لقد حضر الوزراء المعنيون وبرفقتهم عدد من كبار المسئولين في وزاراتهم للدفاع عن أجهزتهم والإعلان عن مشاريعهم الكبرى وقد رأينا كيف توقف المشاركون مذهولين صامتين أمام هذه المشاريع الكبرى، وبدأ عليهم إحساس بالاستعجال في التسرع في اتهام المسئولين بالتقصير!!!!
أشرنا في الجزء الأول من هذا المقال إلى أن الحوار الوطني وبعد اللقاء الثاني المنعقد في مكة المكرمة، فقد زخمه وتراجع الاهتمام به بين المثقفين والناشطين، وظهر ذلك في ضعف المتابعة للقاءين الثالث والرابع. ورغم أن البعض أرجع السبب إلى عدم تنفيذ توصيات اللقاء الأول والثاني، إلا أننا رجحنا أن يكون السبب هو طبيعة المواضيع التي دار حولها الحوار في اللقاءين. وقد تأكد ذلك حيث عقد اللقاء الخامس في أبها، فقد عاد الاهتمام بالحوار سواء من قبل المثقفين أو الرأي العام، وسبب ذلك هو القضية التي نوقشت خلال ذلك اللقاء وتمثلت في "العلاقة مع الآخر". إن ما لقيه ذلك اللقاء من اهتمام ومتابعة يؤكد أن عدم تنفيذ توصيات الحوار لم يكن السبب في تراجع الاهتمام به بل كان مواضيعه. ففي أبها ورغم أن موضوع اللقاء كان العلاقة مع الآخر خارج حدود الوطن، إلا أن جلسات الحوار شهدت جدلاً حول إشكالية التعامل مع الآخر بيننا أياً كان السبب الذي يجعله آخراً، واتضح أن غالبية النخب المثقفة المعنية بالحوار لا تزال مؤمنة أن الموضوع الأساس الذي نحتاج التحاور حوله هو السياق الثقافي السياسي السائد الذي يكاد يحدد كل ما له علاقة - سلباً أو إيجاباً - بحياتنا في الداخل وعلاقتنا مع الخارج. هذا السياق الثقافي السياسي كان موضوع اللقاءين الأول والثاني، وهو ما يفسر الاهتمام الشديد بهما، إلا أن التحول نحو قضايا "متخصصة" في اللقاءين الثالث والرابع تسبب في نظر الكثير في إجهاض عملية حوار جاد لم تستكمل دورتها وكان ذلك سبب الإحباط الذي أصيبت به النخب المثقفة ونتج عنه تراجع اهتمامها بالحوار.
السؤال الأخير يتعلق بمستقبل الحوار أو الإجابة عليه تتحدد بدرجة كبيرة بالاتجاه الذي تم تبنيه في اللقاء السادس وكذلك اللقاء السابع الذي سيعقد نهاية العام ويتمثل في توظيف الحوار كآلية لتسليط الضوء على حالة المؤسسات الخدمية (وزارات التربية والتعليم، والتعليم العالي، والعمل وغيرها). فاللقاء السادس الذي عقد في الجوف كان موضوعه التعليم، أما اللقاء القادم فسيكون حول التوظيف ولا شك أن هذا التحول يمثل ترجمة لرغبة راعي الحوار منح المواطن الفرصة من خلال اللقاء الوطني للالتقاء بقيادات الأجهزة الحكومية ومناقشتهم - وإن أمكن مساءلتهم - حول أدائها وقيامها بما أوكل إليها من مهام. ولا شك أن هذا هدف نبيل لراعي الحوار حيث يساهم في تعزيز دور المواطن في عملية صنع السياسة العامة من خلال حق المساءلة وإن كان لأيام معدومة تمثل فترة الحوار، إلا أن تجربة لقاء الجوف التي جمعت ممثلين عن مختلف شرائح المجتمع بمسئولين حكوميين تظهر أن هذا التحول لم يخدم الحوار بل قد أفرغه من مضمونه الحقيقي وجعل منه ساحة لبث الشكوى وتوجيه الانتقادات من جانب المشاركين، والدفاع من جهة المسئولين رغم تحذير معالي الشيخ صالح الحصين من هذا لاتجاه، إلا أن ذلك ما حدث بالفعل وهو نتيجة طبيعية حين يجتمع مواطن ومسئول.
لقد حضر الوزراء المعنيين وبرفقتهم عدد من كبار المسئولين في وزاراتهم للدفاع عن أجهزتهم والإعلان عن مشاريعهم الكبرى وقد رأينا كيف توقف المشاركون مذهولين صامتين أمام هذه المشاريع الكبرى، وبدأ عليهم إحساس بالاستعجال في التسرع في اتهام المسئولين بالتقصير!!!!
هل كان ذلك حواراً؟ الإجابة أتركها لك عزيزي القارئ. وأنا على يقين أن هذا الطرح سيتكرر في اللقاء القادم الذي لن يخرج عن تبادل التهم بين المشاركين والوزراء المعنيين وفي مقدمتهم الوزير القصيبي، ولن يضيع رجال الأعمال فرصة الحوار في تصفية الحسابات معه. فرغم حرص اللجنة العلمية على صياغة دقيقة لمحاور اللقاء فأكاد أجزم أن المداخلات لن تتجاوز تكرار توجيه النقد لعدم توفر فرص وظيفية أو انتقادات رجال الأعمال لتضييق المسئولين عليهم من خلال سياسة السعودة، ونقد من المسئولين لهؤلاء بتفضيل الأجنبي على ابن الوطن. أكرر القول بأن هذه هموم حقيقية ومشروعة لكنها ليست قضية حوار بل سياسة عامة لها محدداتها المعقدة وآليات صناعة خاصة بكل قضية والحوار لن يضيف إليها الكثير.
النتيجة هي أن هذا التحول نحو مناقشة عمل الأجهزة والمؤسسات الخدمية ودعوة مسئوليها للمشاركة في لقاءات الحوار قد تسبب - رغم نبل الهدف - في إجهاض عملية الحوار في مجتمعنا وفي ظني أن الحوار قد توقف منذ لقاد أبها. لا شك أن تسليط الضوء على الخدمات المقدمة للمواطنين وتمكين المواطن من فرصة مناقشة الأجهزة المسئولة عنها يعد أمراً في غاية الأهمية ويحسب لراعي الحوار، حيث نلاحظ تكرار الشكوى بشأن هذه الخدمات سواء فيما يتعلق بقلتها أو مستواها، إلا أن هذه الإشكالية يمكن معالجتها من خلال آليات أخرى كأن تنظم لقاءات خاصة تحت مظلة مركز الملك عبدالعزيز يشارك فيها مختصون معنيون بشكل مباشر بهذه الأجهزة بالإضافة إلى وسائل الإعلام، في حين يبقى الحوار الوطني للقضايا الفكرية الكبرى كما بدأ. إن أهم قضية بدأها الحوار ولم يستكملها تتمثل في منح الفرصة للنخب والقيادات الفكرية والثقافية للحوار حول السياق الثقافي السياسي العام كما أشرت سابقاً يضبط جميع هذه الإشكالات التي تواجه المجتمع والدولة ومنها قضية الخدمات وتمكين المواطنين من حقوقهم والحفاظ على بيئة اجتماعية وسياسية مستقرة وآمنة. فالقصد من الحوار هو توفير المنتدى للنخب الوطنية التي كانت حتى وقت قريب تعيش في جزر معزولة عن بعضها وجاء الحوار ليقرب بينها للوصول إلى رؤى مشتركة حول القضايا الكبرى، وما نشهده اليوم من تراشق بين بعض ممثليها يؤكد أن هذه النخب قد انتكست وعادت تتحرك في جزر معزولة من جديد بشكل يثير القلق ويعزز احتمالات مواجهات تدار بطرق لا تخدم قضية الاستقرار. لقد أتاح الحوار في لقاءاته الأولى مظلة شرعية مقبولة من الجميع لإدارة الصراع الفكري وترشيده.
بقي كلمة أخيرة لأولئك الذين يخشون من تبعات عودة الحوار حول القضايا الكبرى التي بدأ بها أقول إن تلك القضايا مفصلية ولا يمكن تجاهلها ولا يوجد من سبيل لمعالجتها سوى الحوار الوطني، فهل نعود إلى ما بدأناه لنستثمر الحوار في وضع أسس جديدة لمشروع وطني يحقق الاطمئنان على حاضرنا والتفاؤل بمستقبلنا، سؤال أتوجه به إلى رئاسة وأمانة الحوار وكل منشغل بقضايا الوطن الكبرى.
1
اتصور يا د صالح ان من اسباب عزوف التاس عن متابعة (الحوار الوطني) يعود إلى نوعية المشاركين التي تتم على اساس مناطقي (نخبوي) أو أن غالبيتهم متقاعدون عن العمل فعلى سبيل التمثيل الذين شاركزا في لقاء الجوف كانوا في الغالب من غير الشباب الامر الياتي ان الغالبية من الناس ترى ان هذا الحوار حوار الطرشان والهدف منه امتصاص حركان المحثمع
solomon ali - زائر
06:01 صباحاً 2007/06/08