أخطر ما تواجهه المجتمعات ومجتمعنا بالذات (الإرهاب والمخدرات).. وبقدر ما أنا متفائل في محاصرة الإرهاب والقضاء عليه رغم أدواته الشريرة.. إلا أنني لستُ كذلك فيما يتصل بالمخدرات والتي باتت مخاطرها تزداد يوما بعد آخر ونكاد نراها رأي العين رغم كل الجهود التي تُبذل على الصعيد الرسمي والاجتماعي.. ربما لأنها أصبحتء قضية دولية، وربما أيضا لأنها ذات صلة بأقذر تجارة على وجه الأرض وأفحشها وأسرعها أرباحا.. هذا وحده في ظل عبادة المال والسعي باتجاهه بأيّ ثمن.. يكفي لجعلها قضية القضايا.
بالأمس تلقيتُ رسالة من الأستاذ الدكتور: مفرج بن سعد الحقباني.. أمين عام اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات.. يحثني فيها مع زملائي في الإعلام على القيام بدورنا الوطني لتنمية الوعي العام بخطورة المخدرات، ومعاضدة اللجنة في مواجهة هذا الداء اللعين.. وقد لفتني سعادته إلى معلومة لم تكن حاضرة في ذهني، وهي أن جهود مكافحة المخدرات قد بدأتء بعد عامين فقط من توحيد الوطن على يد الملك المؤسس رحمه الله وتحديدا في العام 1353ه.. أي قبل (75) عاما!.
تصوروا.. منذ ذلك التاريخ والمكافحة قائمة.. في الوقت الذي لا تزال فيه مشكلة المخدرات تتفاقم وتزداد تعقيدا وتنوعا بتنوع أساليب التهريب وتطور أدواته.
ولأنني أؤمن برسالة الإعلام.. فقد رحتُ أفكر فيما يُمكن أن أفعله ككاتب زاوية أسبوعية.. بل فيما يُمكن أن يفعله كل الإعلاميين في قضية بمثل هذه الخطورة؟.. هل هناك شخص واحد حتى ممن يروّج هذه الآفة القاتلة.. لا يعرف حجم مخاطرها؟.. هل سيقرأ مقالي هذا تاجر كبتاجون ثم يُقرر التخلص مما بحوزته ليعود إلى رشده كمواطن صالح؟.. هل سنؤثر بعباراتنا الوعظية وحتى بأفلامنا ومسلسلاتنا التوعوية على متعاط ما عاد يستطيع الفكاك من شراك هذا الوباء؟.
لا شيء سيحدث من هذا.. لستُ متشائما لكنها الحقيقة المرّة.
في تقديري وبحسب المعلومات المفزعة التي تتناقلها الصحف يوميا.. والتي تُؤكد تنامي هذه المشكلة أمام كل ما بُذل حتى الآن من جهود هي لا شك محل تقدير الجميع.. أننا أمام اخطبوط عابر للقارات والحدود.. وقادر على اختراق سياجاتنا الرقابية.. مما يعني ضرورة البحث عن إستراتيجية جديدة لمواجهة هذه السموم القاتلة التي لم يقف حتى حجاب المرأة دون وصولها إليها.
لا زلنا نُسمّي أجهزة المواجهة ب (مكافحة) المخدرات.. وكأنها قضية تأتي في الترتيب من حيث الخطورة إلى جانب الأمية.. فنقول: مكافحة المخدرات، ومكافحة الأمية، ومكافحة الآفات والحشرات الضارة، ومكافحة الجراد، ومكافحة الغش التجاري، ومكافحة التستر.... إلخ.. في حين يعتقد الزعيم العظيم نيلسون مانديللا
أن: (الشعار مثل الرصاصة.. يعتمد تأثيرها على ملاءمتها لفوهة البندقية!).. لذلك نحن نحتاج إلى (محاربة) المخدرات.. وليس مكافحتها فقط لأنها في حقيقتها حرب وحرب شرسة أيضا.. لا بدّ أن يصل هذا المعنى إلى كل فئات المجتمع.. إلى جانب تعزيز قدرات النقاط الحدودية والمطارات والمنافذ وأدواتها الرقابية.. يجب أن تكون لدينا في برامجنا التعليمية حصة خاصة للتوعية في صلب المنهج التعليمي ابتداءً مما بعد المرحلة الابتدائية، وليست مجرد حصة نشاط زائدة.. كالزائدة الدودية لا أحد يعرف لها دورا.. لتتناول بالتناوب أسبوعيا كل قضايانا الاجتماعية المؤرقة: (الإرهاب، المخدرات، مآسي المرور) أي الجبهات الساخنة، ويقوم على أدائها ضباط ومتخصصون في هذه القضايا.
لا يكفي أن نُعوّل على برامج التوعية الموسمية في خطب الجمعة أو محاضرات المدارس والتي كثيرا ما تمرّ مرور الكرام.. وهي غالبا ما لا تصل إلى الشرائح المستهدفة.. هذه مجرد خواطر صغيرة حول هذه المشكلة.. قطعا هي ليستء كل ما أريد قوله.. لكني لن أنتهي قبل أن أفتش معكم عن دور ما للقطاع الخاص في محاربة هذه المعضلة.. ولو في مكافأة أولئك الجنود المجهولين الذين يحبطون بعض عمليات التهريب وقد يتعرضون للأذى من أجلنا؟.. نحن نكافئ لاعب كرة قدم لأنه سجل إصابة في مباراة حاسمة بمئات الآلاف في نصر مصنوع لا تتجاوز أبعاده نشوة اللحظة.. فكيف لا نفعل مع من ينتصر للوطن وشبابه؟.