د. شروق الفواز
لم يعد مستغرباً أن تقرأ في الصحف المختلفة عن قضية ما كان الطرف الأول فيها مواطنا أو مواطنة والطرف الآخر مؤسسة حكومية أو موظفا من منسوبيها، أهملت وضاعت أوراقها في دهاليز هذه المؤسسة وتلاشت ملامحها بعد أن تسربت الشخوص التي بها وتناقصت فلم يبق فيها إلا صاحب القضية وحيدا أمام نفوذ المؤسسة الطاغي وشللية موظفيها الذين يتعاطون فيما بينهم أولوياتهم، بتبادل المصالح في بنك الخدمات، فهذا يودع وذلك يسحب كل يستفيد منها الا صاحب القضية الذي يضيع حقه لأنه فرد وحيد أعزل أمام جماعة محصنة بثغرات النظام وبهيئة متمرسة من الاستشاريين قادرة على تمويه أي خرق أو تجاوز أو خطأ، فلا يبقى له سوى الاستسلام لأن الجماعة دائما تغلب الشجاعة .
أو اللجوء للصحافة أملا بأن يكون صوتها امتدادا لصوته في نشر قضيته ولفت النظر اليها لتسمع وتبحث ويعاقب المخطئ فيها .
وبعد أن ينشر الخبر تستفز الهمم وتبدأ التصاريح كل يلقي باللائمة على غيره وتحصر التهم في اسم او اسمين ويتلاشى الباقون ويذوبون كما تذوب حبات الملح في الماء لا تميزها الا أن طعمها المالح يظل باقيا ومركزا يذكرك بوجودها وسوء فعلها.
قضايا كثيرة متنوعة طرحت وتناولتها الصحف فيها اهمالٌ وتساهلٌ وخرقٌ لأخلاقيات المهنة واستغلال للمال العام والسلطة حصرت المعالجة فيها بالأطراف الرئيسة وترك الباقون الذين أغفلوا هذه التجاوزات أو سكتوا عنها تحقيقا لمصالح خاصة أو تهاونا وربما بحجة الانشغال دون محاسبة بل ربما تجد من يتجرأ بالمطالبة بشكرهم لتحركهم النبيل للملمة القضية قبل أن تتمدد أذرعها وتكشف أغطية أخرى مغلقة يخشى كشفها !
لو راجعنا هذه القضايا ودرسنا تداعياتها التي تتسع دائرتها مع تقادم الزمن عليها. لأدركنا أن المخطئ الحقيقي فيها هو الذي اهمل الشكوى أو القضية في بدايتها أو الذي لم يسع لتسهيل المنافذ للوصول إليه والتعاطي مع أي خلل يقع ضمن نطاق مسؤولياته، أو ذلك الذي سوّفها لأن مصلحة المواطن عنده مؤخرة لحساب مصالحه .
من المدهش حقا ان تسمع عن قضايا مهمة تمس كيان المؤسسة بمفهومها العام ومصداقية أدائها وأمانتها في تعاملها مع مواطنيها وموظفيها وقد أهملت أو سكت عنها على أمل أن يكون النسيان والاستسلام علاجا مثاليا لها. كان من المفترض بالمسؤولين الذين عايشوها أو حتى سمعوا بهمس الناس بها في أروقة مكاتبهم قبل أن تنتشر وتشاع خارجها أن يتخذوا مواقف حازمة معها تأكيدا لكفاءتهم وأمانتهم .
زمالة العمل أو المصالح الخاصة هي خارج نطاق المسؤولية المناطة بهم ويجب أن لا تخلط أوراقها مع أوراق الأطراف الأخرى .
في كل مرة ينشر خبر في صحيفة عن مريض أو مريضة امتهنت حقوقهما أو موظف أو موظفة أساء زميل لهما أو تحرش بهما أو مراجعة أو مراجع ضُيعت معاملتهما. جميعهم أهملت شكواهم وسوفت قضاياهم حتى بحت أصواتهم وجفت أقلامهم وحفيت أقدامهم، وبعد أن وجدت لها مكانا في صحيفة ما، هب الجميع مستنكرا ومنددا وكأن القضية فردية. فُتختار الأضحيات وتقفل الملفات ويظل السبب الرئيس باقيا حائرا في أجراس الأنظمة النائمة وضمائر من يتقنون ايقاظها عندما تقتضي مصالحهم تنبيهها .