للصادق النيهوم بحث في غاية الأهمية فيما يتصل بأميَّة المتعلمين.. هو يعتقد أن الأمية لا تعني بالضرورة (عدم المعرفة نتيجة العجز عن القراءة)، ولا تعني - وهذا رأيي - عدم الإلمام بأدوات وتقنيات المعرفة الحديثة.. هذه تظل أميَّات جزئية لا تنال كثيرا من الوعي الحقيقي والقدرة على الفرز وتشكيل الرؤية البصيرة.
كلنا نعرف أميِّون بهذه المعاني الجزئية.. لكنهم يمتلكون عقولا مستنيرة استطاعت أن تحفظ لهم مكانة متميزة في أوساطهم الاجتماعية.. منهم شيوخ قبائل ومنهم حكماء ومنهم عقلاء وفرسان ووجهاء مجتمع.. هؤلاء اكتسبوا معارفهم وخبراتهم عبر سلسلة من التجارب الحياتية المتوارثة عبر الأجيال ضمن منظومات قيمية وإنسانية ناصعة.
غير أن أسوأ أشكال الأميّة وأكثرها خطرا هي (الأمية العلمية) كما يسميها السيد النيهوم.. يقول: (إن المرء لا يستطيع أن ينفذ من فخ الأميَّة بمجرد أن يمتلك وسيلة المعرفة التي تُدعى عندنا بالقراءة.. إنه يصبح فقط "أميّاً مقنّعاً"، وإذ ذاك يصير مريضا اجتماعيا أشد خطورة ممن سواه، لأن إلمامه بالقراءة يجعله يتصور أنه بات يملك الحق في "النقاش وإيجاد الحلول" أيضا.. وعندما يبدأ في ارتكاب هذا الخطأ يضع نفسه ومجتمعه وجميع أجياله القادمة تحت رحمة الجهل المقنّع...) ويقول أيضا: (إن المشكلة لا يمكن حلها إلا من الداخل.. وذلك يبدأ بأن نرفض أولا البديهية المضحكة القائلة بأن "الأميَّة هي العجز عن القراءة" لأن ذلك يفتح الباب أمام قطيع غير محدود من "الأمّيين القارئين" لكي ينصبوا أنفسهم قادة مجانين لمسيرتنا الفكرية.... إن العجز عن القراءة نوع واحد من أنواع الأمية فقط، وهو أيضا الشكل الخارجي لها الذي يستطيع المرء أن يلمسه بأصابعه، ولكن ذلك لا يعني بأي حال أن الأمية تبدو دائما في هذا الشكل من الوضوح.. إنها تصبح أكثر وضوحا وأكثر خطورة ومدعاة للخسارة عندما تختفي وراء قناع القدرة على القراءة، ويصير بوسع الأمّي أن يقرأ لك أفكاره المشوهة من فوق منصة الخطابة، ويخدعك عن سمها القاتل بالبديهيات التي تبدو من الخارج منطقية ومغرية).
هذا الكلام كتبه المفكر الليبي (العام 1971م).. فما الذي تغير في واقع الفكر الاجتماعي العربي بعد أكثر من ثلاثة عقود؟.
هذه الخلايا الإرهابية التي تريد أن تحرق نصف الوطن والقادمة حتما من قناعات فكرية تزعم أنها وحدها من يحتكر العلم باسم الله.. أليست مُنتجا ظلاميا للأمية العلمية؟.. وهؤلاء الشباب (وجميعهم ليسوا أميين بمعنى عدم القدرة على القراءة) والذين يحملون كل المواصفات الشكلية التي تؤهلهم لعناية واحترام المجتمع المحافظ على أنهم شباب صالحون.. أو تبدو عليهم (سيما الطاعة) حسب التعبير السائد..
هل تأخذهم أميّتهم العلمية للوهم بأنهم لا يُدركون حجم الدمار الكارثي الذي سيتم بأدواتهم التفجيرية؟ أشك في هذا.. هل توهموا أنهم إنما يطلقون شيئا من الألعاب النارية في سماء الوطن لمجرد لفت الأنظار بحرق كل مقدرات أمتهم الاقتصادية؟.. أيّ عقل يقبل بهذا؟.. ثم كيف يقرر هؤلاء نسف المنزل على رؤوس سكانه؟ وإلى أيّ يقين وبأي ثمن يبيع هؤلاء النيرونيون ومن وراءهم أنفسهم ووطنهم؟.
كنت أعتقد أننا أمام أزمة فكرية عنيفة كل ما في الأمر أن غاب عن حلبتها فكر الوسط فازدادت احتداما.. غير أن هذا النوع من الأزمات يفترض وجود أفكار متصارعة وربما متكافئة.. لكل طرف منها عمق ثقافي أصيل بمعنى أو بآخر، وقادر على المناورة الفكرية لتمرير قناعاته وتكريسها بالحجة.. لكن ما يحدث وما أفرزته تلك الاعترافات من طرف خفي.. يجعلنا نعود لصياغة السؤال الكبير الذي لم تجب عليه كل حواراتنا الوطنية لأنها لم تطرحه بعد.. هل نحن أمام المعطيات الموضوعية للأمية العلمية في الفكر الديني تحديدا والتي نمت ونشأت وترعرعت بهدوء في غيابات الصمت والسكوت.. أم ماذا؟.