الرئيسية > الأخــيــرة

بالفصيح

عويس "قصة"


عبدالله محمد الناصر

عاش عويس يتيماً، فقد مات أبوه في ظروف غامضة، حيث وجدوه مرمياً في بئر ولم يكتشفوا ذلك إلا بعد أن فاحت رائحة جثته المتعفنة. ودارت حكايات طويلة حول سبب قتله وقذفه في البئر، ثم توقف الحديث مطلقاً عن سبب قتله.

وكانت أم عويس تعمل في البيوت تغسل الصحون بعد الولائم، وتكنس، وتنظف ما يطلب إليها تنظيفه. وأدخلت عويس المدرسة، ولكنه لم يكن مهيأً للدراسة بسبب منظره المزري، وهيئته الرثة، وقلة نظافته، إضافة إلى أوجاع عينيه المصابتين بالرمد الدائم، مع رثاثته الذهنية. فكان مدرس الرياضيات يسخر منه ويسميه "لويس" الخامس عشر، لأن قدراته الحسابية في الجمع والطرح والضرب لا تتعدى الخمسة عشر.. وهذا ما جعل استمراره في المدرسة أمراِ صعباً، فقد كان يتناول يومياً وجبات طويلة من الجلد المسلط على جسده النحيل.. لذا هرب من المدرسة وصار يتسكع في الأزقة والشوارع، ويجلس أمام الدكاكين، وكان أصحابها يطردونه لأنه أحياناً يسطو على بعض أشيائهم عندما يتغافلهم.. لذا فأكثر ما تراه يدور في الأزقة المهملة وفي الخرائب. وكثيراً ما تراه يحمل جرواً أو قطاً ويتجمع الأطفال حوله فيضحكون من كلبه الصغير، أو من قطه، ثم يقومون بركل الجرو أو القط فيخطفه من بين أرجلهم هارباً إلى البيت، مكتفياً بإخراج رأسه وإخراج ذيل الجرو أو رأس القط.. وهكذا.

وذات يوم ولا يدري أحد كيف وجد عويس قرداً صغيراً، لا أحد يعرف كيف وصل القرد إلى قريتهم، فالمنطقة ليست منطقة قرود، وربما أن أحداً قد تخلص منه من أهل المدينة فرمى به هناك.. المهم أن عويساً حمل القرد بفرح وسرور، بل لقد سرت أمه بالقرد سروراً عظيماً وراحت تقدم له الوجبات التي يتقاسمها مع عويس.

صار عويس يحمل القرد فوق كتفه ويقف به أمام المدرسة، وفي ساحات البلدة والناس يضحكون، ويعجبون، ويسيرون خلفه حيث سار، والقرد يقفز من فوق رأسه، وعلى كتفيه برشاقة وخفة، ويصدر حركات مضحكة..

وتطور الأمر لدى عويس فأخذ يدرب القرد على حركات بهلوانية وسط ساحة البلدة، في السوق الكبير، وصار الناس يتجمعون بما في ذلك الرجال وكبار السن.. ويطلبون من عويس أن يأمر قرده بإعادة تلك الحركات العجيبة المضحكة والمسلية، وصار عويس يطلب من الناس أن يدفعوا أجراً لذلك، وأخذت تتوالى على القرد القروش فيلتقطها ويضعها في جيب صاحبه، وربما قفز على كتف ذلك الذي رمى له القرش وربما قبَّل رأسه. وهكذا ظل قرد عويس تسلية أهل البلد.. وصار يحضره معه في المناسبات: كالزواج أو النجاح وغيرهما، وطغت شخصية القرد في البلدة.. وصار الناس إذا أرادوا أن يكافئوا أولادهم لعمل فعلوه يبعثونهم إلى الساحة وفي جيوبهم بعض النقود ليستمتعوا بعروض القرد البهلوانية المسلية المضحكة.

غير أن مرضاً مفاجئاً ألم بالقرد مما جعله غير قادر على ممارسة عمله اليومي، وظل طريح الفراش، وضاق صدر عويس وضاق صدر أمه، بل وصدور أهل القرية.. وصار الناس كلما رأوا عويساً يسألونه عن صاحبه القرد، فيبدو لهم جزعاً حزيناً، ثم يضحك مذكراً إياهم بحركاته، قائماً بتقليده، فيتعجبون ويضحكون وهو يقوم بتقليد القرد تماماً، بل ربما زاد من عنده حركات شيقة وغريبة ومضحكة تفوق حركات القرد. وصار عويس يذهب إلى الساحة يومياً ويأتي بغرائب وعجائب أخرى، ونسى الناس القرد المريض، وصاروا يتجمعون أكثر ويزدحمون لرؤية عويس، وهو يقفز من هنا وهنا، ويثب من هنا وهناك، ويصدر أصواتاً مختلفة عجيبة، وامتلأت جيوب عويس بالنقود مكافأة لما يأتي به من عجائب ومضحكات.

وبعد فترة شفي القرد وظهر في الساحة مع عويس، وصار الاثنان يتبادلان الحركات وإضحاك الناس وإمتاعهم، وبدا واضحاً تفوق عويس على القرد بمراحل كثيرة.. بل لقد أدرك القرد تفوق صاحبه، فصار يقلد حركاته، ويضحك، ويطرب، ويصفق..

ومع مرور الأيام نسي الناس القرد تماماً، حيث أصبح واحداً من الجمهور، ونسوا أن عويساً كان واحداً منهم، بل إن عويساً نفسه اندمج في هذه الحالة البهلوانية ونسي بشريته التي انسلخ منها.. وبعد حين صار الناس يشاهدون القرد يقود عويساً، ويدور به في الشوارع والساحات العامة، ويتلقى الأجر بدلاً عنه..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 11

  • 1
    "لا فض فوك" يابوعبدالعزيز... فما أكثر "عويساتنا" اللذين نسوا أنفسهم وتاريخهم ووضعوا أنفسهم في مواضع تأنفها النفوس الحرة. (فلقد باعوا كل شيء من أجل لاشيء).
    "دمتم للقلم ودامت لك الكلمة"

    عيد العتيبي - سري UK - زائر

    05:41 صباحاً 2007/05/25


  • 2
    لا أستطيع أن الوم القرد على مافعل فقد كان مجبرا أن يلبي ما يطلب منه عويس ولكن السؤال هنا هو (هل يلام عويس على ما فعل) ؟
    ما أكثر عويس في الوطن العربي ومن هم على شاكلته.
    أبدعت كعادتك ولكني أتوقع أن المعنى لن يخرجه الشاعر من بطنه حتى يكون المنبر الرفيع المناسب متوافقا مع التوقيت المناسب.

    عبداللطيف - زائر

    05:55 صباحاً 2007/05/25


  • 3
    صار الآدمي لازم ينزل لمستوى فظيع لكي يراه الناس
    فنزويلا&&&كاراكاس
    shal0034@hotmail.com

    نواف - زائر

    07:21 صباحاً 2007/05/25


  • 4
    قد يكون للحكاية مضامين كثيرة، ولكن منها ان الناس تحب من يضحكها وينسيها هم الحياة وضغوطها بينما الشخص الكئيب المنكوب يبعد عنه الناس فكل واحد إلي فيه كافيه

    دانه الخياط - زائر

    08:19 صباحاً 2007/05/25


  • 5
    تحية لك أخي الكريم مبدع كعادتك فما أقسى أن ينسلخ الإنسان من ذاته ويتحول إلى تقليد من هب ودب مهما كان السبب الكائن وراء ذلك

    عبدالله - زائر

    09:18 صباحاً 2007/05/25


  • 6
    عويس رغم أنه لم يخطط لهذا إلى أنه جعل من لاشيء إلا شيء
    أتمنى وأدعو الله أن أستغل الفرص مثل ما فعل عويس
    شكراً لك أخي وإستاذي الأديب عبدالله
    mshaal@mshaal.com

    مشعل - زائر

    11:00 صباحاً 2007/05/25


  • 7
    القصة تفتقد
    الى تسلسل الاحداث والحبكة
    مع انها ذات مغزى جميل في مجملها
    شكرا...
    وفالك التوفيق

    محمد المولج العنزي... العقيلة - زائر

    03:08 مساءً 2007/05/25


  • 8
    لهذه القصة عبرة
    كم تنطبق هذه العبرة على امتنا العربية
    امتنا النائمة على حرير تحته جمر..
    قصة جميلة جدا
    ولكن هل هناك من يعتبر؟
    سلم قلمك مرة اخرى
    بسام/بيروت

    BASSAM RAFAIEH - زائر

    04:27 مساءً 2007/05/25


  • 9
    استاذي..
    وأنا أقرأ القصة.. وجدت شيء خفي في شخصك الكريم.. وهو حب الهواية.. ونمو الهواية.. وتنمية الهواية.. ونزع الخوف والخجل.. وتنشيط (الجلوكوزبنتس).. وهي المنشط للذاكرة.. واختزال الأفكار والابداع.. وهي خفة الدم والرشاقة الذهنية.. والتي نفتقدها نحن العرب.. وهي الرشاقة الذهنية.. فأنت يا أبا عبدالعزيز.. أرى في في كتاباتك.. وخاصة ما بين السطور.. هو أبداعك في الرشاقة الذهنية والإبداعية.. والخنفشارية.. بالمفهوم المنفوحي.. أخو السيوطي.. تحياتي لك..

    خالد التغلبي * الجزائر - زائر

    05:13 مساءً 2007/05/25


  • 10
    كم صرفتنا يد كنا نصرفها، وبات يحكمنا شعب ملكناه

    عمر - زائر

    06:25 مساءً 2007/05/25


  • 11
    حكايتك تنم عن زهن صافي وبال مرتاح عطاك الله العافية يا أستناذ عبد الله و كثر من أمثالك

    د. حميدة درويش - زائر

    12:53 مساءً 2007/05/26



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة