(كله إلا الدواء.. رضينا بالتقصير في أي غرض إلا الدواء) عبارة تسللت إلى مسامعي من امرأة في متوسط العمر كانت تغادر شباك صرف الدواء في صيدلية العيادات الخارجية بمجمع الرياض الطبي (مستشفى الشميسي)، تبعتها لأسألها عن سبب شكواها فأبدت تذمرها الذي لم تخفه عن كل من سألها عن حالتها فقالت لقد طالت فترة انتظاري التي امتدت لساعتين وبعدها تأتي الدكتورة (الصيدلانية) لتقول لي إن دواء الضغط غير موجود وهو الذي تحملت من أجله مشقة المجيء المستشفى والدخول عند عيادة الدكتور في سبيل الحصول على كميتي من الدواء لأفاجأ بأنه قد نفد وعلي أن أعاود المراجعة بعد أسبوعين لعل الدواء قد وصل إلى الصيدلية.. هل هذا معقول؟ إذا كان فهمي بسيطاً فأجيبوني أنتم ماذا أفعل خلال الأسبوعين؟ هل أتوقف عن تناول الدواء إجباريا بأمر طبي؛ لأنني لا أستطيع شراءه من الصيدليات الخاصة؟ (سعره يصل إلى 24ريالاً والعلبة بها 20حبة فقط) إن هذا الوضع لا يحتمل فقد تكرر أكثر من مرة إلى من نشكو نقص الأدوية في صيدلية الشميسي.
تركتني وأنا أردد وراءها فعلا إلا الدواء فقد تعودنا على التقصير والمخالفات والتجاوزات من جهات عدة تمس اقتصادنا وصحة غذائنا وتعليم أبنائنا، وإذا كان الحذر أو التغاضي أحيانا في المسائل التي أضحت عادة والناس معتادة عليها فإن أمر "الدواء" أمر مختلف جداً، ليس لأن ضرره أسرع.. وأثره أوقع وعام وحسب، ولكنه تقصير ليس أخطر منه خطر إن صدق حديث التقصير..
إننا وقبل أن نسترسل نود أن نثير الانتباه إلى أمر مهم وهو أن الطرف الأساسي في هذه القضية هو الإمدادات الطبية في وزارة الصحة وقسم الرعاية الصيدلية في المجمع المعني وكلها على رأسها أطباء وإداريون أجلاء لا احد يشك في نزاهتهم، وأن حدث تقصير كالذي نطرحه هنا لابّد أن يكون لديهم ما يسوغ تجاوزه ولو من الزاوية العلمية، إذ إن الأمور في بعض نواحي، العلم الصيدلاني، ربما - والله أعلم - تقبل اللونين (الأبيض والرمادي) أما الأحمر الخطر فلا كما نظن!!
فبعد أن كثرت شكاوى المواطنين من خلال الاتصالات بجريدة الرياض من نقص كثير من الأدوية في صيدلية العيادات الخارجية بمجمع الرياض الطبي في الآونة الأخيرة وزاد عدد المطالبين بالتحقق من هذه القضية كان لابد من التحري وبدقة حول أبعادها على أرض الواقع وذلك من خلال القيام بجولات على مدى ثلاثة أيام لا تقل كل منها عن 3ساعات متفاوتة من النهار وتركزت زيارتنا تحديداً في صيدلية العيادات الخارجية بمجمع الرياض الطبي التي تعمل مع نظام دوام العيادات الخارجية ويتم من خلالها تأمين وصرف الأدوية لمرضى ومراجعي العيادات الاستشارية والأخصائية.
طول الانتظار
دخلت غرفة استراحة النساء المغطى بابها بساتر من القماش وجلست أرقب وضع المراجعات اللاتي كثيرا ما يزدحمن بطريقة فوضوية عند الشبابيك الأربعة الضيقة التي لا تحتمل غير يد المريضة لتسليم وصفات الأدوية للصيدلانيات ورأينا أن هناك أوقات تقفل بها 3شبابيك ليستقبل شباك واحد وصفات المريضات ويطول الانتظار في سبيل الحصول على كمية الدواء المطلوبة إلى أكثر من نصف ساعة والسعيدة والمحظوظة من تحصل على مقعد في وقت الذروة (11- 2ظهراً) ويطول الوقت حيث تمر عملية صرف الدواء بعدة مراحل بداية من استقبال الصيدلاني للوصفة ومن ثم إدخالها في الحاسب الآلي ليستعرض من خلال رقم ملف المريض لتاريخه المرضي والأدوية التي صرفت له من قبل ومن ثم تمر على عدة صيادلة للتأكد من صحة صرف الدواء منعا لوقوع أخطاء فردية لتسلم في النهاية للمريض.
لاحظنا أن الاستراحة صغيرة المساحة حيث لا تجاوز 5* 5ولا تستوعب الأعداد الكبيرة التي تراجع الصيدلية، إذ علمنا أن الصيدلية تستقبل ما لا يقل عن 1000مريض يوميا من القسمين الرجالي والنسائي كما لاحظنا أن الاستراحة تفتقر للتهوية خصوصا وكما رأينا أن أكثر المراجعات للصيدلية من النساء المريضات وكبيرات في السن، ولا يتحملن الاختناق والحر ومشقة الازدحام عند الشبابيك.
وأخبرتنا إحدى المراجعات بأنها قد شهدت سقوط عدة حالات من المرضى استدعي على أثرها الأطباء لإسعافهم وتقديم الرعاية الطبية العاجلة لهم لعدم تحملهم مشقة الانتظار في هذا الجو الخانق إضافة إلى أن الاستراحة خالية من أي وسيلة لقضاء الوقت الذي يصل إلى ساعات لتسلم الأدوية خصوصا إذا كانت الوصفة بها تركيب للدواء في المعمل الملحق بالصيدلية، ونقصد بالوسائل أن تكون مثل التلفاز أو الكتب والكتيبات والمجلات العلمية أو لما لا يكون هناك وسيلة فائدتها أعم ونفعها أشمل وغير مكلفة وتشغل وقت المراجعات بالتوعية العملية بما أن غالب المراجعات من الكبيرات في السن وهي من الأنشطة التي تختص بها المختصات الاجتماعيات والتغذية والتثقيف الصحي لتجديد معلومات المرضى وتثقيفهم في ناحية التعامل مع مرض السكري عملياً أو لعرض ماهية الأغذية التي يمتنع مريض الضغط عن تناولها في حال ارتفاعه أو كيفية التعامل مع المريض المصاب بالصرع وهكذا..
إن مواعيد العيادات الخارجية مقسمة على مدار الأسبوع فيوم الأحد والثلاثاء مخصص لعيادة السكر للنساء أما الرجال فأيام السبت والاثنين والأربعاء وعيادة القلب للنساء يوم السبت أما عيادة العظام التي يعلن في هذا اليوم الاستنفار الطبي والصيدلاني من كثرة مراجعي العيادة من الرجال والنساء فتكون يوم الاثنين.
أزمة أدوية حقيقية
المعلومات التي أوردها المعنيون من المرضى ومرتادو صيدلية العيادات الخارجية بمجمع الرياض الطبي التي حصلنا عليها من خلال استطلاع أكثر من 25رأيا تفيد أن 19شخصا من هؤلاء أبدوا شكواهم من نقص الأدوية وطلب من بعضهم شراء الدواء الذي دونه لهم الطبيب في الوصفات من الصيدليات الأهلية لعدم توافره في صيدلية المجمع، المشاركون الآخرون وأن أثنى بعضهم على الخدمة الصحية والرعاية الطبية التي تقدمها وزارة الصحة للمواطنين فإنه لم يخف تعاطفه مع بعض أصحاب الأمراض المزمنة الذين ينتظرون أياما وبعض الأحيان لأسابيع ومن ثم يضطرون لشراء الأدوية من الصيدليات الخاصة، مما يطرح عدة تساؤلات عما يحدث في صيدليات ومخازن الأدوية التابعة لمجمع الرياض الطبي ووصولا لمخازن وزارة الصحة.
تجلس في هدوء وكأنها في انتظار أحدهم شابة يبدو من هيئتها أنها في بداية العشرينات اقتربت منها وسألتها عن سبب وجودها في استراحة الصيدلية تقول هدية بشير انتظر أن ينادى علي لأستلم دوائي وعن مرضها قالت: بداية شهر رمضان الماضي أحسست بألم شديد في جنبي راجعت فورا المركز الصحي بحينا فحولوني إلى مجمع الرياض الطبي لأكتشف أنني في بداية إصابتي بمرض الفشل الكلوي مما أثر أيضا في إصابتي بمرض الضغط وضعف بعضلة القلب ووصف لي الدكتور عدة أنواع من الأدوية لا أعرف مسمياتها والوصفة الطبية قدمتها لإحدى الصيدلانيات وما زلت في مراجعات للمجمع ومستمرة على تناول الدواء إلى أن يمن الله علي بالشفاء التام إنشاء الله، سألتها عن نوعية الأدوية التي تتناولها هل تجدها دائما في الصيدلية فتنهدت قائلة: وكأنك وضعت يدك على الجرح أن المشكلة تكمن في هذا الجزء في عدم توفر الدواء بصفة مستمرة فهناك أوقات لا أجد فيها كمية الدواء التي يدونها الدكتور فتطلب الصيدلانية مني إحضار خطاب مختوم من والدي أشرح فيه حاجتي لهذه النوعية من الدواء وأرفق بها أرقام الهواتف الخاصة بي ومتى ما توفرت كمية الأدوية المطلوبة يتصلون بي وآتي لأستلمها!!!
أم سلطان في العقد الخامس من عمرها ومصابة بأمراض متعددة منها القلب وتتردد على الاختصاصيين في مجمع الرياض الطبي باستمرار طلبا للعلاج، إلا إنها لا يمكنها الحصول على بقية العلاج الذي تأتي من اجله لعدم توافر الدواء المطلوب الذي في أغلب الأحيان تضطر إلى شرائه إذا ما توفرت المادة، وفي الغالب الانتظار سيد الموقف، وتضيف أم سلطان: للأمانة وحدها أقول خدمات وزارة الصحة تتمتع بمستوى عال من الحرفية إلا أن ما يحدث في صيدلية مجمع الرياض الطبي وتحديدا خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي وفي أكثر من موقف حصل معي يدعونا إلى التساؤل أين دور وزارة الصحة إزاء مشكلة نقص الأدوية في صيدليات المستشفيات الحكومية ؟ وهو ما يثير حفيظة الكثيرين من أمثال حالتي.
الشراء من الصيدليات الخاصة
وفي رد مشترك اتفقت فيه كل من وسمية وأختها فاطمة وهما تدفعان والدتهما المقعدة على الكرسي المتحرك قائلتين: في بعض الأحيان لا نحصل على أدوية والدتي المطلوبة من صيدلية العيادات الخارجية بمجمع الرياض الطبي، إلا أنه بفضل بعض المعارف العاملين في صيدلية مستشفى آخر نحصل على ما تحتاجه والدتي من أدوية وأن تعذر نضطر إلى الشراء من الصيدليات الخاصة، بصراحة أدوية الأمراض المزمنة في الغالب مكلفة وهذا أمر نعتبره مكلفاً وخطيراً جدا إذا ما تفاقم، وتوضح الابنة الكبيرة وسمية إلى أن أخاها من خلال اتصالاته مع بعض معارفه في المستشفى الآخر بين له أن نقص الأدوية لم يكن موجودا في السابق، إلا أن زيادة عدد المصابين بالأمراض المزمنة التي تشهد أدويتها نقصا حادا في بعض الأحيان هو ما أحدث خللا في مخازن الأدوية في وزارة الصحة.
وطلبت منا عواطف محمد كانت متواجدة مع أبنيها الصغيرين توصيل احتجاجها إلى المسؤلين عبر الصحافة بعد أن استوضحت عن سبب سؤالنا قائلة: هذه مصيبة وعلى المسؤولين توضيح الأسباب التي تجعل الأدوية تنفد بهذه السرعة من صيدلية أكبر مستشفى حكومي في الرياض رغم أن الحكومة لا تقصر وعلى رأسها أبو متعب حفظه الله الذي دائما ما يؤكد على أن الرعاية الصحية بالكامل مجانية للمواطنين.
أدوية منتهية الصلاحية
وأكدت مصادر طبية ل (الرياض) عن تأخر صرف الدواء من إدارة التموين الطبي بالمجمع وهذا الأمر الذي لا نعرف له سبباً محدداً وخصوصا وبهذا الوقت الذي نعاني منه في توفر دواء مرض السكري ومعاناة المرضى في إيجاده بالصيدلية الأمر الذي غالبا ما نعاني معه من التبرير لهؤلاء المرضى كما أكد المصدر بوجود كميات من الأدوية منتهية الصلاحية في قسم صيدلية العيادات الخارجية بمجمع الرياض الطبي تصرف من عند إدارة التموين الطبي، وعن الإجراء الإداري المتخذ في مثل هذه المسائل يقول - المصدر - بأنه عادة في مثل هذه الحالات يرفع خطاب بأسماء الأدوية وكميتها ويتم إتلافها من قبلهم وشاهدنا علبة لدواء مَرّ على انتهائه شهران كاملان، كما شاهدنا عبوات أدوية مغلفة بعلب مهترئة ومتهالكة وكأنها قديمة أو مبللة بالماء، حيث إن نظرة واحدة لهذه العلب تجعلنا نشك بأنها صالحة للاستخدام الآدمي - مرفق بالصورة علبة الدواء - ويبدو أن سوء التخزين له دور كبير في ذلك حيث رأينا أن جهاز التكييف الذي وضع في المستودع الصغير للأدوية والمحاليل لتهويتها وتبريدها يتسرب منه الماء على كراتين الأدوية المصفوفة فوق بعضها البعض بطريقة يهيئ للناظر بأنها كراتين لمواد سباكة وبناء وليست أدوية بينها محاليل طبية تخضع لدرجات معينة من التبريد، كما دخلنا - بطريقتنا الخاصة - للمستودع الكبير للأدوية والمحاليل الخاص بالصيدلية ووقفنا على سوء تخزين كراتين الأدوية والمحاليل بطريقة غير نظامية فوق الأرفف الحديدية - الصورة خير شاهد - حيث وضعت فوق بعضها البعض في الممر المخصص للمشي بطريقة يصعب على إداريي المستودع أنفسهم أن يتجولوا بسهولة في المستودع كما يصعب إيجاد الغرض المطلوب بيسر وسهولة وعلى الجانب الآخر شاهدنا ثلاجتين - تستعمل في البقالات الكبيرة - تستخدم لحفظ أدوية السكري من أبر الأنسولين وأدوية أخرى وينظم بها ترمومتر التبريد يدويا (يفترض وجود ثلاجات طبية في المستودعات الطبية تدار الكترونيا لحفظ الأدوية بنسب معينة لكل دواء).
الشراء الموحد
وفي محاولة لإشراك الجهات المعنية للتعليق على هذا النقص في الأدوية والإجابة عن تساؤلات المواطنين بشكل عام، كان لابد لنا من طرح بعض الأسئلة على المعنيين في وزارة الصحة حيث ينفي الدكتور خالد بن عبدالرحمن الحسين المدير العام للإدارة العامة للتموين الطبي بوزارة الصحة ل (الرياض) أن يكون هناك أي أزمة نقص في مخازن وزارة الصحة وأكد على أن جميع الأدوية الأساسية والتخصصية يتم توفيرها من قبل الوزارة ولكن لكثرة الطلب على أدوية الأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم وزارعي الأعضاء والصرع والربو والتصلب اللويحي فقد تم وضع بروتوكولات تنظم عملية صرفها ومتابعتها مثل برنامج الرعاية المنزلية لمرضى السكري وضغط الدم وإنشاء قاعدة بيانات للمرضى بذلك، مشيرا إلى صدور القرار الوزاري في توجيه جميع العاملين والمختصين بوزارة الصحة بعدم قبول أي قصور في توفير الدواء ومحاسبة أي مقصر في ذلك كما تم تسليم سلف دائمة لجميع مناطق المملكة للحالات الأسعافية المفاجئة أو التي قد تحتاج إلى أدوية ربما فريدة لأسباب صحية معينة.
وعن الكيفية التي يتم بها تأمين الأدوية لتغطية الوزارة لحاجتها أوضح د. الحسين إلى تأمين الوزارة للأدوية عن طريق الشراء الموحد بالمكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون ويتم الشراء بنسبة 100% تقريبا فيما عدا الحالات الإسعافية فيتم عن طريق الوزارة وكذلك حسب إجراءات المنافسات الحكومية بالمملكة.
وبالسؤال عن مدى ملاءمة مخازن الأدوية للشروط الصحية والطبية أشار الحسين إلى أن هناك دراسة قد تمت على 282مستودعاً بجميع مناطق المملكة عن مستوى البنية التحتية لها، وكشفت الدراسة بأن 214مخزناً لا يتوفر بها نظام مكافحة الحريق آليا كما أن الإضاءة غير جيدة في 60مستودعاً والتكييف لا يتوفر بعدد 43منها كما أن 100مخزن لا يتوفر بها نظام العزل، وعليها والكلام موصول للحسين فقد تم اعتماد ما يقارب 200مليون ريال لهذا العام لتطوير وتحديث وإنشاءات جديدة للمستودعات الطبية من خلال تصميم موحد ومتطور جداً للمستودع الطبي يؤخذ في الاعتبار التطبيقات الحديثة.