرد، وكتاب رسائل إلى ولدي بجزئيه: حتى لا يصيبنا الدوار، ومنازل الأحلام الجميلة، الصادران في عام 3041ه - 3891م، هما تجسيد لكون الأفكار الإنسانية مهما كان اتجاهها إلا أنها لا تقف عند حدود ما توجه إليه العناوين وإنما تصبح أفكاراً عامة تضاف إلى التجربة الإنسانية.

في إحدى رسائله يقول:

ولدي: "لعلي هنا ذلك البدوي الذي ظل يدرب إبله أكثر من خمسين عاماً لعله يكون له منها ما يحمل رحله الذي أثقل كاهله في طريقه التي يسير عليها إلى أن يقول له قدرة انخ مطيتك هنا فلا مسير لك فيه الخيار".

إن هذا التطلع والقلق بالتأكيد لا يمكن إلا أن يكون متصلاً بالذات الفلسفية والثقافية للراحل، والتي استطاعت بالإضافة إلى ذاته الوظيفية أن توجد كل هذا التنوع في التجربة.

الصحراء التي حملها الراحل في مختلف تصوراته لم تكن قيمة شعرية، أبداً، بل كانت معياراً يقول من خلاله بأن شروط الحياة يمكن أن تُوجد حياة في أي مكان، ولقد كانت تلك الصحراء دافعاً للمدينة، وأفكار الليل والضجر داعية للحضارة والتعايش والحوار.

المدينة بالتأكيد ليست رصيفاً وإنارة تمتد على شوارع متناسقة ولكنها أفكار ورؤى كانت حضنتها روحه التي تحب القرية وتنزع إلى الصحراء، وهو الرصيد الروحي الواسع الذي ساهم في تشكيل التجربة الغزيرة للتويجري، حيث يكتب تاريخاً فإنه يكتب التجربة أكثر من كتابته للأحداث الشهيرة "السراة الليل هتف الصباح" أحد أشهر وأهم الكتب التي تناولت التاريخ السعودي الحديث حيث يمثل الراحل جزءاً مهماً من الذاكرة السعودية الحديثة بأفكارها وتطلعاتها وبأحلامها الأولى مثلما هي بأحداثها ووقائعها.

الحالة الفكرية لدى الراحل لا تعرف التصنيف فلقد أخذ مواقف صارمة من كل التيارات والتوجهات التي أثبتت الأحداث وأثبت التاريخ أنها لاتحمل مشروعاً موقفه من حزب البعث ومواقفه السياسية المتعددة والشهيرة مع ما ثبت بعد ذلك أن الإدراك والوعي عليه أن يصنع موقفاً قبل أن ينتظر أحداثاً.

رسائله التي خاف عليها الضياع، هي افكار وطنية لنا جميعاً وعلينا حق كبير في أن نخاف عليها كذلك من الضياع.

يرحل الشيخ عبدالعزيز التويجري ليزدهر الضوء حول لحظة سعودية واعية امتدت أكثر من ثمانين عاماً من العمل والتفكير، والشخصية الجاذبة التي جمعت أكبر المفكرين والمثقفين حول طاولة سعودية وأفكار عربية وإسلامية. ولحظة سعودية اثبتت أن التنوير والأصالة والمحافظة الواعية كلها معايير يمكن الجمع بينهما ويمكن من خلالها إخراج نسخة سعودية للعالم من العمل والتحضر والتطلع للمستقبل.

هكذا يرحل الشيخ الذاكرة، صوت القرية الذي تداخل مع المدينة، وشظف الصحراء الذي استحث سماءها على الهطول والنماء.

هكذا يرحل.. لا ليغيب وإنما ليزدهر حضوره.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    قد تتلاشى زخات المطر و يذهب لمعانها
    ولكن ما نلبث أن نرى نتاجها واضحا جلياً يزين جنبات الأراضي الخصبة
    هكذا كان الشيخ وما يزال.
    يعطيك العافية أستاذب ابعزيز وأنتظر جديدك القادم.

    يحيى علي والبي - زائر

    02:02 مساءً 2007/07/02


  • 2
    قد يسبقنا الكثير بالكتابة او بالحديث عن هذا الجل الفريد بفكره 0 ولكن وبما ان الحديث يخصه هو فلن يصعب ذلك 0 لان مزاياه وصفاته عديده فلو كتبنا مجلدات والهدف احصائها فلن نستطيع 00 واكتفي بقول 000 نعم الرجل0

    خيرات الأمير - زائر

    10:38 صباحاً 2007/10/27



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة