الرئيسية > مقالات اليوم

الطائفية وشرها المستطير


عبدالجليل زيد المرهون

اليوم، يبدو العراق ساحة اقتتال طائفي صريح. بل إن ما يشهده من فظائع متدثرة عنوة بلباس الدين والمذهب لم تخبرنا عنه حتى صور الحروب المذهبية الكبرى في أوروبا أو الاقتتال المذهبي طويل المدى في أيرلندا.

؟ تمثل الطائفية أحد التحديات المركزية التي تواجه مستقبل التعايش الأهلي في العديد من الأقطار العربية والإسلامية.والطائفية ليست بالمعضلة الجديدة، إلا أن الجديد هو حجم تمددها، وتنامي الخطر الذي أضحت تمثله.

وعلى الرغم من صعوبة تعريف الطائفية بالظاهرة السياسية، إلا أن أطرافا سياسية بعينها قد تمترست اليوم خلف رايات طائفية، دون لبس أو مواربة.

ومع دخول بعض المجموعات والقوى السياسية لعبة الصراع الإقليمي بأجندة وأدوات طائفية، فقد اقتربت المسألة الطائفية من كونها معضلة جيوسياسية، وفي هذا قدر من التحول التاريخي، إذ لم يكن البعد المذهبي بعدا صريحا ومعلنا حتى في الحروب الكبرى التي شهدها تاريخ الشرق، بين إمبراطوريات متنافسة، ومتباينة مذهبيا.

وعند تحليل المسألة الطائفية، يمكن القول إننا أمام ظاهرة تختزل في الأصل بعدا اجتماعيا، وترتبط بحاضر مشدود بقوة إلى ماضيه، وهي ظاهرة ليست لها شخصية مكانية، على الرغم من بعض تجلياتها المرتبطة بالمكان.وعلى هذه الخلفية، اكتسبت ظاهرة الطائفية بعدها الإشكالي الذي نشهده اليوم.

والطائفية كظاهرة اجتماعية، يخضع تحليلها بالضرورة إلى معطيات المكان والزمان، كما معطيات البيئتين الاقتصادية والثقافية، وبالضرورة أيضا سمات المناخ السياسي.

إن جغرافية الظاهرة الطائفية تكاد تكون واضحة على صعيد عالمي، إن في شقها المرتبط بالعالم الإسلامي أو العالم المسيحي.وحيث تتركز هذه الظاهرة، تنمو بالضرورة صور الشقاق الاجتماعي أو الحروب الأهلية. هذا على الأقل ما تنبئ به صور الحاضر المعاش والتاريخ القريب منا.

إن خارطة الظاهرة الطائفية تتوزع على صعيد عالمي بين أيرلندا إلى البلقان، ومن أفغانستان إلى جنوب شرق آسيا.وفي جنوب القارة وغربها، حيث باكستان والعراق، وحيث خرج لبنان من حرب أهلية اختزلت ضمن أمور أخرى بعدا طائفيا.على أن هذه هي الصورة اليقينية للخارطة وليست صورتها الحصرية، التي يصعب تحديدها.

وعلى مستوى الزمان، بدت بعض الحقب دون سواها وقد اصطبغت بصنوف من الشقاق والاقتتال الطائفي. حدث هذا في أوروبا القرن السابع عشر، ما قبل معاهدة ويستفاليا.وحدث الاقتتال الطائفي طويلا في أيرلندا الشمالية إلى أن أبرم الاتفاق الأخير، الذي يعد اتفاقا تاريخيا بالمعنى العريض للمصطلح.

وفي العالم الإسلامي، شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر نماذج لحروب "إمبراطورية" اكتست بعدا مذهبيا ضمنيا، أو لنقل سخر البعد المذهبي لخدمة أهدافها.ولكن دعونا نقول مباشرة إن ما حدث لم يعكس نفسه في صورة تقاطب مذهبي داخل العالم الإسلامي.

وفي القرن العشرين، يمكن القول إن خمسينيات وستينيات القرن قد سجلت أنصع صور التعايش في الغالبية العظمى من الأقطار العربية والإسلامية.

في المقابل، بدت سنوات الثمانينيات من القرن العشرين من أكثر الفترات التي شهدت انتعاشا للأحاسيس المذهبية، وأضرت بفرص التعايش الأهلي في عدد من المناطق والبلدان.وضمن عوامل عديدة، بدت الحرب العراقية الإيرانية كعامل إذكاء للأحاسيس المذهبية، وكانت تلك إحدى نتائجها الأشد قسوة.

كذلك، فإن الحرب الأهلية في لبنان ( 1975- 1991) قد رمت بتداعياتها على هذا الصعيد ضمن رقعة إقليمية واسعة.ومن جهة ثالثة، فان احتدام الحرب الباردة وبلوغها بعض مستويات الذروة مطلع العقد الثامن من القرن العشرين، كان عامل إذكاء آخر للأحاسيس المذهبية، وإن بصورة غير مباشرة فيما يتعلق بالعالم الإسلامي.

واليوم، يبدو العراق ساحة اقتتال طائفي صريح.بل إن ما يشهده من فضائع متدثرة عنوة بلباس الدين والمذهب لم تخبرنا عنه حتى صور الحروب المذهبية الكبرى في أوروبا أو الاقتتال المذهبي طويل المدى في أيرلندا.

إن ما يحدث اليوم في العراق هو إعادة إنتاج أكثر مأساوية للحرب الأهلية في لبنان.

وربما يكون صحيحا القول إن صورة بيروت المليشياوية لم يعد إنتاجها، لكن جرائم قتل المدنيين على الهوية لم تقترب من حجمها وفظاعتها حتى بيروت في ذروة معاركها الطائفية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الظاهرة الطائفية في العراق قد تكون ظاهرة عابرة.

على صعيد التحليل الاجتماعي للظاهرة الطائفية، يمكن القول على وجه مجمل إن نمو هذه الظاهرة لدى الأفراد يعود بصورة أساسية إلى ثقافة الأنا وإقصاء الآخر، وتجد جذورها الأكثر عمقا في التنشئة الأولى، البعيدة عن حب الآخرين، والإصغاء لما يقولون.

كذلك، فإن الفرد المشبع بالعصبية القبلية أو المناطقية يغدو أكثر ميلا للتأثر بالظاهرة الطائفية والالتصاق بها.ولهذا، فإن تنشئته في الصغر بعيدا عن التعصب القبلي والمناطقي قد تقيه في الكبر من ظواهر اجتماعية أكثر خطورة، كالتعصب الطائفي، أو هي على الأقل تساهم في ذلك.

وعلينا التشديد هنا على حقيقة أن تواصل الناس فيما بينهم، بعيدا عن الحواجز القبلية والجهوية والمذهبية، يشكل طريقة مثلى على مستوى الوقاية من خطر النزعات الطائفية.

وأتذكر أنني حينما كنت طالبا في المدرسة كان والدي يأخذني كل يوم جمعة لزيارة إحدى العائلات في إحدى القرى المجاورة. ومن خلال اندماجي طويل الأمد بهذه العائلة تعلمت الكثير من معاني العيش المشترك، وأدركت أن الميول الطائفية ما هي إلا نزوع كاذب ومضلل إلى حد بعيد.وحين عدت إلى البلاد بعد طول سفر، وجدت أن هذه العائلة وأبناءها كانوا في مقدمة من أتى لتهنئتي بالوصول، حتى قبل كثير من الجيران.وفي ذلك الوقت، كان والدي، رحمه الله، قد توفي، لكن هذه العائلة أبت إلا أن تجد فيّ أحد أبنائها.

قد يكون هذا الحديث شخصيا وانطباعيا، لكن ما أردت قوله على وجه التحديد هو أن الانفتاح الاجتماعي وتواصل الناس فيما بينهم، بعيدا عن الحواجز المفتعلة، من شأنه أن يخلق ويكرس ثقافة التعايش الأهلي دون عناء، ودون حاجة لدروس أو خطب.

ودعونا الآن نطرح السؤال التالي:هل الطائفية خيار سياسي بقدر كونها ظاهرة اجتماعية؟

أن يكون أمر ما بمثابة خيار سياسي فهذا يعني احتواؤه على مضامين مرتبطة بمنهج الحكم وإدارة الصراع، والقيادة والولاء.أي أن الخيار السياسي هو في التحليل الأخير خيار أيديولوجي.فهل الخيار الطائفي كذلك؟

بطبيعة الحال، لا يبدو الأمر كذلك.

الطائفية تنطوي على نزوع متضخم نحو طائفة ما، لكن ليس هذا هو تعريفها. إن تعريفا مبدئيا للطائفية يمكننا صياغته على النحو التالي:هي ميول متضخم أو متطرف نحو طائفة ما، ينطوي بالضرورة على نظرة دونية للطوائف الأخرى.

إذاً نحن بصدد حالة وجدانية تصاحبها نظرة غير ودية للآخر، وقد تتضمن سلوكا عدوانيا، بالقول أو الفعل، تجاه هذا الآخر.وهذا الآخر قد يكون آخر طائفيا وآخر سياسيا في آن معا.

وعلى ذلك، يمكن القول إن الظاهرة الطائفية لا ترتقي إلى كونها خيارا سياسيا، بل تبقى ظاهرة اجتماعية يمكن تسيسها لمواجهة الآخر السياسي، ويمكن في حالات أخرى جعلها ستارا لمواجهة الآخر القبلي، إذا كان جوهر الأمر صراعا بين قبيلتين أو مجموعة قبائل.

وفي نظام سياسي ما قد تكون العملية السياسية مبنية على أساس محاصصة طائفية صريحة أو ضمنية، وعليه يتم استخدام مصطلح الطائفية السياسية، وهذا في الأصل اصطلاح مجازي، إلا انه يشير على الرغم من ذلك إلى "طوأفة" السياسة لا إلى تسييس الطوائف.وبالتالي، فإن هذا المصطلح، الذي دخل عنوة القاموس السياسي الحديث، لا يقدم ما يفيد بأن الظاهرة الطائفية ظاهرة سياسية، ناهيك عن كونها خيارا سياسيا.

وبالتأكيد على إحالتها لجذرها الاجتماعي، فإن الطائفية لا تبتعد عن الفكرة العنصرية في شي.بل إن التفرقة الطائفية أشد سوءا من التفرقة العنصرية، لأنها تنطوي على ادعاء ديني، أو لنقل لأنها متلبسة بالدين، ومتدثرة به عنوة وزورا. وإن دعاة الطائفية اليوم لا يختلفون في شيء عن دعاة "الحق الإلهي"، الذين حاربوا المسلمين في قرون مضت تحت شعارات دينية، في جنوب أوروبا وجنوبها الشرقي.

والعنصرية في الخطاب الأكاديمي تعني نزعة العداء التي تكنها مجموعة بشرية حيال مجموعة بشرية أخرى على أسس بيولوجية، وعلى أساس الدونية الثقافية للآخر، مقابل التفوق الثقافي للأنا.وكان المجتمع الأوروبي قد اعتقد يوما ما بإمكانية تقسيم سكان العالم إلى مجموعات بيولوجية مميزة: أسود وأبيض وآسيوي.. الخ. وتقوم هذه التقسيمات على أساس تراتبي بين المتفوق والدوني. وما تتضمنه النزعة الطائفية لا يبتعد في جوهره عن هذا الأمر.

واليوم، فإن فظائع القتل الطائفي في بغداد لا تقل هولاً وكارثة عما حدث في كوسوفو وسراييفو قبل بضع سنوات.وإن النمو الشاذ للنزعات الطائفية قد بات يهدد الأمن الإقليمي، واستتباعا الأمن الدولي برمته.

إن لهذه الأمة ميراثها الحضاري الذي لا يصح لأحد تشويهه، إلى حد نزع طابعه الإنساني، عبر سلوك طائفي لا صلة له بالدين ومقاصده.وإذا كانت هذه الأمة قد عرفت منذ فجر تاريخها المجيد بعدائها الصارخ للعنصرية، بشتى صورها وتجلياتها، فلا يحق لأحد اليوم الإساءة إلى مكانتها بين الأمم، بالتأسيس إلى سلوك عنصري جديد، في شكل نزوع طائفي طائش بعيدا عن الروح أو العقل.

إن التأسيس لعنصرية جديدة لا يمكن القبول به تحت أي مسمى، وفي أية صورة أتى، تماما كما أن حرب داحس وغبراء أخرى لا يمكن قبولها، بمعنى لا يجوز السماح للعصبيات القبلية بأن تشعل نيرانها متلونة بشعار طائفي، متلبسة به أو متحدة معه.

وفي إطار الوقاية من بروز العصبيات المؤسسة للنزوع الطائفي، أو المحفزة له، تبدو الحاجة متزايدة لبناء مرتكزات المجتمع المدني المؤسسي، الذي يؤلف المجتمع، أو يعيد تأليفه، على أسس بعيدة عن التقسيمات الرأسية، القبلية والجهوية والمذهبية.

وضمن المعادلة ذاتها، فإن بناء طبقة وسطى، عريضة وممتدة، يعد أمرا لا غنى عنه لتحصين التعايش الأهلي وإدامته. وهذه مسألة يمكن رؤيتها بالعين المجردة في كافة التجارب العالمية القريبة.

إن النخبة المستنيرة في هذه الأمة هي اليوم أمام تحديات جسام، وعليها تحمل مسؤولياتها كاملة، دون الركون إلى اليأس والقنوط.وعليها في المقدمة من ذلك، العمل على بناء مجتمعات تتغلب فيها القواسم العليا المشتركة على ما سواها.

إن بناء جيل يعترف فيه الفرد بالآخر ويحس به ويقر بحقه في الاختلاف هي مهمة ذات أبعاد متكاملة، تلتقي فيها التربية مع الجهد الإعلامي، والقراءة الصحيحة للتاريخ مع تحليل الواقع ومعطياته، وعوامل القوة والاستنهاض فيه. إنها مهمة المربي والإعلامي وعالم التاريخ. مهمة مفكري الأمة وروادها قاطبة.

إن المطلوب هو حث الناس على التعايش فيما بينهم، في المدرسة والجامعة، والمصنع والمكتب، والأسواق والأماكن العامة، بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية أو الجهوية أو المذهبية.إن التعايش يرتدي هنا قيمة إنسانية عليا، وهو يجسد سلوكا حضاريا، ووعيا اجتماعيا متقدما.

إن نهوض أية مسيرة إنسانية يستلزم التعايش بين أولئك المعنيين بها، بحيث يمكنها أن تصبح قادرة على إنتاج علاقات متوازنة لا تقلّص الآخر إلى مجرد مكانته الاجتماعية، أو لون جلده أو أي نعت آخر يدل على اختلافه. ذلك أن رؤية الآخر على أساس اختلافه تشكل الخطوة الأولى في مسيرة تهميشه واستبعاده، لذلك يغدو قبول الآخر بمثابة حجر الزاوية لتأمين علاقات سليمة وصحية بين أبناء المجتمع.

إن مجتمعاتنا ليست عاجزة عن جعل العيش المشترك حقيقة قائمة ومستمرة فيها، فمخزونها الثقافي الغني، وتاريخها المشرق، ونسيجها الاجتماعي بطبعه المتسامح، تعد جميعها عوامل تعزيز لخيار العيش المشترك.

وفي المنتهى، فإن الرهان معقود على وعي مجتمعاتنا بمصالحها الوطنية والقومية، وإدراكها لضرورات التعايش الأهلي، الذي يمثل حجر الزاوية في أمنها واستقرارها، والذي به وعبره تبحر سفنها نحو الازدهار والرقي.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة