عندما يطلق النص بمعناه الاصطلاحي فلا يحتمل أكثر من معنى وليس هناك من مجال فلكي تحوم حوله سفين التأويلات؛ إلا أن التسارع الزمني وترحيل الثقافات من بيئتها التي نشأت وترعرعت فيها بل شاخت وهرمت في مسقط رأسها قد غير الكثير من الحقائق والثوابت لدى الكثير من المنتسبين إليها حالاً أو مقالاً حتى ولو كان ذلك التسارع لم يؤثر شيئاً في هذه الحقائق؛ بل العجب حينما يؤكد هذا التسارع تلك الحقائق، واليوم تزخر كثير من صحفنا ببعض الكتاب المنتمين لمثل هذه الثقافات والتيارات التي عصفت بها ريح الأسفار حتى حطت رحلها بين اظهرنا مريضة شاحبة، هؤلاء الكتاب الذين يطرزون بعض صفحات تلك الصحف بأقلامهم الحادة التي لا تمتلئ بالمداد الا حينما تتفتق اذهانهم ببعض الأفكار التي تصاغ عندما تصطدم تلك الثقافات والتيارات بالنصوص الشرعية تواجههم اشكالية كبرى في التعامل مع تلك النصوص فتسقط حينها كل دعاوى الانتساب لطلب الحق وينكشف المستور حتى لا تكاد الحقائق الداخلية تلتحف به لأنه عراء، ان تسويد الصحف بمقالات بعض الكتاب المرصعة بمفردات (اللوجيا) اللاتينية والتي يظن كاتبها انها تضفي بريقاً لامعاً يخطف الأبصار؛ يتعامل معها القارئ الأريب كعلامات الترقيم التي لا يحسن كاتبها مواقعها؛ ومما يؤكد لك تلك الحقيقة تكرار الكلمة الواحدة اكثر من مرة في مواضع متفرقة لا ينسجم فيها تركيب الجملة مع تلك الكلمة، هذه المفردات كالزوائد الشجرية التي تحتاج الى تشذيب ليتجلى الوجه الحقيقي لتلك المقالات، ما ابعد البون بين صرير اقلام العباقرة الأذكياء وخرير اقلام بعض كتابنا اليوم، تندهش ويتملكك العجب حينما تقرأ لأعلام القرون السابقة وكيفية ايراد الاعتراضات على النص الشرعي بنص شرعي او جدل عقلي او واقع عملي حتى تزيغ الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر وما ان تظن ان الهلاك قد حان في خضم هذه الاعتراضات التي يظل بها الحيارى إلا وشعاع شمس الحق قد بدد تلك الظلمات يخطه مداد علم من اعلام الإسلام، وإن شئت فاقرأ في كتب تلك الحقبة الزمنية لترى الفجوة العريضة والهوة السحيقة بين عبقرية أولئك القوم سواءً اكانوا معترضين ام معارضين وبين احلام العصافير التي تعشش في أفئدة وعقول بعض مفكرينا ممن لا يحسنون فهم النص فضلاً عن الظاهر او ماهو اخفى فكيف يستقيم الاعتراض على نصوص صحيحة صريحة لا يخفى فهمها وإدراكها على العامة من المسلمين لنجد من نؤمل فيه فهماً نستنير به يحيطها بهالة من الاعتراضات الفقاعية والتي تتطاير وتتلاشى حينما يتنفس امامها المؤمن الصادق.
مازلنا نؤمل كثيراً في كثير من الكتاب الصادقين الساعين الى الإصلاح الحقيقي ولو اختلفنا معهم فيما دون النصوص والثوابت وكم نحن بحاجة الى مسايرة ومواكبة الأمم الأخرى في تطورها العلمي دون الأخلاقي مع اعتزازنا بديننا والذي يدفع بنا دفعاً الى الرقي الأخلاقي والتقدم العلمي؛ ولكن متى يعي بعض كتابنا ان لطم الخدود وشق الجيوب لا يصلح لنا حالاً فما الذي يدعو الكاتب الى جلد ذاته والقدح في دينه ومعتقده والاعتراض على النصوص الشرعية الصحيحة والتي يعتقد بأنها لا تناسب الزمن الذي يعيش فيه بعد ان يعرضها على تلك التيارات المهجرة ويظن انها السبب الحقيقي في تخلفنا فيدعو الى نقضها بدعوى الإصلاح فيشغل نفسه بتلك الإشكالية التي لا وجود لها الا في ذهنه ويسعى سعياً حثيثاً في حلها حتى لو وصل به الأمر الى استخدام النطح لإزالتها ولا يشعر بالألم من شدة النطح الا بعد ان يدرك انه كان ينطح جبلاً.