
حين يتحدث أحد بنقد أو توجيه ما لرأي أحد الفقهاء، غالباً ما يثور طلابه ويصيبهم الغضب، فكيف لأحد أن يعترض هذا الرمز أو ينتقده.
لحظة.. هذه الظاهرة ليست فقط في صفوف المتحمسين من طلبة العلم الشرعي، لأنها ليست مسألة دينية في الأصل بل هي مسألة ثقافية، وأداة من أدوات تصنيم الذوات والاعتقاد بها انها لا يمكن إلا أن تكون جيدة ولا نقص فيها، والخطأ المستمر الذي يحدث هو حينما يظن أحد أن هذه العقدة أو هذا التعصب الثقافي موجود فقط لدى هذه الشريحة، بل هي موجودة باقتدار وكثافة لدى شرائح أخرى وان اختلفت موضوعاتها وفضاءاتها إلا انها تستخدم ذات الأدوات الثقافية، وتدير أفكارها وقضاياها بذات الأخطاء.
الذين دهشوا وهم يقرأون مقابلة الغذامي في مجلة الإعلام والاتصال التي أجراها الزميل طامي السميري والتي تعيد المجلة لتصبح جزءاً من الحركة الثقافية بعد ركود طويل، إنما حدثت دهشتهم تلك لا لأن الغذامي هو الذي تحدث، بل لأنهم وجدوا أن محدداتهم وعقائدهم الثقافية تنتهك بصورة لا تصمد معها مشاعرهم، لأن القضية بالنسبة لهم قضية اعتقاد وحالة ايمانية وليست حالة نقدية. وهذه حالة بالتأكيد انها لا تتفق أصلاً مع طبيعة العمل الثقافي والابداعي الذي لا مكان فيه للثوابت النقدية، وإنما هو خاضع لإعادة الدراسة والبحث وبأدوات مختلفة.
مشكلة هذا الجيل الشاب من النقاد والأدباء الذي بزغ من بين نقرات الكيبورد ومواقع الانترنت أنه اعتاد على تصورات رسخت لديه مواقف وتصورات نقدية، كان المأمول بهم ان يكونوا أكثر تجاوزاً لها، وان يتوافقوا مع طبيعة الثقافة الجديدة التي يفرضها الانترنت والتي تقتضي غياب الرقيب التقليدي، ومعايير النشر الفجة والحاجة إلى الخبرة أو صناعة الأسماء التي غالباً ما تمثل شروطاً تقليدية في حركة النشر العادي، وما يصحب ذلك من معايير غير نقدية للجودة والاعجاب بعمل أدبي أو فني، عدا أن نفاذ العيوب الثقافية أقوى بكثير ربما من أن تتغير بتغير المنبر أو الأداة التي يتم من خلالها التعبير وذلك يأتي كجزء من علل هذه الثقافة التي مهما تغيرت فضاءاتها ومنابرها إلا أن أدواتها تظل كما هي، بل تتحول بتلك الفضاءات وتلك المنابر الجديدة لتعيد صياغة العيوب والأخطاء الثقافية من جديد.
ان الذين يرون ان عبدالرحمن منيف مثلاً رائع جداً في كل ما كتب، هم - كما سبق - لا ينطلقون من موقف نقدي، خاصة أن المواقف النقدية لا تخضع للجاهز ولا للدائم، وبالتالي فأي نقد يوجه إلى هذه الشخصية يمثل بالنسبة لهم شيئاً أقرب إلى جرح الشعور، ذلك أنهم يأخذون شريعتهم في أوساطهم من خلال التقديس والتبجيل المطلق لتلك الشخصيات، لا من خلال اتخاذها مادة للنقد وإعادة البحث. وهي ذات اللعبة التي تمت ممارستها فيما مضى والتي تعني الدفاع عن الكبار للالتصاق بهم، وتمرير أنهم الصغار كبار، لأنهم يحبون الكبار ويتفاعلون معهم ويدافعون عنهم. وهو ما يجعلهم يتحملون مسؤولية أخلاقية أمام جماهيرهم العابرين.
ان عبارات مثل: (شكراً لمرورك) (أنت مضيء ومتجدد) (لغتك ساخنة أيها البهي) وغيرها من متداولات المواقع الثقافية في الانترنت لا يمكن لها أن تصنع وعياً نقديا، لكن الأسوأ من ذلك أن هذا الجيل أصبح عبارة عن (شلة) الكترونية رغم وجوده وتكونه من أسماء في فضاء معلوماتي واسع، إلا انه يتحرك بذات العيوب التي عاشتها كثير من (الشلل) الثقافية، تتفوق عليهم شلل الانترنت الثقافي، باجادة خلق النماذج، والتمحور حولها كمرجع للابداع في هذا الشكل الأدبي أو ذاك.
ان مجمل الردود التي جاءت على حوار الغذامي لم تكن ردوداً نقدية على الاطلاق، وكان المنتظر ان تمثل صدمة حتى بالنسبة للغذامي، بأن هناك جيلا يتخلق من وعي جديد وأفكار جديدة، لا علاقة لها بكل حلبات الصراع التي شهدتها العقود الماضية، وان نقداً جديداً هو صوت المرحلة القادم، لكن الخيبة جاءت واسعة وأخذت مختلف الردود تعيد وبصورة أكثر نكاية، تلك الردود التي شهدتها الساحة الأدبية حين طرح مشروع النقد الثقافي، وهي ذات الدهشة التي اصيب بها من اعتادوا على ألا يروا في المتنبي سوى مرجع الشعر وسيده الأبرز، صدموا حين رأوا قراءة تتعامل معه على أنه شحاذ وكذاب كبير.
كل ما يحدث هو أمر عادي وطبيعي في الحركة الثقافية، لكن ما يدعو للقلق، هو أن الثقافة قادرة على إعادة انتاج ذات العيوب والعلل الثقافية مهما اختلفت المنابر وتعددت الأدوات الثقافية، إنما بتعصب أكبر، وبدعوة إلى ان النقد الثقافي واسع جداً، لأن الأجيال التي يفترض ان تنشغل به عن تقديس الأفراد أخذت تقدم له شواهد جديدة لعلل ثقافية واسعة ومزدهرة.
1
انا معك لكن ليس من الضروري ان نكون ناقدين محترفين لكي نشارك مشاركه خفيفه..عموما شكرا على الموضوع و الغذامي فعلا شخص مميز..(في بعض افكاره)
عبدالرحمن الصقور - زائر
05:02 صباحاً 2007/05/26
2
ان الدكتور الغذامي رمز ثقافي عظيم يؤخذ منه ويرد
وفي الحراك الثقافي لاتقدبس لالنص ولا لمبدع
اماالمثال في صدر المقال فهناك نص مقدس ورجل الدين العالم هو من يحمل اوعيه ثقافيه تحمل نصوص مقدسه بمدلولاتها الثقافيه
والانتقاد لرجل الدين ليس لانه مبدع فليس هو كذلك دائما ولكن المساس به يعني النيل من المقدس وهنا الفرق
والدكتور الغذامي يتنقل في حراكه الثقافي من قمه الي قمه نتمني وندعو له
بالا تزل قدمه
والله الموفق
ابو جهاد - زائر
11:10 صباحاً 2007/05/26
3
ردود الفعل التي جاءت بعد حوار ال د.الغذامي في مجلة الإعلام والاتصال
كشفت لي حقيقة مثقفينا المؤسفة...
//
//
أجمل ما يعجبني ب د الغذامي هو انه يبني جزء من نقده
على رأي العامة من الناس فلا يهمشهم أبدا..
//
//
شكرا يحي الأمير على الموضوع..
أمل الحامد - زائر
09:42 مساءً 2007/05/26
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة