تصادفت قراءتي لهذه الرواية - الإنترنتية كما يطيب للبعض أن يسميها - مع كتابتي لبحث جامعي عن رواية مانسفيلد بارك للإنجليزية جين أوستن - مؤلفة كبرياء وتحامل - وكم كان توقيت قراءتها مناسباً لي، فقد شعرت وكأنها النسخة السعودية عنها ولا أقصد هنا أن الكاتبة - فيكتوريا - تعمدت نقلها من الرواية الأصلية بل أجزم أن الرواية ذات أصالة حقيقية خاصة بها، ولكن التناسخ أتى في العقول وتعاملها مع الطبقية في كلا المجتمعين (الانجليزي والسعودي!).
هذه الرواية جعلتني أفهم ما عانته (فاني) بطلة مانسفيلد بارك حين حوصرت بين عالمين فلا هي أصبحت من المجتمع الارستقراطي (بإنتقالها لبيت زوج خالتها الثري) ولا هي بقيت من الطبقة العاملة (لفقر عائلتها).
هذه تماما كانت حال (ميثاء أو كما تكتبها ميثى) حين ترددت على قصر عمها الوزير في العليا بشكل يومي وعادت منه بسيارة اللكزس إلى النسيم حيث بيت أهلها المستأجر.
(في رحلة عكس التيار متجهة بها اللكزس إلى النسيم من العليا مسار غريب لسيارة فارهة اقرأ هذا بعيون رفاق الطريق من سيارات العمال المكتظة بالآسيويين حتى انتم بدأتم تفكون تشفير الرياض!).
ميثاء العالقة بين المتناقضات تشبه الرياض حتى في كلامها عنها، وهذا هو السبب الأول والأهم الذي جذبني لهذه الرواية، فليست البراعة الأدبية أو اللغة القوية هي التي تشدك لهذا العمل ولكنه ذلك الصدق الذي أفتقده كثيراً، صدق لمجرد الصدق ليس لمحاولة الإصلاح أو التشهير ولا حتى لمحاولة الفهم، هو فقط لمجرد الصدق! ميثاء التي تتكلم الإنجليزية بطلاقة في قصر عمها تتقن اللهجة البدوية في بيت النسيم، ميثاء التي تغطي بجلال الصلاة وجهها وجسدها كاملاً أمام أبناء عمها في السويدي (حيث بيتهم وحيث عاشت بعضاً من عمرها) تجلس مع أبناء عمها الآخر (الوزير) بالبيجاما وبرأس لا يغطيه إلا الشعر، كل هذا في مدينة واحدة!.
(أأتغطى بالسويدي وأكشف في العليا؟!!
أهو تأثير الجغرافيا على كون اسمه الرياض؟!).
بساطة الرواية العميقة عامل آخر لزيادة جاذبيتها، فرغم جزمك في بعض الفقرات أن ما تقرأه (عادي) لا يتميز بصفة معينة كلغة أو خيال خصب مثلاً، إلا أنك تعود لتعترف بخطئك أمام ملاحظات لا ينتبه إليها إلا عقل (غير عادي أبداً)، تتركك الرواية عند نقطة تعرف معها تماما أنه لا يمكنك الجزم بشيء بعد الآن!، فقوة المشاعر في بدايتها تجعلك متأكداً، من أن الكاتبة تكتب عن حياتها الحقيقية، ثم تعود عند منتصفها لتأخذ تأكيدك للجانب الآخر حين تجزم بأن الرواية محض خيال!، هذا تماماً ما جعلني أؤمن أن هذه الرواية لا تشبه إلا الرياض، حيث لا مكان لأكيد فيها!.
ميساء ابنة عم ميثاء الوزير هي مفتاحها للجنة أو - كما اتضح لها بوقت متأخر - للجحيم، فمرافقة ابنة عمها ذات الرجل المعاقة كانت بطاقة الدخول لهذا العالم المتناقض (مرافقتي لميساء مذ كنت بالرابعة كانت بطاقة دخولي لعالمهم المختلف والمثير) نعم كان عالما مختلفاً ومتخلفاً بطريقته الخاصة، فميثاء عوملت كإحدى الخدم أو المرافقين ليس إلا (ك فاني تماما في بيت خالتها)، رغم الدلال الذي نالته من كونها تعيش في ظل ميساء، إلا أن كل من وما كان حولها ظل يذكرها بأنها من أصل وضيع، رغم أنها ابنة عم لهم!، إلا أن الأصل يقاس بهذه الظروف بالحساب المصرفي فقط!، ميثاء التي أصر حتى اسمها على تذكيرها أنها لا تنتمي لعالمهم، والتي لم يكن نصيبها عادلاً فيه أيضاً: (ميثى اسم شعبي، أمهل القدر أبي عمرا ليزيد من نصيبي من الإرث الوحيد الذي تركه لي أنا وأخوتي (الاختيارات السيئة) ليموت بعد ولادتي بشهرين وأعيش عمري أداء واجب!.
أما ميساء فنجت من اسم الجدة بحيلة من عمي ترفع عنه الحرج والعتب من أمه بأن الكاتب المصري لشهادة الميلاد كتبه بلهجتهم وكان اسمها عصرياً راقياً مثل كل ما حولها.
الأسماء؟! (هل هي حقا مفاتيح القدر!).
وكم كان قدرها معقداً، فعدا عن لفظ عالمهم الغني لها، كانت توصم حتى في عالمها الفقير (بيت النسيم) بأن شبهها بهم أفسدها حتى دينياً! (وظفوك مع بنيتهم، اكسبوا فيك أجر أو إثم!)، وفي هذا الخليط تعلمت ميثاء أن تتعامل مع كل عالم حسب متطلباته، مرتبة الخطوط المتقاطعة في حياتها بحذر، ففي القصر تتصرف كما يتوقع منها أن تتصرف ولا تشتكي من التفتيش المستمر لها قبل خروجها أو التهديد اليومي عند خروجها بأن لا تنقل أخبار القصر للطرف الآخر من قارة الرياض، وكذلك تعلمت إرخاء الخيوط في بيتها النسيمي الصغير حتى لا تتشابك فتخنقها، هكذا أصبحت شخصيتها البرزخ بين بحرين عذب زلال وآخر مالح، رغم شفافية جسدها بينهما واختلاط المائان بدمها إلا أنها تعلمت كيف تخفي عوالق الملح بروحها وصدأ المنطق لديها.
ولكن هذا الوعي أتى مجرداً من أي وجهة نظر أو أحكام سابقة فهي تلقي بأحداثها أمام القارئ وتترك له حرية الاختيار.. حرية الرأي.. حرية القرار، هذه الرواية التي تتحدث عن ميثاء وعن كل ما يتقاطع معها، تجعلك تظن أنها تتحدث عن قصة حياة ميثاء فقط، وتفاجئك مرة أخرى حالما تصل لمرحلة تسليم بذلك، بأنها تتحدث في الحقيقة عن الرياض بكل الحبال التي تربط بها أهلها وبكل العشق الذي يسكنهم ويجبرهم على شد الحبل وإن ارتخى، وبكل الحيوات التي تنطوي عليها، بكل الآراء والأفكار والاعتقادات والأصوات التي تتصارع داخلها، بكل هذا تثبت الرياض أنها هي بطلة الرواية لا ميثاء، وأن ميثاء إحدى انعكاساتها في المرآة فقط.
أكملت الرواية في ساعات أربع متواصلة بلا حراك، رغم كلماتها التي تزيد على 45ألفاً ورغم كونها على ورق إلكتروني إلا أن شيئاً ما فيها شدني، أنا التي تتوقف أغلب قراءتي عند منتصف الرواية عادة أياً كانت وما شذ عن هذه القاعدة إلا روايات قليلة أكملتها في يومين أو ثلاث وما سلمت من التقطيع هي أيضاً، أنا بعد هذا كله أقرأ هذه الرواية منذ أول نقطة فيها وحتى آخر ثلاث نقط! بل وأعيد قراءة بعض المقاطع، هذا أكبر دليل لي على أن في هذه الرواية ما يستحق أن يقرأ، وما يستحق أن يكتب عنه، شيء ما خفي يسكن أسطرها، شيء ما صادق هنا!.
(صدرت الرواية مؤخراً من دار الفارابي بعد أن انتشرت كنص إلكتروني، تحت ذات الاسم المستعار فكتوريا الحكيم).
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له