
لا تقتصر مظاهر الحرب الأهلية الساخنة على المشهد السعودي بل تطوف وتحوم على مشاهد وساحات عربية وإسلامية وعالمية، وأحياناً نكون مساهمين في تصدير تلك الحروب الساخنة والتي تسخن حسب الجو العام المناخي والاجتماعي إلى تلك الجهات البعيدة.
لذا فالحديث عن حربنا المشاهدة في ساحتنا المحلية قد يجوز سحبها على موضوع الحرب في كل مكان حسب اتفاقها في نفس الموضوع، وأشخاص هذه الحرب التيار الإسلامي والتيار الليبرالي، وموضوعها هو الحداثة والتقليد، أو التراث والمعاصرة، أو الحضارة الهوية والحضارية المستنسخة.
قد يبدو الحديث عن هذه الحرب أنها تسير وفق محدداتها الثقافية العميقة التي تضرب جذورها في أس الخلاف الذي يحاول باحثوه الكشف عنه وإصلاحه، لكن حقيقة واقعنا تختلف عن هذا المسار إذ أصبحت كل مظاهر ومشاهد هذه الحرب حديثها هوامش الهوامش بسبب هامشية الموضوع والأشخاص.
فقد تزعّم قيادة الحرب من الطرفين الأعشار والأرباع من المثقفين فضلاً عن أن يكونوا من الانصاف، مما زادوا من عوامل الاستفزاز والرفض والنفي المتبادل الذي ذهب ضحيته الرؤية الموضوعية للأشياء.
فالمتلبرن يستفز عموم الناس باستنساخ أفكار منقولة من الغرب يريد أن يقسرها على واقعة ذي الهوية والحضارة والتاريخ دون أن يمارس ليبراليته في احترام هذه الثقافة التي نشأ في أحضانها، والمتأسلم يرفض مخالفة رأيه واتجاهه في أي طرح جديد يخالف ما اعتاده من آراء، بل أصبح يستنكر كل فكرة حديثة تنتسب إلى شرق أو غرب حتى أصبح من ديدن البعض اختيار الناس ومطالبتهم بالبراءة من بعض المفاهيم الجديدة جملة وتفصيلاً (مثل مفهوم الليبرالية والديمقراطية والمجتمع المدني) وأصبحت هذه التصرفات من المحامد ومن أصول المقولات التي يفخرون بها.
وكلاهما ركب الموجة السطحية من الخلاف مناكفة ومبارزة لإظهار البطولات وفرد العضلات الوهمية، فمستوى الملاسنة والحرب الكلامية مما تحسنه هذه النخب التي تسبح في بحر تصديق ذاتها بفهمها لعمق الإصلاح المنشود.
فالبعض من التيار الذي ينسب نفسه لليبرالية يجيد استخدام عبارات مسنسخة جوفاء وكأنها تسبح في عمق الانثربولوجيا والسيسيولوجيا الحديثة والتي قرأ بعضهم طرفاً منها وآمنوا بها كقرآن منزل لا يقبل النقض والتغيير، بل وظن طرف منهم مركزية أعمالهم ومقالاتهم في هوامش النقد أو اللسانيات وكأنها تصب في صلب مشروع الحداثة، مع أن مشروع الحداثة على فرضية ضرورته لا يمكن البدء فيه دون الإصلاح الديني والبحث في البنى الكلية المحددة للموقف من الوجود والإدراك والبنية اللغوية اللسانية.
لذا رأينا في هذا التيار أنواع التناقضات الغريبة في قصر مشروع الحداثة على فكرهم الأدبي من نقد وشعر وروايات ترمز أحياناً للتهكم من المقدس أو من الثوابت الاجتماعية والتي يكون معيار التنوير والحقيقة فيها هو الغرب حضارة وثقافة واجتماعاً، وفي حالة قراءة النصوص الدينية فالتناقض يزيد للحوم حول حمى المحظور ما بين تطبيق المناهج المنقولة (كعقائد مسلمة لا كفرضيات نسبية) على هذه النصوص أو استثنائها أحياناً من تطبيقها على النصوص، وأحياناً كثيرة لا يصلون مستوى التطبيق بل بالاكتفاء بالتبشير بهذه المناهج التي لا يرى الباحث الصادق سوى عناوينها التي ملأت الصحف والملاحق ضجيجاً واستعراضاً.
ولم يكتف هؤلاء بجنايتهم على مشروع الحداثة والتجديد والنهضة بسطحيات هي أشبه بالعقائد منها بالأطروحات العلمية، بل بمحاولة خلق مناعات صلبة في مجتمعاتنا ضد كل ما هو جديد.. لا أعني هنا مستوى التقنيات الحديثة (كما يريد الإسلامويون قصر مفهوم الحداثة والتجديد عليها بزعم الاكتفاء المعرفي) بل أعني الجديد من العلوم الإنسانية والتي تشارك حضارتنا الإسلامية برؤيتها المؤصلة لخلق الإبداع والحياة والتجديد اللا متناهي لهذه العلوم.
وسبب هذه المناعات الرافضة للتجديد والحداثة هو الكم الهائل من الكتابات والتعليقات والمشاركات الإعلامية التي تستفز المشاعر العامة دون مراعاة أو اعتبار للتركة المعرفية الثقيلة التي خلّفها رموز الأمة من معرفة وعلم يمكن إحياؤه والاستفادة منه، وكأن حضارتنا لا تملك شيئاً من مقومات التقدم حتى وصل الأمر لادعاء عجز لغتنا بحمل مضامين عبارات ومفاهيم رئيسة في الحداثة الغربية، وكأنه لم يبق لنا إلا تغيير جلودنا إذ لم تسلم لغتنا من التنقيص، ولعل الحديث عن فكرة المركزية الغربية والفكرة الفلسفية القائلة بالتميز الغربي على باقي الحضارات معرفياً ولغوياً يطرح في مقال لاحق.
وأما التيار الآخر المشارك بالحرب المعلنة فهو التيار الذي ينسب نفسه كناطق رسمي باسم الإسلام والإسلاميين، إذ تبرع البعض مشكوراً بالحديث بنون الجمع عن تصديه للفكر المنتسب لليبرالية، ودعا على رؤوس الأشهاد بوجوب التبرؤ من كل المفاهيم الحديثة (الليبرالية والديمقراطية والمجتمع المدني وغيرها) جملة وتفصيلاً.
وهذا يشبه نقطتين أشار لهما ابن تيمية رحمه الله في الرد على المنطقيين، الأولى قوله "أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم ونصف متفقه ونصف متطبب ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان" ويكفي من السياق المعنى، والنقطة الثانية: هو كلامه على ضعف ردود بعض من ينتسب للفقه والكلام على فلاسفة عصرهم مما نتج عنه أمران: رد ما في كلام الفلاسفة من حق، وتمادي الفلاسفة في الباطل، وهذا هو حقيقة ما يحدث الآن في ردود هؤلاء على من يسمونهم أو يسمون أنفسهم ليبراليين.
أضف إلى ذلك ضعف فهمهم لفلسفة الدين وثوابته ومتغيراته، هذا غير فهمهم السطحي للحداثة وأصولها وأدواتها، حتى ان أشهر الكتب في هذا الباب (الحداثة في ميزان الإسلام) مؤلف في ثلاثة أسابيع، ولو جئنا نبحث في هذا العنوان بمعيار المسؤولية العلمية لوجدنا ان هذا الاجتهاد العجول أقرب للإساءة منه للإحسان، فموضوع الإسلام كتركة حضارية وثقافية ثقيلة نعتقد انها تحمل في اعماقها فلسفة كونية لا يمكن أن يطرح موقفها من شأن كوني معاصر كالحداثة بهذه الطريقة أو وفق رؤية الحداثة من خلال بعض الكتاب السعوديين، فالحداثة ليست خيراً محضاً ولا شراً محضاً، وليست في نفس الوقت كونية المفهوم.
مللنا من تهافت هذه الحرب التي لم نربح منها إلا ضبابية المفاهيم إن لم نقل ضياعها، وزيادة الانقسام إن لم نقل نفي الآخر، وتأخر التجديد والنهضة المؤصلة إن لم نقل موته، وضياع وهدر الأوقات على ما لا يعود بالأمة بشيء إن لم نقل عدميتها.
1
مشكلة المشهد الثقافي السعودي ياأبا أسامة أنه مضحك...
غير واعي...ويرفض الاعتراف بأنه غير واعي...
مع ذلك.مع كل كل ذلك...
الأغلب يجد لنفسه الحق في أن يقول ويتكلم ويحاكم ويحكم...
حتى على قضية لايعرفها أصلا...
المهم أن نتكلم...وأن نقول...حتى وإن كنا لانعرف إلا ماتقوله الناس...
المشكلة أن كل واحد من هؤلاء الطبلنجية هو بحسبة (مثقف)...او (مثقفة)
خصوصا حين يكون أحدهم أو أحدهن كاتبا أو كاتبة...
أتمنى أن يرتقي الوعي قبل أي شي ليرتقي المشهد الثقافي السعودي...
لأن الصراع بحد ذاته ليس عيبا...
ولكن المشاحنة على لاشيء...كما يحصل لدينا...
هي المضحك والمثير للسخرية في كل الأحوال...
بدرية - زائر
06:35 مساءً 2007/06/07
2
ان لبس الملابس المزركشه والقيام ببعض الحركات البهلوانيه هو في الغالب سمه المشاركين في المشاكسات الثقافيه التي تجري علي المسرح الفكري وتغيير الاشكال من آن لاخر
وعندما يحتدم النقاش فا ن اسلوب الصراع يتحول الي عراك الديكه او يتحول الي معركه تستخدم فيها العصي اوماشابهها
انها ثقافة الطفره الي لايملك فيها المثقف الحلم الثقافي ولا يستطيع ان يحدد فيها هويته الثقافيه انها (بداوة الثقافه) شكرا علي هذه المقاله التي فيها نحاول ان نتلمس فيها واقعنا ومعرفة اخطاءنا
ابو جهاد - زائر
01:59 صباحاً 2007/06/08
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة