الرئيسية > مقالات اليوم

الثراء والإصابة بالسكري


د. أحمد عبدالقادر المهندس

هل يسبب الثراء المفاجىء الإصابة بمرض السكر؟! هذا سؤال يمكن أن يسأله بعض الباحثين عندما يلاحظون ازدياد نسبة الإصابة بهذا المرض في هذا العصر، بالرغم من أن مرض السكر من الأمراض القديمة جداً، والتي اكتشفت عند قدماء المصريين منذ آلاف السنين.. والقصة التالية ربما تلقي بعض الضوء على العلاقة بين الثراء المفاجىء والإصابة بمرض السكر. ففي المحيط الهادي تقع جزيرة صغيرة جداً لا تتعدى مساحتها 21كم2، وكانت هذه الجزيرة تمتلك كميات كبيرة من خام الفوسفات. المشكلة أن استغلال هذا الخام المعدني جعل سكان الجزيرة أغنياء ومرضى في الوقت ذاته.

ويعتقد الباحثون أن أجسام سكان الجزيرة قد طورت جينات خلال - العصور القديمة - تجعلهم معرضين للإصابة بمرض السكر، وكان ذلك نتيجة لفترات طويلة من الفقر والمجاعات المتكررة نتيجة لمعيشتهم في جزيرة فقيرة ومعزولة عن العالم..

تغيرت ظروف الحياة فجأة وتمتع الناس بالغذاء الوفير، وتنشطت جينات مرض السكر، وانتشر المرض كالوباء بين جميع السكان في تلك الجزيرة الصغيرة.

لقد كان انتشار مرض السكر كالوباء نتيجة لانتقال السكان الفجائي من حياة بدائية نشطة تميزت بالشح الغذائي إلى غذاء الوفرة وحياة الكسل والخمول.

لقد كان الانتقال فجائياً من الفقر إلى الغنى، كما أن عمال المناجم الذين يستخرجون خام الفوسفات كانوا من جزر أخرى. وهكذا أصبح سكان جزيرة نورو (NAURU) ضحايا لجينات ورثوها من أجدادهم، والتي تجعلهم معرضين للإصابة بمرض السكر النوع (2) غير المعتمد على الأنسولين والذي يختلف عن سكري الأطفال من النوع (1).

ويعتقد بعض الباحثين أن هذه الجينات التي سببت الإصابة بمرض السكر عند سكان الجزيرة كانت مفيدة جداً في عصور الفقر والشح الغذائي المتكرر لفترات طويلة. لقد كانت تلك الجينات مفيدة لأنها كانت تحفز تراكم الدهون في الجسم ممثلة احتياطياً غذائياً من أيام الوفرة والغنى إلى أيام الفقر والشح الغذائي.

ولا تسبب هذه الجينات مرض السكر إلا في ظروف الوفرة والخمول والكسل لفترة طويلة، وهي الظروف التي عاشها سكان تلك الجزيرة الصغيرة.

والحقيقة أن ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السكر في العديد من شعوب العالم لا يعد مستغرباً، ولكن لم تظهر نسبة اصابات المرض بمثل النسبة التي ظهرت في جزيرة نورو، حيث أن أكثر من نصف البالغين كانوا مصابين بمرض السكر، كما أصبح معظم أولئك مصابين بالسمنة بشكل واضح. ويقول الباحث (جارد دياموند) من كلية الطب بجامعة كاليفورنيا ان مرض السكر يمكن أن يصبح مشكلة منتشرة في كثير من شعوب الدول النامية.

وربما يحدث لبعضهم مثلما حدث في جزيرة نورو.

وتعاني بعض مناطق المملكة من انتشار مرض السكر بحيث تصل أحياناً إلى 25% في بعض المناطق.

وقد اهتمت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بهذا الموضوع فأصدرت دراستين إحداهما عن "مرض السكر في منطقة جدة: نسبة الإصابة والانواع والمضاعفات" والأخرى عن "مرض السكر عند السعوديين" وهي دراسة حديثة تقع في حوالي 638صفحة.

فهل نحن بمنأى عن هذا المرض الذي ينتشر، وماذا أعددنا له من خدمات صحية ووقائية.. وماهي برامج وزارة الصحة في الوقاية والعلاج، وأهم من ذلك، هل هناك متابعة لهذا المرض، وخاصة لمن لا يستطيع دفع تكاليف هذا المرض ومضاعفاته وتأثيراته..!.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة