
موافقة الألفاظ للمعاني وملاءمتها لمدلولاتها تعني الجزالة والقوة وتقابلها الألفاظ الرقيقة، فتختار الألفاظ الجزلة والعبارات القوية للفخر والحماسة وتختار الكلمات الرقيقة والعبارات اللينة للغزل والمديح، على حين تصلح الجزالة والرقة كلتاهما لمعاني الرثاء، فعند الحديث عن الموت وأثر الفقد والفداحة والحكمة تأتي الألفاظ الجزلة أكثر ائتلافاً مع معانيها، وحين يعبر الشاعر عن لوعته وتوجده وضعفه أمام المصاب فإن الرقة تناسب مفردات هذه المدلولات، وإذا كانت اللفظة الرقيقة قد أخذت مسميات السهولة والسلاسة والعذوبة واللطافة، فإن الجزالة اللفظية تتخذ مسميات متعددة منها: الرصانة، أو حسن السبك، أو متانة النسيج، وإذا كانت الجزالة تعني القوة والشدة، فإنها في الألفاظ تعني اللفظة المتينة التي تؤدي وظيفتها دون لين وتحدث في النفس تأثيراً من خلال قوة حضورها وتلبيتها للمعنى دون تعطف في أيدي الناس، وإنما تبقِى محتفظة ببريقها وزنتها دافعة إلى التأمل والتفاعل، وجزالة اللفظ من القيم الجوهرية في الشعر العربي، وهي الأساس للتفريق بين جيد الشعر ورديئه، ولا تتطابق مع الغموض والتعمية والإغراب، فهي إنما تعني قوة ومتانة في غير تعقيد، ولذا كان اللغويون هم أكثر من أولاها اهتمامهم لمعرفة سلامة الكلمة في بنائها النحوي والصرفي والأسلوبي وغيره، وإلى جانب كونها سمة لفظية فنية فإنها تعد من أهم القيم التي أعتنى بها البلاغيون من قديم الأدب، بل هي إشارة إلى تمايز شاعر عن شاعر لما في الجزالة من إعلان عن خصوصية وارتقاء ومتانة، فالكلام الجزل يشير إلى القوة والتماسك، وعده البلاغيون من أبرز وأهم ركائز عمود الشعر، فالجزالة من المصطلحات التي لا تقبض لها على معنى محدد، بل تكاد تكون مجموعة من الصفات التي تدل على الضخامة والفخامة، والقوة والمتانة، ويوصف بها كلام البدو خاصة وأصحاب الرقي في اللغة وشعراء القوة في التركيب، وكأن ذلك يشير إلى ماذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أن "الشعر جزل من كلام العرب" وهو يقصد كلام البدو.