تناولت صحيفة الأخبار المصرية في سلسلة حلقات ردود عدد من القيادات السياسية والعسكرية في مصر على مزاعم محمد حسنين هيكل وأكاذيبه، حول بعض الوقائع والاحداث التاريخية لمصر والعالم العربي عموماً.
وقد كشفت هذه الردود الصادرة من قيادات عاصرت الاحداث والوقائع عن التشويه المتعمد الذي مارسه هيكل للاساءة إلى التاريخ، وانتزاع بطولات زائفة عن طريق تأليف قصص وحكايات ومزاعم لا أساس لها من الصحة.
كما دعت هذه القيادات إلى ضرورة تصحيح المفاهيم والأحاديث والقصص التي رواها هيكل، كذباً وزوراً، خصوصا ما له علاقة بثورة يوليو، وما جاء في كتابه "سقوط نظام"، وذلك من أجل تطهير العقول التي أصابها أذى هيكل، لا سيما الناشئة منها، إلى جانب الرد على تلك الادعاءات والروايات المضللة حفاظاً على أمانة التاريخ وحتى تصل الحقائق إلى الاجيال القادمة سليمة، وغير مزيفة.
وكشفت الضجة الصحفية في مصر للرد على أكاذيب وافتراءات هيكل عن سبب لجوءه إلى قناة الجزيرة ليبيعها معلومات كاذبة وملفقة بعد أن تعذر نشرها في الصحافة المصرية.
وقد بدأت صحيفة الأخبار بنشر هذه الحلقات تحت عنوان "وقائع التاريخ بين الحقيقة والتأليف"، حيث استعرض اللواء جمال حماد في سلسلة من الحلقات جملة من المواقف التاريخية التي شهدتها ثورة يوليو 1952م.
وقدم اللواء حماد أحد رجالات الثورة والمقربين من الرئيس عبدالناصر الوقائع والأدلة من دون نقص أو تزييف.. ودحض بالبراهين أكاذيب وافتراءات محمد حسنين هيكل.. ذلك الباحث عن بطولات وهمية وسط مخزون من الهزائم منذ العام 1967م.
تفنيد اللواء حماد جاء بعد التجني السافر على التاريخ من لدن هيكل.. فالأخير قلب الحقائق وفقاً لهواه وبالطريقة التي يفضلها دون أن يرتقي مرتقى صعباً.. إلى درجة انه اعتمد على شهود أموات لاثبات زيفه وأكاذيبه..
كما قدم اللواء حماد حقائق مثيرة من حيث دقة المعلومات وصحة توثيقها وقوة الحجة والبرهان وتسمية شهودها وتواريخها لفضح أكاذيب هيكل وتعريته أمام الملأ.
"الرياض" تقدم هذه الحقائق كما عبرّ عنها أحد أبرز قيادات ثورة يوليو في مصر والمعاصرين لاحداثها، والقريبين من شخصياتها، والصانعين لأبرز قراراتها، وذلك حسب ما جاءت من مصادرها المصرية.
اختتم اللواء جمال حماد أحد قياديي ثورة 23يوليو حديثه في الحلقة السابقة عن تكذيب المزاعم والافتراءات التي تحدث بها هيكل عن الأحداث التي جرت ليلة الثورة، والاتصالات الوهمية المتناقضة تارة مع عبدالناصر، ثم استقرت الرواية الخيالية باتصالات الضابط سعد توفيق بديلاً عن عبدالناصر، مما يفسر حالة التخبط والتزييف للحقائق التي درج عليها هيكل في توثيق أحداث الثورة وشخصياتها وتواريخها.
استنتاج هيكل الخاطئ
وبدأ اللواء حماد في هذه الحلقة بتصحيح معلومات مغلوطة استنتجها هيكل بشكل خاطئ.. وفاضح عن غياب بعض المسؤولين البريطانيين خلال موسم الصيف، مما جعله يؤكد لعبدالناصر أن الانجليز لن يتدخلوا مهما حدث في القاهرة، وقال حماد إن هذا الاستنتاج مبعثه أن هيكل كان ضيفاً على العشاء في بيت اللواء أحمد شوقي عبدالرحمن قائد المنطقة الشرقية، وكان ضيف الشرف البريجادير توماس جولبرن الملحق العسكري البريطاني في مصر، وأفاد هيكل بأن السفير البريطاني السير رالف ستيفنسون بدأ إجازة في اسكتلندا، وأن الجنرال أرسكين قائد القوات البريطانية في منطقة القناة بدأ إجازة في قبرص، بل إن الملحق العسكري في مصر البريجادير توماس جولبرت على وشك أن يقوم بالإجازة.
وعلّق اللواء حماد على استنتاج هيكل، قائلاً: "من الواضح لأي محلل سياسي، حتى لو كان مبتدئاً، أن غياب بعض المسؤولين البريطانيين عن مناصبهم لقيامهم بالإجازة لا يشكل أي تغير في موقف بريطانيا فيما لو أرادت التدخل ضد أية حركة يقوم بها الجيش المصري، فأي قائد أو رئيس في حالة غيابه في أية دولة أو حتى مؤسسة مدنية يتولى نائبه على الفور منصبه بكل سلطاته واختصاصاته، ولم يكن معقولاً أن عبدالناصر بذكائه المعروف وفطنته تغيب عن فكره هذه المعلومات البديهية، ولم يكن بحاجة إلى تعقب خطوات هيكل في كل مكان - كما ادعى هيكل - سواءً في الاتصالات الهاتفية أو الزيارات المنزلية ليستزيد من تحليله الخاطئ لهذا الموضوع".
وكشف حماد عن تضارب المعلومات لدى هيكل وافتقادها للدقة والمصداقية، وقال: "ما ذكره هيكل بأن اللواء أحمد شوقي عبدالرحمن كان قائداً للمنطقة الشرقية فهذه مقولة خاطئة، لأن المنطقة الشرقية لم يكن لها وجود قبل عام 1956".
خيال مبتدع.. وسقطة لا تليق
بعد ذلك انتقل اللواء حماد لتفنيد السيناريوهات التي صاغها هيكل لأحداث 23يوليو 1952م، والمقارنة بين الحقيقة التي غيبها هيكل والخيال الذي ابتدعه.
يقول اللواء حماد: "لقد ابتدع هيكل سيناريوهين عن ليلة الثورة، تفوق فيهما على نفسه وعلى كل ما ابتدعه من سيناريوهات من قبل، وقد احتفظ فيهما لنفسه بدور البطولة المطلقة، وجعل كل الشخصيات الأخرى المشتركة في الأحداث من عسكريين ومدنيين بمثابة كومبارس، يلعبون أدوارهم وفقا لمشيئته وفي حدود الأدوار المرسومة لهم".
وتضمن السيناريو الأول لليلة الثورة الحديث الذي أذاعه هيكل في تليفزيون قطر باللغة الانجليزية في يونيو 1987م وتم ترجمته بالنص، وقال فيه هيكل: "كان الهدف الوحيد في تلك الليلة هو الاستيلاء على المركز الرئيسي لقيادة الجيش مع مركز اتصالاته، كان ذلك هو الحصول على العصا في انتظار استخدامها ضد الملك بدلاً من أن يستخدمها الملك ضد الشعب، حدثت أشياء غريبة، كانت القوات المتاحة التي اشتركت في العملية الفعلية للثورة كتيبة واحدة، والتي لم تكن حتى مكتملة (الكتيبة 13)".
تصحيح أخطاء هيكل
اللواء حماد يصحح أكاذيب هيكل، قائلا: ييبدو أن هيكل اختلط عليه الأمر، فإن مجرى الاحداث التي جاءت فيما بعد تدل على أنه كان يقصد مقدمة كتيبة مدافع الماكينة الأولى المشاة التي قدمت من العريش قبل حركة الجيش بعشرة أيام فقط، وكان قائدها هو المقدم يوسف منصور صديق".
نستكمل حديث هيكل الذي يقول فيه: "فكروا في البداية في استخدام هذه الكتيبة من ثكناتها قرب القاهرة وذهب عبد الناصر لمقابلة الكتيبة 13، وكان عبد الناصر متلهفا فخرج مع المشير عامر لمقابلة الكتيبة".
يصحح اللواء حماد ما سبق بقوله الصحيح أن عبدالناصر وعامر كانا في طريقهما إلى ألماظة لإحضار قوات مساندة للثورة من سلاح المدفعية عندما علم عبد الناصر بنبأ تسرب سر الثورة إلى الملك والسلطات.
ويستكمل هيكل روايته الخيالية قائلاً: "ومن الغريب أنه عندما اقترب من الكتيبة وكان رتلها (المقصود فصيلة من العربات) متحركا بالليل وأضواؤها مبهرة للأنظار رأى أحد الجنود عبد الناصر وعامرا وكان لديه أوامر من قائده بالقبض على أية رتبة فوق رتبة عقيد (الصحيح فوق رتبة مقدم) لأن كل المشتركين في الانقلاب كانوا من صغار الضباط، ولذلك قبض على عبد الناصر وتستطيع أن تتخيل أنه بين العاشرة والحادية عشرة كان عبد الناصر على وشك أن يفقد عقله فسأل الجندي الذي اعتقله اين قائدك".
يصحح اللواء حماد معلومة هيكل الخاطئة بقوله: "الذي اعتقل عبد الناصر هو الملازم ثان محمد أحمد غنيم من مقدمة كتيبة مدافع الماكينة الأولي".
ويستكمل هيكل الرواية قائلاً "بالمصادفة سمع صوت يوسف منصور صديق فنادى عليه فجاء القائد وقال مندهشا لعبد الناصر "ماذا تفعل هنا ؟"، فأطلقوا سراحه ثم أخبرهم شخص، (الصحيح أن هذا الشخص هو عبد الناصر الذي أخطر يوسف صديق عن اجتماع القادة) أن هناك اجتماعا لكل قادة الجيش بمركز القيادة الرئيسي، فقرر عبد الناصر خطة فورا قائلا: "سننصب لهم شركا ونعتقل جميع القادة وهم يدخلون المركز الرئيسي، لذلك كان استدعاء كل قادة الجيش المصري للاجتماع قبل منتصف الليل لمواجهة الثورة صدفة وضربة حظ، وعندما ذهب عبد الناصر مع بعض قواته وعامر مع الكتيبة 13لمهاجمة المركز الرئيسي للقيادة".
ويقول اللواء حماد: "الصحيح أن الذي قام بعملية الهجوم على مبنى رئاسة الجيش وقبض على رئيس الأركان الفريق حسين فريد كانت مقدمة كتيبة مدافع الماكينة الأولى بقيادة المقدم يوسف صديق بالتعاون مع السرية الرابعة من الكتيبة 13مشاة بقيادة النقيب عمر محمود علي وتروب عربات مدرعة بقيادة الملازم أول فاروق الأنصاري". ويقول هيكل في روايته التي لم تخل من الأخطاء في أسماء الشخصيات ولم يكن هناك أي شخص غير رئيس الأركان، ويصحح المعلومة اللواء حماد قائلا: "خطأ والصحيح أنه كان مع الفريق حسين فريد رئيس الأركان في مكتبه ثلاثة ضباط هم اللواء مصطفى الشعراوي قائد السلاح الجوي والعميد حمدي هيبة مدير كلية أركان الحرب والمقدم حسن سري نائب الاحكام الذي أوقعه سوء حظه ليكون الضابط العظيم المنوب برئاسة الجيش في تلك الليلة".
نستكمل مع حديث هيكل الذي يقول فيه: "وكان حرس رئاسة الجيش عبارة عن ستة جنود، وحاول أحدهم أن يقاوم وجرح وخلال ثلاث دقائق كان عبد الناصر وعامر ويوسف صديق يدخلون مكتب رئيس الاركان واستسلم فورا وجلس عبد الناصر على الكرسي يحاول أن يجري الاتصالات بالجيش".
ويصحح اللواء حماد معلومة هيكل الخاطئة قائلاً: "الصحيح أنه لم يكن أحداً من الضباط الأحرار قد جلس على كرسي رئيس الاركان سوى اللواء محمد نجيب بمجرد وصوله إلى رئاسة الجيش).
حكاية الدولاب تكشف الكذبة
ويستكمل هيكل السيناريو الذي يفتقد للدقة والمصداقية في كثير من مراحله فيقول: "كان الجزء الثاني من الخطة هو الاتصال بالضباط الاحرار بالوحدات المختلفة للتأكد أنهم يمسكون بزمام الوحدات وأن يقنعوا القادة المحليين بالولاء للثورة، وكان أهم قسم في الجيش المصري هو تلك الفرقة الوحيدة التي كانت لدينا".
اللواء جمال حماد يصحح قائلا: "كان لدى الجيش المصري في تلك الليلة فرقتان مشاة، الفرقة الأولى المشاة المتمركزة في سيناء على الحدود مع إسرائيل بقيادة اللواء محمد إبراهيم سيف الدين، والفرقة الثانية المشاة المرابطة في معسكر هايكستب شمال القاهرة بقيادة اللواء عبد الرحمن مكي".
ويقول هيكل في روايته المليئة بالأخطاء: "وكان قائد الفرقة الأولى لواء حازما جدا واجتمع الضباط الثلاثة الذين كانوا مسئولين عن الفرقة واكتشفوا أنهم لو أخبروه فإنه ربما كان لا يقبل أية فكرة، فقرروا شيئا غريبا كان احدهم وهو صلاح سالم ضابطه المعاون فدخل عليه وأيقظه ووضعه في الدولاب وأغلقه عليه".
ويصحح اللواء حماد قائلاً: "الصحيح أن صلاح سالم قام بإبلاغ اللواء محمد إبراهيم سيف الدين قائد الفرقة بنبأ قيام الحركة، ونظرا لأنه كان يتمتع بشخصية قوية ومحبوبة لم يحاول أحد المساس به وبادر اللواء سيف الدين بإرسال برقية تأييد لحركة الجيش باسم وحدات الفرقة الأولى في سيناء، واقتنع بضرورة تركه قيادة الفرقة بسلام فقد كان الوضع شديد الحساسية والخطورة نظرا لوجود القوات الإسرائيلية على الحدود، وسافر إلى القاهرة وحضر إلى مقر القيادة بكوبري القبة وجرت له مراسم التحية العسكرية وأصبح هو اللواء الوحيد الذي لم يعتقل".
هيكل يبحث عن دور بطولي
ويواصل هيكل قائلا واختير اللواء الأكبر سنا والأكثر خبرة محمد نجيب بواسطة الضباط الاحرار ليقوم بمهمة الرئيس الصوري للثورة، كان من المحتمل أن يلقى قبولا أكثر من الشعب المصري، أخذت نجيب في سيارتي، كان الجو مظلما، كانت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل وكانت القاهرة مظلمة تماما، وكان الجو متوترا، بينما كنا نقترب من المركز الرئيسي للقيادة فشعرت بتحركات بعض القوات وكان هو مندهشا تماما وقال لست أدري ماذا فعلوا ولكن بإمكانهم أن يقودوا البلد نحو كارثة، على أي حال إننا الآن مخولون، سأذهب وأرى إذا كان الوضع سيئا وإذا كانوا يسيئون التصرف فسأخبرهم بأن يعودوا إلى منازلهم وكأن شيئا لم يكن.
ويقول اللواء حماد: "هذا كلام خاطئ ولم يحدث أن هيكل جاء بمحمد نجيب إلى مقر رئاسة الجيش، بل هو الذي جاء بنفسه وبعربته الخاصة وقوبل من جميع ضباط القيادة بالترحيب والاحترام وتولى مسئوليته كقائد للثورة، ولم يكن رئيسا صوريا لها، ولم يحدث أن اللواء محمد نجيب الذي قاد الثورة في أحرج أوقاتها يصدر الأقوال التي نسبها إليه هيكل!"
مقولة مضحكة!
ويواصل هيكل سرده روايته التي افتقدت للدقة والمصداقية: "وصلنا إلى محطة البترول ووجدنا سيارة مدرعة، تركت سيارتي هناك وذهبت مع اللواء نجيب إلى السيارة المدرعة التي أخذتنا إلى المركز الرئيسي للقيادة".
ويتوقف اللواء حماد أمام هذه المعلومة قائلاً "هذه للأسف مقولة مضحكة تدل على ما يهدف إليه هيكل دائما في كتبه وأحاديثه بأن ينتزع لنفسه دورا في ثورة 23يوليو، فالصحيح أن اللواء محمد نجيب عقب أن حدثته بنفسي تليفونيا من مقر القيادة وأنبأته في منزله بنجاح المرحلة الأولى من حركة الجيش عرضت عليه أن أرسل إليه ثلاث عربات مدرعة لنقله بسلام إلى رئاسة الجيش، لكنه طلب مني عدم إرسالها وأخبرني أنه سيحضر بسيارته الأوبل، وقبيل وصوله إلى القيادة قابل عربة جيب عسكرية بها أحد الضباط الأحرار فركبها ودخل بها إلى مقرالقيادة، أما هيكل فقد التقيت به بنفسي قبيل الفجر في مبنى القيادة وقد جاء برفقة المقدم متقاعد جلال ندا وقد حضرا مندوبين عن صحيفة اخبار اليوم وحضر معهما كذلك عدد من الصحفيين والمصورين مندوبين عن الصحف الأخرى، ولم يكن لهيكل أي دور سوى الحصول على أنباء حركة الجيش كي يزود بها الصحيفة التي يعمل بها مثله مثل الصحفيين الآخرين".
بيان الثورة المتناقض
ويستكمل هيكل حكايته فيقول: "وكما حدث كان الانقلاب نموذجا في نوعه، كان سريعا وعمليا بلا دماء، ولكن أول بيان لنجيب عبر الأثير لم يوضح سوى القليل الملموس من خط المستقبل".
ويقول اللواء حماد: "الصحيح أن البيان الأول للثورة الذي قمت بصياغته والذي ألقاه من الإذاعة المقدم أنور السادات لم يكن الغرض منه سوى اجتذاب الجيش والشعب للالتفاف حول الثورة وطمأنة الرعايا الأجانب".
وقال هيكل زاعماً: "إنه غادر المركز الرئيسي للقيادة العامة مع محمد نجيب ليفتش القوات ويحيي الشعب في الشوارع".
ويعقب اللواء حماد قائلاً: "مما يبعث على السخرية أن يقول هيكل انه غادر القيادة العامة مع محمد نجيب عند خروجه ليفتش القوات ويحيي الشعب، فالذي جلس معه في سيارته كان العقيد أحمد شوقي وجمال عبد الناصر، ولا نعلم ما هو السر في أن هيكل جعل احمد نجيب الهلالي رئيس وزراء مصر وقتئذ لا يستطيع إبلاغ عروضه واقتراحاته لقائد الثورة وضباطه والتفاهم معهم تليفونيا إلا عن طريقه هو، برغم أنني كنت حاضرا مع اللواء محمد نجيب وبعض قادة الحركة في المكتب السابق لرئيس الأركان، وكانت اتصالات الهلالي واقتراحاته وعروضه تجري مع اللواء محمد نجيب شخصيا وعلى مسمع من كل الحاضرين، ومن العجيب أن يحاول هيكل تركيز كل الأضواء عليه في أي أحداث أو وقائع خاصة بالثورة.
قصة مختلقة
ويعود اللواء حماد إلى ما جاء في حديث هيكل للتلفزيون القطري باللغة الإنجليزية عن ليلة الثورة، ليطرح تساؤلات عديدة حول المتناقضات في كلام هيكل، الذي قال فيه "انه أخذ اللواء محمد نجيب من بيته في سيارته عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل حتى وصل به إلى محطة بنزين كوبري القبة وهناك وجدا سيارة مدرعة نقلتهما إلى المركز الرئيسي للقيادة وتطرق في حديثه إلى المكالمات التلفونية التي تلقاها هناك من نجيب الهلالي باشا رئيس وزراء مصر والرسائل الهاتفية والتفاوضية التي حملها له لنقلها إلى اللواء محمد نجيب وضباط الثورة، ثم يقول انه غادر مع اللواء نجيب المركز الرئيسي للقيادة لتفتيش القوات وتحية الشعب".
اللواء حماد فند تلك الرواية وقال "انها تبعث على السخرية لأنها لم تحدث من الأساس، وأكد أن من غادر مركز القيادة مع اللواء نجيب هو أحمد شوقي في المرة الأولى، والمقدم جمال عبدالناصر في المرة الثانية، وبدليل الصور التي تم التقاطها، حيث في كل مرة تكذب ادعاءات هيكل التي وردت في أحاديثه وكتاباته".
وربط اللواء حماد سيناريو الحديث التلفزيوني بالسيناريو الثاني عن نفس الأحداث التي تضمنه الفصل الأخير من كتاب هيكل "سقوط نظام" والذي حمل عنوان "ساعة سقوط الملكية" في الصفحات ( 547- 568) ليبين حماد الأكاذيب والتزييف والتأليف الذي مارسه هيكل.
السيناريو الثاني يدعو للسخرية
يقول هيكل عن السيناريو الثاني "في الساعة العاشرة والنصف من مساء الثلاثاء 23يوليو: كنت في بيتي انتظر اتصالاً تلفونياً من الصاغ سعد توفيق يبلغني رسالة من البكباشي جمال عبدالناصر، ولم أكن أعرف موضوع الرسالة المنتظرة وكانت الدقائق والثواني تمر ببطء ثقيل كأن وحدات الزمن طال عمرها، وعندما فتحت باب بيتي لأخرج سمعت رنين التليفون وعدت ملهوفاً أسمع صوت الصاغ سعد توفيق دون مقدمات ليسأني بما معناه، إذا كنت أعرف محطة البنزين وراء كوبري القبة؟ وإذا كان ذلك فعلي أن أكون هناك حوالي الساعة الثالثة قبل الفجر، ثم يضيف "لا تذهب عن طريق العباسية، جرب الطريق الخلفي من ناحية قصر القبة وسوف تجدني أو تجد خبراً مني هناك وانتهى الاتصال".
ويواصل هيكل في روايته المزعومة قائلاً: "كنت هناك أربع ساعات من الآن حتى الفجر، والغريب انني أثناء ذلك لم أفكر في الاتصال تليفونياً ببيت محمد نجيب، وإنما وجدت نفسي أقود سيارتي على الطريق وعندما توقفت أمام بيت اللواء محمد نجيب كان غارقاً في الظلام واقتربت أدق على الباب خفيفاً وانفتح ووجدت محمد نجيب جالساً وراء مكتبه والتليفون في يده ويشير إلي أن أدخل وأجلس وانتظره حتى يفرغ من حديثه، وكانت المفاجأة حين وجدته يقول ما معناه انه يحاول تكملة الصورة ومعرفة التفاصيل".
ثم يضيف على غير انتظار "وحتى عندي الأستاذ هيكل من أخبار اليوم ثم يمد ساعة التليفون ناحيتي يدعونني إلى الكلام هامساً.. هذا مرتضى باشا وزير الداخلية طلب أن يتكلم معك حين قلت له انك عندي".
وسألني مرتضى المراغي دون مقدمات - والكلام لهيكل - عما يجري عندكم، وقلت له "إن فريد زغلول اتصل بي قبل أكثر من ساعة وأبلغني بعض التفاصيل عما وصل إليهم من الاسكندرية عن خروج ضباط الجيش من ثكناتهم إلى الشارع"، وقال المراغي (كما سجلت في أوراقي)، هناك عيال مجانيين ضباط جيش تركوا ثكناتهم وخرجوا في حالة عصيان، وهذا الجنون يجب أن ينتهي قبل أن يطلع الصباح كما يرى مناسباً،وهو مخول بإبلاغهم انه لن تجري ملاحقة أحد منهم بعقاب، وسوف نعتبر الأمر طيش شباب دفعت إليه الحماسة الزائدة"!
يستكمل هيكل روايته الدرامية "وعندما فرغ اللواء محمد نجيب من حديثه التليفوني مع مرتضى المراغي كان توقعه أنه سوف يتلقى مع أية لحظة إشارة أو رسالة، أو دعوة من القائمين على حركة الجيش، ومشكلته الملحة انه لا يعرف أين يذهب ليؤدي ما هو معروض عليه من (قيادة الحركة) وما هو مطلوب منه (بتكليف القصر) ومرت قرابة ساعة واللواء نجيب يحاول الاتصال ببعض من يعرف من قادة الجيش ومنهم شقيقه علي نجيب قائد سلاح المشاة".
وقبل أن يدخل حماد في تفنيد ما جاء بالسيناريو الثاني صحح المعلومة بأن علي نجيب كان قائداً لقسم القاهرة - المنطقة المركزية.
حكاية لا يصدقها العقل..
اللواء حماد تساءل في تعقيبه على كلام هيكل "هل يصدق أحد أن عبدالناصر في تلك الساعات الحرجة والمصيرية التي سبقت حركة الجيش مباشرة والتي كان يعاني خلالها بالطبع أشد حالات التوتر والقلق والانفصال يهتم بأن يبلغ رسالة إلى هيكل عن طريق مندوبه الصاغ سعد توفيق في الحادية عشرة مساءً وهو في بيته ليطلب منه الذهاب إلى محطة بنزين كوبري القبة الساعة الثالثة صباحاً ليجده هناك أو يجد خبراً منه"، ثم يستمر اللواء حماد في طرح تساؤلاته "ترى ما هو الغرض من هذه الرسالة في ذلك الوقت العصيب؟ وما هو الدور المطلوب أن يؤديه هيكل بالنسبة لحركة الجيش؟".
اللواء حماد يقول "هيكل لم يذكر ذلك لكنه يستخدم هذه الرسالة المزعومة لتحقيق هدف مهم من وجهة نظره، وهو أن يؤكد للقراء صحة ما زعمه من قبل في حديثه إلى التلفزيون القطري في شهر يونيو 1987، والذي قال فيه وقتئذ: وصلنا محطة البترول ووجدنا سيارة مدرعة، تركت سيارتي هناك وذهبت مع اللواء محمد نجيب في السيارة المدرعة التي أخذتنا إلى المركز الرئيسي للقيادة"، يتوقف اللواء حماد قائلاً "من الواضح أن هيكل يستهدف من هذا الادعاء التأكيد على أنه قد اشترك بنفسه في عمليات الثورة ما دام قد ركب المدرعة، وذهب مع قائد حركة الجيش إلى مركز قيادة الحركة"، وتهكم حماد ساخراً على ذلك بالقول "لابد أن تكون له مهمة كبيرة هناك وهي الاشتراك مع اللواء محمد نجيب في إدارة تحركات وعمليات الوحدات"!!
شهادة نجيب تفضح هيكل
وعاد اللواء حماد إلى كتاب اللواء محمد نجيب "كلمتي للتاريخ" الصادر عام 1981، لكي ينسف رواية هيكل من الأساس، ويقول "ورد في الصفحتين 42و 43ما يلي بالنص "ولم تمض دقائق حتى علا رنين التليفون واستبدت بي الإثارة فقد راودني وخامرني يقين بأن اللحظة الحاسمة التي كنت أترقبها قد حانت، وأمسكت التلفون بلهفة شديدة وسرعان ما دب الاطمئنان إلى قلبي فقد طرق سمعي صوت الصاغ جمال حماد وهو يهنئني بنجاح المرحلة الأولى للخطة واتمام احتلال القيادة العامة للقوات المسلحة، وأبلغني حماد وقتئذ أنه سيرسل لي ثلاث عربات مدرعة لإحضاري من المنزل ولكن أخبرته بأنه لا داعي لذلك فإنني سأركب فوراً عربتي الأوبل الصغيرة التي يقودها سائقي الخاص".
ويعقب اللواء حماد قائلاً: "هكذا قال اللواء محمد نجيب في كتابه الذي لم يأت فيه ذكر من قريب أو بعيد إلى تلك الزيارة الغريبة في هذا التوقيت الغريب الذي ورد في رواية هيكل بما يؤكد أن ما ذكره كان من نسج خياله ومن نتاج أفكاره وليس فيه ذرة من الحقيقة".
ولم يكتف اللواء حماد بما جاء في كتاب اللواء محمد نجيب كدليل نفي وحيد ضد أكاذيب هيكل، وإنما عاد لدليل نفي آخر قدمه المقدم جلال ندا في مقال بعنوان "مغالطات تاريخية في مقالات هيكل" المنشور في مجلة الدستور اللبنانية الصادرة في 18اكتوبر 1976، ويقول فيه "في صباح 23يوليو وحوالي الساعة الثالثة صباحاً دق جرس باب منزلي فلما فتحت الباب فاجأني هيكل قائلاً: الدبابات مالية البلد، البس بسرعة، فطلبت منه الدخول ولكنه صمم على البقاء في الخارج، وبعد دقيقة ونصف كنت أمامه واتجهنا إلى مبنى القيادة وقد أوقفتنا القوات ثلاث مرات، مرة عند ميدان سراي القبة، والثانية عند الكوبري أمام مستشفى الجيش، والثالثة عندما انحرفنا للدخول إلى قيادة القوات بكوبري القبة، وكنت أحمل بطاقتي كضابط متقاعد، فمررنا بسهولة ودخلنا مبنى القيادة وصعدنا إلى الطابق الأول، وهناك قابلت المرحوم يوسف صديق فتعانقنا وقال لي عبارة لم ولن أنساها وهي "أنا النهار ده امبراطور مصر".
إن ما جاء في كتاب اللواء محمد نجيب "كلمة للتاريخ" يتضح أنه اعتذر لجمال حماد عن السيارات المصفحة الثلاث التي كانت ستنقله لمركز القيادة بعد نجاح المرحلة الأولى من الثورة، وقال انه سيأتي بسيارته الخاصة التي يقودها سائقه، وهذا ما ينفي تماماً ما رواه هيكل في سيناريو حديثه التلفزيوني أو ما رواه في السيناريو الثاني بكتابه "سقوط نظام".
ومن شهادة جلال ندا رداً على مقالات هيكل، يتضح ان الزيارة التي اختلقها هيكل لبيت محمد نجيب وقصة اصطحابه في سيارته لمركز القيادة زيارة خيالية، وصفها اللواء حماد بأنها "قصة مسلية لكنها لا ترقى لتكون تاريخاً بدون وقائع تسجيل" ويعلل حماد بذلك، لأن هيكل لم يذهب لبيت محمد نجيب، أو رافق جلال ندا إلى مركز القيادة لأنه ضابط معروف لضباط الثورة".
بركة دعاء الوالدين
ويسخر اللواء حماد من رواية هيكل المزعومة والتي قال فيها "ان محمد نجيب القائد الذي عهد إليه بقيادة حركة الجيش والذي كان نجاحها متوقفاً على حضوره إلى مكتب رئيس الأركان ليتولى مهام القيادة"، وانه أي هيكل موجود في منزله لا يعرف أين يذهب؟! وماذا يفعل؟ وأخذ ينتظر إشارة أو رسالة أو دعوة للحضور دون جدوى، وأخيراً أدار رقم تليفون سكرتير رئيس الأركان فإذا هو بطريق الصدفة وحسن الطالع وبركة دعاء الوالدين يعثر على عبدالحكيم عامر على الخط، وهكذا تجيئه دعوة الجماعة ليتوجه إلى حيث كانوا مبنى رئاسة الأركان".
اللواء حماد الذي كان أحد رجالات ثورة يوليو اعتبر تلك القصة خيالية ومضحكة، وقال "انها لا تنطلي على طفل غرير، كما هي قصة الاتصالات التي جرت بين نجيب الهلالي باشا رئيس وزراء مصر وبين هيكل الذي أوصى أن الهلالي باشا اتخذه وسيطاً في الاتصالات بينه وبين اللواء نجيب وضباط الثورة".
وهكذا يستمر الكذب والدجل "الهيكلي" على وقائع التاريخ، ليس لهدف سوى انتزاع البطولات الوهمية المبنية على التزييف والتزوير والقفز على الحقائق.
العناوين منقولة من صحيفة الأخبار
غداً: عاطف عبيد رئيس وزراء مصر الأسبق يرد على مزاعم وأكاذيب هي
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له