تعتبر الولاية سلطة شرعية يتمكن بها الولي من إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها لمصلحة الصغير، إذ أنه ليس من العدل تركه يتصرف في أمواله كيف يشاء لنقص أهليته وعدم اكتمال رشده وقدرته على تمييز ما فيه مصلحته من غيره، فكان لا بد من ضوابط تحد من تصرفاته المالية من خلال فرض الولاية عليه حتى يقوم الولي بحفظ أمواله وصيانة حقوقه حمايته. وهي مشروعة لقوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً، وابتلوا اليتامى حتِى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم). والولاية نوعان ولاية على النفس: وتشمل التربية والحفظ والرعاية والإشراف على شؤون القاصر الشخصية كالتزويج والتعليم والتأديب والعلاج، والنوع الثاني ولاية التصرف في شؤون القاصر المالية جبراً عليه في حفظ المال واستثماره وإبرام العقود والتصرفات المالية ومراقبة المولى عليه في هذه التصرفات سواء بالاعتراض أو الإجازة أو الإذن له بالبيع والشراء وهذه الولاية قد تكون من القوة بحيث تخول للولي إجبار المولى عليه والاعتراض على سلوك فيه واختياره له، والحيلولة بينه وبين التصرفات الضارة.
وتثبت ولاية الصغير للأب جبراً عند توفر شروطها، ولا يحتاج الأب إلى اللجوء للمحكمة لفرض ولايته على ابنه، فإن لم يكن له أب تنتقل الولاية إلى وصي الأب إن كان قد أوصى بذلك، وإلا فتكون الولاية للحاكم، ويرى بعض الفقهاء أن للجد ولاية جبرية بعد الأب، وأن ولايته لا تحتاج إلى حاكم ليقيمها، وقد وجه مجلس القضاء الأعلى بأنه لا مانع من أن يثبت الحاكم هذه الولاية احتياطياً لحقوق القصر خروجاً من الخلاف، وتصرفات الولي في مال القاصر مقيدة بالمصلحة للمولى عليه.
ويشترط في الولي: البلوغ، والرشد، والعدالة، والحرية، ويحق لولي الصغير عموماً أن يتصرف في مال المولى عليه على الوجه الذي يرى أن فيه مصلحة بدون تعدٍ لقوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده)، أي لا تقربوا مال اليتيم إلا بما فيه صلاحه وتثميره حتى يبلغ أشده: يعني الحلم والرشد، فإن أتى بتصرف يضر بمصلحة القاصر فعليه ضمان ذلك الضرر، لأنه يكون حينئذ مقصراً، ومن التصرفات الجائزة للولي: الإنفاق على الصغير من ماله وإخراج الزكاة والتجارة بمال القاصر دون أن يتقاضى لقاء ذلك أجراً، ويكون الربح كله للمولي عليه، والتجارة بمال القاصر أولى من تركه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الصدقة)، مثل بناء أو شراء عقار من مال الصغير ليستغل مع بقاء الأصل له، وللولي الحق في الإذن للمميز بالتجارة لقوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتِى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم)، ويكون ذلك بتفويضه بأمر البيع والشراء ونحوه في ماله، فإذا قام القاصر المميز بتصرف في ماله مثل البيع والشراء بعد إذن وليه فتكون جميع تصرفاته صحيحة، أما إذا كان غير مأذون له بالتجارة فتكون جميع تصرفاته متوقفة على إجازة وليه فإن أجازها صحت والا كانت باطلة.
ونخلص إلى أنه إذا كان الولي يحصل على صك الولاية بمجرد تقديم استدعاء للمحكمة العامة يوضح فيه حاجة القاصر إلى ولي يقوم على شؤونه بعد وفاة الأب، وبعد تأكد القاضي من صلاحية الولي وانتفاء الموانع وسماع شهادة شاهدين معدلين بصحة ما ذكر وبصلاحية الولي على القاصر من حيث القوة والأمانة. وحيث أن الجهات المعنية بالإشراف والمتابعة لأموال القصر تحتاط بشكل عام لحفظ أموال القصر ومتابعة التقارير المالية، والنظر في ما يعتقد أن به مصلحة للقاصر من قبل القاضي الشرعي، إلا أن هناك حكما عدلا لا يحتاج المدعى عنده إلى بينة، والسر عنده كالعلانية، قد توعد الولي الذي يأكل مال اليتيم ظلما، فليحذر كل من ولى أموال اليتامى من سخط الله تعالى (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) وسمي المأكول نارا بما يؤول إليه، وعده النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات أي المهلكات بقوله: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات).
@ محامٍ
alrakad@alriyadh.com