• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1831 أيام

كلمة الرياض

بيئة الأموات!!

يوسف الكويليت

    كل المجتمعات تحدث فيها تعديات وفروقات فكرية واجتماعية قد تؤدي إلى ما يشبه الحروب، لكنها تستعيد عافيتها، إما من خلال وعي مفكريها وقادتها، أو وضع مصلحة الوطن فوق التناقضات. وحدنا العرب الذين بدأت قيادات التحرر رائعة ومخلصة سواء من وضعت شعار الإسلام ومعه الوطن، أو العروبة ضد التغريب وبسلوك إنساني، لكننا بعد الكفاح والتحرر بدأنا في المواجهات الأصعب مع أنفسنا وهي المعركة التي لن تحسم عندما جعلنا الدين غاية لتنظيمات تفتي بالتحريم والتكفير، وتجعل من الموت جهاداً واستشهاداً، وكأن الانتحار بالوسائل الجديدة خطة عمل تضاد الحياة..

الفلسطينيون نموذج ارتفعت أسهمهم إلى عالم المثل العليا عند كل مواطن عربي وصارت قضيتهم مقدسة لا تحتمل المساومات حتى في ظل اعترافات بإسرائيل وتبادل السفراء معها، غير أن قادتهم عندما امتلكوا بعض أرضهم دخلوا نفس الامتحان في مواجهة الذات حدث الانقسام ثم الاقتتال بين حماس وفتح، وأكثر حالات البؤس أننا لا نعلم كيف أصبحت إسرائيل تراقب كل مسؤول وتصفّيه، وهي عمليات تداخل فيها الشك، لأن هذه القدرة لا يمكن أن تتم بدون طابور داخلي يخدمها، بمعنى أن تنظيف الشارع الفلسطيني من حلف الأعداء يحتاج إلى قيادات على مستوى المسؤولية، لا أن تنشطر بين دول عربية، وإقليمية، ودولية، ومن ثم لا تعلم من صاحب القرار ومن بيده عقد اتفاق سلام فلسطيني - فلسطيني، وهذه المحنة الكبيرة لا يستطيع زعيم دولة أو الجامعة العربية، أو الأمم المتحدة أن توقف شريان الدم النازف بدون توافق داخلي يتحرر من التبعيات المفتوحة.

لبنان ساحة حرب سياسية ومذهبية، وميدان سباق لمن يرغب أن يكون شريكاً في تحريك وسائل الخلافات الداخلية، لأن الإجماع بين الفرقاء مستحيل، ولم يكن غريباً أن تنبت في مسام هذا البلد "فتح الإسلام"، أو غيرها، إذا كانت مصادر التمويل، ووجود الفئات التي لديها الاستعداد بارتهان الوطن لأي مشتر أن تنشئ تنظيماً دموياً يأخذ بمبادئ القاعدة..

في عصر التحرير صار لنا أبطال وشهداء ومناسبات نحتفل بها كأي أمة تجعل من ذكريات بطولاتها امتداداً لكل الأجيال، لكن لماذا لا نجعل الاحتفال بيوم سلام بين العرب يوماً تاريخياً إذا كنا قادرين على فهم أن الإسلام جاء بلا مذاهب، وأن العروبة ليست شوفينية، وأن الحياة في الأديان، وحتى في مفاهيم الإنسان البدائي قيمة بذاتها؟..

لقد اعترفنا أن التضحيات باسم الدفاع عن الوطن أو العقيدة بشروط ما تعارف عليه كل الفقهاء والعلماء المسلمين أمر عظيم، لكنه الآن موت عبثي ينتصر لأفكار زعامات تعيش حالة فقر فكري من خلال نشرها ثقافة العنف وقتل الآخر بمبررات لا تصل إلى حدود عقل متوسط الثقافة، بل إن عداءها لا يمكن فهمه إلا بسياق من يجندونهم ونرى بماذا يفكرون، وما هي مصادر علومهم وثقافتهم، وعند إخضاعهم للمساءلة يكررون ما يقوله قادة الإرهاب من عناوين مفرَّغة من أي مفهوم ديني أو فكري، أو حتى أخلاقي.

بيئة الموت وثقافة العنف استوطنت الأقطار العربية، وزحفت كأي وباء تحركه الرياح إلى العالم، والنتيجة أن حساباتنا تتجه للناقص المتكرر..


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 4
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    بسم الله الرحمان الرحيم
    السلام علكم ورحمة الله وبركاتة
    (تحية من القلب)
    قرأت الكلمة
    جيدة وبها ما نحتاجة من الحماس
    لكن الكلام فى القضايا الشائكة لابد من الإستعانة بأهل التخصص
    إن كان دين فعلماء الإسلام، طب فأهل التخصص،00000
    فماذا قال علماء الإسلام المتفق عليهم من السواد الأعظم من الأمه
    هكذا نحارب العقيدة بالعقيدة، والفكر بالفكر، والثرثرة بمثلها ه(أهل التخصص)
    والعمل بالعمل مع إختلاف المنتج والمنشأ مع عدم السماح بالتوكيلات للغير
    لإنه دين وكينونه وهويه لايمكن للغير تقليده
    والسلام


    الأخ/سيف

    سيف خليفة عبده (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:54 مساءً 2007/05/22

  • 2

    مشكلة مزروعة في (العراق) و(لبنان) و(فلسطين)،،
    أصحاب القرار،، (هم) من يسقي هذه الزراعة،، و(هم) من يزودوها بعناصرها التي تبقي أرضها خصبة مورقة يانعة لها،، وقاحلة لغير بذرتهم التي أرادوها!! هم من أرادوا أن نجهل هويتهم!! ولكن نعرف طباع نتاجهم المتشابه في هذا المثلث المتشبث في الغرب!!

    نقاش قضية التعرف على هويتهم (منهم؟)،، قد يقودنا إلى (سراب) آخر،، وقد يكون هذا لوحده (هدفهم أيا كانوا)!! أن يبقى خصمهم تائه لا يستريح أبدا،، مهمتهم الفتنة،، وأن نعاني محنتها،،

    ربما قد يكونوا (هم) مجاهدي أفغانستان!! قد يكونوا (هم) عناصر صدام الذين خطط لهم الموت إن مات هو (أو الانتقام من خصومه ومن أخذ كرسيه)،، قد يكونوا (هم) موالين لإيران أو إسرائيل وأمريكا،، إلخ،، أو قد يكونوا (هم) خليط حقود ممن تجدله قريحة أي منا،،

    اليوم فعلاً،، بتنا لا نعلم من صاحب القرار في هذا (المثلث)!! ومن بيده عقد الاتفاق، هذه محنة زرعتها أيديهم، وعواقبها نزيف شريان الدم،، وعدم التحرر داخليا من تبعاتها،، وقد تكون نتيجة حساباتنا عن (هم) الغير كافية!!

    ساحة الحرب (سياسية) (مذهبية) (طائفية)،، هذه (هم): ميدان سباق لمن يكون شريكاً في الخلافات الداخلية، شعارهم لا إجماع بين فرقاء، (هم) من لديهم الاستعداد بارتهان الأوطان بمبادئ القاعدة،،

    محمد بن سعد - جامعة الملك سعود (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:03 مساءً 2007/05/22

  • 3

    مقال رائع. يجب ليس فقط القضاء على سرطان المليشيات السرطانية المسلحة وانما تجفيف المستنقع من منبعه الذي دعم ماديا ومعنويا هذه القذارة المليشية المسلحة المدمرة للبلد والامة ويستخدمها لارهابه وقتل الشعوب.

    د. هشام النشواتي (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:21 مساءً 2007/05/22

  • 4

    مع شديد الأسف لم نتعلم لا من التاريخ ولا من الرواد الأوائل.. لقد طغت الفردية والأنانية على البعض.. أنها كارثة إنسانية أن يجير وطن لخدمة فرد واحد.. في سبيل السلطة والسيطرة استخدم الدين والعادات والتقاليد الأصيلة من أجل فرد، ولهذا ليس غريب أن نعيش المأسي المتتالية في فلسطين والعراق ولبنان وبصور عامة في الوطن العربي.. لقد آن الأوان لتغيير بيئة الموت لتصبح بيئة قابلة للحياة..

    علي بن أحمد الرباعي (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:51 مساءً 2007/05/22




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


كلمة الرياض

يوسف الكويليت

الخيارات

عرض الأرشيف
RSS يوسف الكويليت
البحث في الأرشيف
للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (101) ثم الرسالة