
ما الذي هو أندر من عروق الذهب في رمال الدهناء، أو أقل من النسمات الباردة في هجير نجد؟ إنه العثور على نص إبداعي أو مقالة نقدية سعودية في صحيفة عربية.. فأمهات الصحف العربية وبناتها وأبناؤها الصادرة عن المدن العربية المراكز، لا تعرف من النتاج السعودي أو الخليجي إلا تلك الصورة المحنطة في الكاريكاتير العربي للدشداشة البيضاء الفضفاضة، أو صورة الثري المغفل ذي الغترة المربعة في الأفلام العربية.
ولكي ينجلي هذا الزعم بصورة أكثر إشراقاً، عليك أن تراقب المفارقة العجيبة بين ما تنشره صفحات الثقافة والسياسة والرأي من مقالات ونصوص وأخبار في الصحف العربية وتلك التي تنشر بانتظام في الصحف الكويتية والقطرية والإماراتية على وجه التمثيل، فصحف الخليجيين تستعرض إصدارات جديدة لشعراء وروائيين وكُتاّب من الدرجة العربية الثالثة، وتستكتب محللين ونقاداً لا تمنحهم صحفهم العروبية والتقدمية والليبرالية على نحو سواء مساحات ذات بال أو تأخذهم على محمل الجد.. وبينما تتسابق صحف الخليج على استكتاب أشقاء عرب، تتجاهل الصحافة العربية كل حدث ثقافي أو جائزة أدبية أو إصدار رصين لعرب الخليج، إلا على سبيل التوبيخ أو كشاهد على الركاكة في مقالة تقريعية.
وعبر جولة سريعة على صحف ومطبوعات خليجية في الجانب الثقافي، يمكن تلمس هذه المظلمة، فالسياسة الكويتية تفرد مساحة واسعة لاستعراض مسرحية في الضفة الغربية رغم حاجة الأزمة الخانقة التي يعانيها المسرح الكويتي لكل كلمة وتغطية، بينما تقدم الرأي العام ما يقارب الصفحة لمقالة روائي عربي نشرها في أكثر من مطبوعة.. أما القبس فتنشر قصيدة نثر ممطوطة لناقد سينمائي عراقي.. وتستعرض الوطن القطرية ترجمة جديدة لدار نشر عربية متواضعة ولمترجم مغمور، وتتبعها بمقالة لعزت القمحاوي رصت فيها الكلمات رصا، أما قائمة الكتاب فجلهم من عرب المراكز، وتفتح وجهات نظر الاتحاد الإماراتية آفاقاً واسعة لكل الكتاب العرب، وتقدم بيان الكتب الإماراتية إطلالة ملخصة على أحدث الإصدارات العربية والدولية بسخاء فريد، بينما لا تنشر أخبار الأدب أن الملحق الثقافي للنهار - بانتظام مهني - إصدارات لأبناء هذه المنطقة المنكوبة بالثراء المزعوم.. والأمر ذاته ملحوظ بدرجة أكبر في المجالات والدوريات من نزوى العمانية مروراً بالعربي الكويتية إلى فصلية دبي الثقافية التي لا توحي مطلقاً بمكان صدورها ومصدر تمويلها.. ويجدر المسارعة للتنبيه إلى أن هذه الأمثلة لا تساق على سبيل الإدانة أو التشهير، وإنما هي تصديق لإيمان الصحافة في هذه المنطقة بمفهوم الأمة واللغة والثقافة الواحدة، في المقابل تكتفي الصحف الأخرى بمحاصرة أبناء الخليج في ركن المتلقي والمستهلك لا أكثر، رغم كل التشدق حول العروبة والأخوة والتضامن.. ومجدداً يجدر التكرار أن هذا ليس عملاً خاطئاً - رغم مجاملته غير المهنية أحيانا ورغم تكالب المطبوعات الخليجية على فتات نجوم الثقافة العربية، لكنها دعوة لتأمل هذه المفارقة التي لا تنشغل بها الصحف المغاربية نظراً لخطوطها شديدة المحلية، ولا تعانيها الصحف اليمنية لظروفها الخاصة، لكنها ترهق ميزانيات صحف الخليج وتضيق المساحة على أبنائه.
نعم، تبدو هذه نظرة تقسيمية بغيضة لثقافة واحدة، ونعم، يحاول الطرف المستضعف فيها التغاضي عنها والهروب من استحقاقاتها المزعجة، ولكن من الذي يرتكبها عن وعي وغير وعي وما الذي يسوق الذهن إليها سوق اللجام للحصان.. إلا مرارات التجاهل والتصنيف الذي يصطدم به كل مثقف خليجي أمام كل مطبوعة عربية وعند أبواب دور النشر شرقت أم غربت، حتى أنه ولفرط ما تلبس تهمة الثراء والجهل والتبعية فقد الثقة في نفسه فأصبح ينزعج من مجرد الكلام عن انتمائه أو عن تصنيف الآخرين له، وماذا يسعه الفعل وهو يفتش ولو على سبيل الصدفة عن وجهة نظر تقيم - استثنائياً - عملاً ثقافياً أو اتجاهاً فكرياً لأبناء هذه المنطقة خارج القذائف اللفظية بمعايب النفط والدشداشة منذ الخمسينيات وحتى السنة السابعة بعد الألفين، فلا يجد، اللهم إلا التحذير مما تصدره "السلفية الوهابية البدوية المتخلفة الرجعية.." كما تجمع فريدة النقاش بسخاء في حوارها مع الحرة قبل أيام، أو ما يطالعك به هيكل من وجهات نظر فانتازية حول تآمر هذه المنطقة التاريخي على مشروعه الموؤود، وأعجب من ذلك مقالة لرئيس تحرير عربي عتيد بعد زيارته لدبي لحضور منتدى الإعلام العربي الأخير، يستكثر فيها على الصحف الخليجية هذه المساحة الضئيلة من الحرية وتقبل الانتقاد والاستقلالية عن السلطة ودوائر الحكم، وإن عاب عليها أنها لم تنشر بحثه الذي "تضمن نقداً قاسياً للسياسات الحكومية حيال الإعلام الحر والمستقل في العالم العربي" وفق وصفه، علما بأنك لا تعرف له بعد أربعين سنة من الصحافة السياسية موقفاً واحداً يعزز هذا الزعم.
وبالانعطاف نحو الصحافة والمهرجانات الثقافية السعودية فهي نموذج آخر على الانفتاح منقطع النظير على التوجهات من كلاسيكية وحداثية.. يسارية أو يمينية وعلى الجنسيات من المحيط إلى الخليج، في المقابل هل يمكن تذكر كاتب سعودي واحد تستكتبه مطبوعة عربية بانتظام؟ وبعيدا عن إرباك هذا السؤال المر، كيف تعامل الصحافيون العرب مع الانتعاشة التي تشهدها الحركة الثقافية والفكرية السعودية وبشكل خاص في جانبها المتعلق بالنشر، وبوجه أكثر خصوصاً ما يتعلق بالروايات السعودية التي تنعش حركة النشر العربية ومعارض الكتب في الآونة الأخيرة، فقد وصفت بأنها (صادمة) وأنها (تسونامي)، ومد روائي سعودي، وزمن الرواية السعودية، في معرض الذم واللمز، وهو ما تسمعه من الناشرين وتقرؤه للنقاد، فقد انتفض النقاد العرب فجأة ليذموا الجنس والتجديف والركاكة في هذه الروايات كأنها اختراع سعودي، أو كأن الروايات العربية منذ غراميات إحسان عبدالقدوس إلى جرأة حيدر حيدر ونجم والي كانت شديدة البراءة، وماذا عن المكاشفات العربية الطليعية من تربية عبدالقادر الجنابي إلى سيرة سهيل إدريس ومحمد شكري؟.. ورغم أن معظم هذه الروايات السعودية كانت دون المتوسط إلا أن حالها حال مئات الروايات اللبنانية والمصرية والسورية التي لا تثير نقع المعارك النقدية،.. هذه الروايات السعودية في معظمها لشبان لم يتجاوزوا الثلاثين، وهي النتاج الطبيعي لعقود من الاحتدام الاجتماعي والتمدرس الثقافي على المناهج والنتاجات العربية والغربية، كان يجب وضعها في إطارها المتوقع بدراسة التحولات الاجتماعية والثقافية، لا أن تستثمر لتكريس التمنيط وإطلاق الأحكام القطعية وتأكيد حجز المقعد للتلميذ الخليجي البليد، وربما لا يعلم كثير من النقاد الأشقاء أن الرضا عن هذا النتاج الأخير ليس عاماً ولا شاملاً، بل إن هناك من السعوديين من يعرب عن تذمره من هذه الظاهرة، وهؤلاء - بغض النظر عن الأحكام الأيدلوجية - يمكن وضعهم في تصنيفين إن أتيح تقسيم ردود فعل عفوية وغير ممنهجة، فالصنف الأول هم مجموعة من المبدعين الكلاسيكين الذين لا تشهد أعمالهم رواجاً رغم أسبقيتها، والآخر هم النقاد الأكاديميون الذين قد لا يدركون أن معاييرهم لا تعني القراء العاديين وهم الذين يطيرون صيت رواية ما لاعتبارات يصعب قياس أغلبها، ولكنها قد تصل إلى الفضول أو التسلية.
وبعيداً عن التورط في الكلام عن الرواية، وبالعودة إلى موضوع الصحافة السعودية والخليجية، فإن هذا الطرح لا يزعم أي تفوق وفرادة للصحافة في الخليج على مثيلاتها العربية، لكنها في كثير من مظاهرها المهنية والتقنية، وحجم التوزيع والمقروئية، ومساحات الحرية المتنامية، تبدو أكثر وهجا وحرفية من الصحف العربية التي سبقتها بما يزيد عن القرن.. فلماذا إذن يلاحق وديع سعادة في منفاه الاسترالي ويستكتب سعدي يوسف من مرابعه الأوروبية، وتحرث الأميركيتين بحثاً عمن يجيد نصف إجادة فن التحليل السياسي، بينما لا تتطوع مطبوعة عربية واحدة لاستكتاب ناقد ساخن كمحمد العباس أو تعترف بمشروع شعري من طراز نادر كمنجز قاسم حداد ومشروعه العابر للثقافات على الانترنت؟.
ربما يكون بوسع كاتب أو روائي أو شاعر ما أن يحاجج بأنه اخترق الجدار الفولاذي لمطبوعة عربية عبر حوار أو نص أو مقالة، وأنه أنجز ذلك دون أغراض مجاملة أو إثارة أو توظيف، فله التهاني الحارة لكونه استثناء من قاعدة التغييب لا مثالا على سياسة النشر العربية المفتوحة على (الأشقاء).. كما أنه يمكن الاستشهاد بعشرات القراءات لأعمال خليجية أنجزها نقاد عرب لم يدفع لهم، لكنها يا للبؤس تجيء لابسة قبعة المغامرات الإكزونيكية والسياحة في غرائب المجتمعات الخليجية كما يفعل موسوعيو الغرب في استعراضهم لثقافة مجاهل آسيا وأفريقيا، ويمكن تبين هذا من الإطلالة الرسولية لبعض النقاد وإطلاق الأحكام على ثقافة لا يعرف من حراكها وأعلامها سوى ما قرأه في (يوميات خادمة من الخليج) لمحمد آلتونجي، وما يسمعه من بضعة من السياح الخليجيين، وأكثر ما يثير الحنق والعجب هو التعبير عن الدهشة والتشجيع لصدور هذا العمل عن مجتمع بدوي وجاهل، رغم أن كثيراً من البلدان العربية في مراكزها وأريافها تحوي من المحافظة والأمية ما تجاوزته قرى الخليج منذ سنين.
أخيراً إن ما تزعمه هذه الأفكار ليس مصقولاً ونهائياً كقصائد محمد الثبيتي، إذ يمكن الاحتجاج عليه بنص هنا ونموذج هناك، لكنه ياللحزن، حقيقي وملحوظ وعند تأمله يجلب الإحباط وخيبة الأمل.