أنا البحر.. يا معالي الوزير
د. فدوى بنت سلامة أبو مريفة
طالعتنا معظم الصحف المحلية في يوم الأربعاء الماضي بخبر تصدر الصفحة الأولى في بعضها، بأن وزارة التربية والتعليم تعتزم تدريس مادتي الرياضيات والفيزياء باللغة الإنجليزية أو الفرنسية وذلك في المرحلة المتوسطة والثانوية حسب ما صرح به معالي وزير التربية والتعليم د. عبدالله العبيد خلال رعايته حفل تكريم الفائزين من الطلاب والطالبات في المسابقة السنوية للرياضيات والفيزياء وذلك بسبب (كما ذكر معاليه) ان هاتين اللغتين هما الأقرب لهذا العلم. وذكر ان الوزارة تعمل حالياً على تطبيق برنامج (آي. بي) لكي تسمو بالتعليم في المملكة.
في البداية أعطي لمحة سريعة للقارئ العزيز عن برنامج (آي. بي) وهوا ختصار الكلمتين (Intcrnalional Baccalaurcatc) وتعني باللغة العربية البكالوريا الدولية وهو برنامج دولي أنشئ عام 1986م للتسهيل على الطلاب المتنقلين من بلد إلى آخر أثناء مراحل التعليم ما قبل الجامعة ويقدم برامج عالية المستوى والدراسة فيه تكون باللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الأسبانية. ويوجد في المملكة مدرستان عالميتان تقدمان هذا البرنامج أحدهما المدرسة الدولية البريطانية في جدة وقد تم التصريح لها بتطبيق برنامج البكالوريا الدولية في مارس عام 1999م والأخرى في الرياض وهي المدرسة الدولية الأمريكية وقد حصلت على التصريح بتطبيق هذا البرنامج في مارس 2000م، وكلا المدرستين أهلية ولغة التدريس فيهما هي اللغة الإنجليزية.
وقد أتحفنا سعادة مدير عام الإعلام التربوي والعلاقات العامة بالوزارة د. عبدالعزيز الجارالله بثلاث مقالات متتالية في صحيفة "الرياض" حول البكالوريا الدولية واقترح تطبيقه بصورة مبدئية في بعض المدارس الأهلية. وان كنت لا أوافقه الرأي إلاّ أنني استمتعت بطرحه للموضوع من زاوية معينة واقدر حماسه لتطبيق هذا البرنامج. ومن خلال هذا المقال أطرح رأيي الذي هو حصيلة خبرتي في الميادين التي عملت بها، كأكاديمية قمت بالتدريس في الكلية وألفت كتباً في الرياضيات البحتة باللغة العربية للمستوى الجامعي وقمت أيضاً بالإشراف على طالبات التربية الميدانية في المدارس. وأرجو ان لا يعتقد ان رأيي هو رمح ضد ما طرحه في مقالاته وإنما رغبت ان نستشرف ما سيؤول إليه التعليم لو تجردنا من لغتنا الرصينة داخل الصروح العلمية.
ومع شكري وتقديري لمعالي الوزير لجهوده من أجل النهوض بالعملية التربوية والتعليمية والبلوغ بها للمستوى المأمول لأن نهضة الأمم وتقدمها مرتبط بمستوى التعليم الذي يتلقاه الأفراد وخير مثال على ذلك، دولة اليابان حيث استعانت بالتعليم والتربية للخروج من ذل الهزيمة في الحرب العالمية الثانية. ولكنني أتعجب كل العجب ان يأتي هذا التصريح من معاليه بعد انقضاء عامين على صدور قرار بتشكيل لجنتين علميتين متخصصتين لمادتي الرياضيات والعلوم الطبيعية من عدد من الأكاديميين المتخصصين في الجامعات السعودية والوزارة وقد حدد القرار مهام اللجنتين في المراجعة العلمية للمنتج علمياً وتربوياً للتأكد من سلامة المواءمة ودقة الترجمة للمصطلحات والمفاهيم العلمية وقد كان الاختيار قد وقع على سلسلة هاركوت الأمريكية، بمعنى ان توجه الوزارة قبل عامين كان هو اختيار سلسلة عالمية والعكوف على ترجمتها. فهل اقتراح معاليه حالياً هو البديل عن ترجمة السلاسل الأجنبية؟ وهل هذا الاقتراح تمت دراسته من قبل لجان متخصصة؟ وهل معلموا المرحلة المتوسطة والثانوية في مدارسنا بالكفاءة التي تجعلهم قادرين على تطبيق هذا البرنامج بنجاح لتتحقق الفائدة المرجوة منه (حتى وان كانت مدرسة أهلية) وهل عملت الوزارة استفتاء حول تطبيق برنامج البكالوريا الدولية لأخذ رأي المختصين؟ وأتعجب ان يأتي تصريح معاليه في الوقت الذي يكرم فيه أبناءنا المبدعين، هذا الجيل الذي تتلمذ ودرس جميع علومه بما فيها الرياضيات والفيزياء باللغة العربية؟ وهل فعلاً ان فشل أبنائنا وعدم لحاقهم بالركب هو بسبب عدم دراستهم للعلوم باللغة الإنجليزية؟ وماذا عن إبداعات الأطباء والمهندسين والمفكرين وأساتذة الجامعات السعوديين المتميزين الذي ابهروا العالم بإنجازاتهم إنهم لم يدرسوا العلوم باللغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية فاللغة ليست حائلاً أو قاتلاً للإبداع بل على العكس يأتي الإبداع من اتقان اللغة المقدم بها العمل. ولعلي هنا أذكر ان الكثير من المجلات العلمية العالمية تتمسك بكتابة الأبحاث بلغة الدولة كلغة أساسية للمجلة مع تخصيص ملخص للبحث باللغة العالمية (الإنجليزية). أيضاً ان اللغة والفكر كلاهما يصنع الآخر فإذا كانت الأمة متقدمة في العلوم والتكنولوجيا فإن لغتها ستتقدم لأنها أداة للتواصل وهي التي تحمل الفكر، فها هي اليابان أصبحت لغتها متقدمة بفضل تقدم صناعاتها وسيطرتها على أسواق العالم وأصبحت في مصاف الدول المتقدمة علمياً وتكنولوجياً. وأود ان أشير إلى ان هناك توجهاً رائعاً لأكاديميين مخلصين غيورين على اللغة العربية لإثراء مكتبتنا العربية بالكتب العلمية لمرحلة التعليم الجامعي وموجة عارمة لترجمة الكتب العلمية الأجنبية إلى لغتنا العربية. بل ان اللائحة الموحدة للجامعات السعودية اشترطت لكتابة الرسائل الجامعية بلغة غير العربية موافقة مجلس القسم ومجلس الكلية لأن ذلك يعتبر استثناء والأصل هو تقديمها باللغة العربية. وان كنا نحن في التعليم العالي مازلنا نحرص على احترام لغتنا، لغة القرآن ولسان الشعر والإبداع الفني فكيف نفتح الباب للتخلي عنها في مراحل التعليم العام. فلغتنا لن تعجز ان تفهمنا ما أراده الفيزيائيون والرياضيون توضيحه لنا ويزيدها شرفاً أنها لغة القرآن، وعلينا ان نحتذي بما حدث في ماليزيا والصين واليابان التي ترجمت جميع العلوم إلى لغتها ولا يخفى على الجميع ما وصلت إليه هذه الدولة من تقدم سواء في التعليم أو الصناعة والتكنولوجيا.
فقبل ان نلتفت إلى تحديد اللغة التي نرغب ان ندرّس بها أبناءنا للارتقاء بمستوى التعليم يجب ان نلتفت إلى طريقة التدريس المتبعة في مدارسنا، فمنذ الأزل والتدريس عبارة عن عملية تلقين تقتل إبداعات شبابنا وقد يطال التعليم الجامعي جزءاً من هذا الأسلوب. وبدلاً من النظر إلى اللغة الإنجليزية كمنقذ لنا من الوضع التعليمي الراهن للزج بها في تدريس العلوم بحجة الخوف على أبنائنا من الاخفاق في المرحلة الجامعية بسبب عدم اتقانهم لها، أرى ان يعاد النظر في طريقة تدريس مقرر اللغة الإنجليزية بطريقة سليمة لكي يستفيد منه الطالب في تكوين حصيلة لغوية إلى جانب اتقانه التحدث بها بطلاقة وتكون معيناً له أثناء الدراسة الجامعية. وقبل ان نخشى من ان لا يفرق طالب الثانوية بين حرف P وحرف B، علينا ان نضع أيدينا على رؤوسنا عندما يختلط عليه الأمر هل كلمة (الضالين) بالضاد أو بالظاء. وحرصاً على عدم انقراض اللغة العربية يجب التشجيع على استخدامها بشكل واسع وعدم الاغراق في العامية وفرض اللغة العربية كلغة رسمية في المؤتمرات والندوات والتوسع في تعريف المعارف العلمية والتقنية لتقديمها لأبنائنا في هذه المرحلة وتشجيع الاختراعات والاكتشافات لأن اللغة لن تتقدم إلاّ بتقدم الفكر.
ولا ننسى بأن أول قرار من قرارات القمة العربية المنعقدة مؤخراً في رحاب بلدنا، بلد العروبة ومهبط الديانات هو "العمل الجاد لتحصين الهوية العربية، ودعم مقوماتها ومرتكزاتها، وترسيخ الانتماء إليها في قلوب الأطفال والناشئة والشباب وعقولهم، باعتبار ان العروبة ليست مفهوماً عرقياً عنصرياً، بل هي هوية ثقافية موحدة، تلعب اللغة العربية دور المعبر عنها والحافظ لتراثها، يثريه التنوع والتعدد والانفتاح والتقنية المتسارعة، دون الذوبان أو التفتت وفقدان التمايز".. وأذكر هنا نتائج دراسة قام بها الأخ ناصر الصالح حو التعليم والهوية حيث استنتج من تلك الدراسة ان التعليم مرتبط بترسيخ الولاء واستشهد بمثال كيف ان الأب الأمريكي شعر بولاء أبنائه للسعودية حيث تعملوا في مدارسها الأجنبية في المنطقة الشرقية وكان ذلك سبباً في الدفاع عنها في الجامعة بعد أحداث 11سبتمبر.
يجب على الوزارة ان تجري سريعاً وكثيراً هذا العام حتى تتعب لاستثمار ميزانية الخير، ميزانية العطاء في زمن العطاء، الميزانية التاريخية في قطاع التعليم حيث تم تخصيص ما يقارب ربع الميزانية لهذا القطاع، بناء على توجيهات خادم الحرمين الشريفين حفظه الله بدعم قطاع التعليم دعماً سخياً استشعاراً منه بأهمية هذا القطاع في دفع مسيرة التنمية الوطنية في البلاد وفي اعداد أجيال واعية تسهم اسهاماً جليلاً في استمرار رفعة وطنها. ويأتي دعمه حفظه الله حافزاً لنا يدفعنا دائماً إلى تقديم الأفضل وبدلاً من هدر الميزانية في برنامج (آي. بي) أرى ان تدعم الوزارة وجميع جامعات المملكة. يجب على الوزارة ان تستثمر هذه الميزانية الضخمة سريعاً فلا يضيع العام بين هذا الاقتراح وذلك حتى لا يكون مال هذه الميزانية فائضاً يعاد للخزينة بانتهاء السنة المالية.
وختاماً أترك هذه الرسالة من اللغة العربية إلى معاليه لعله يرأف بحالها:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
وسعت كتاب الله لفظاً وغاية
وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء ومخترعات
@ أستاذ مشارك في الرياضيات البحتة
جامعة الرياض للبنات