لا أريد أن أكون تقليدياً في تناولي لقضية الهدر الكبير الذي يمارس على المرأة وتمارسه هي في بعض الأحيان على نفسها. لكنني سأضع الأرقام والإحصائيات مدخلاً مهماً لتناولنا جوانب الهدر في طاقة المرأة السعودية. فالإحصائيات المستمدة من تعداد السكان والمساكن والمسوحات الديمغرافية والإسقاطات السكانية تشير إلى ارتفاع كبير في حجم السكان في المملكة خلال العقود الثلاثة الماضية حيث بلغ عدد السكان 7ملايين نسمة في عام 1394ه ، ثم 16.9مليون نسمة في عام 1413ه، وفي عام 1425ه (وهو آخر تعداد سكاني) بلغ عدد السكان 22.6مليون نسمة. عدد السعوديين منهم (16.529.302) ستة عشر مليوناً وخمس مئة وتسعة وعشرون ألفاً وثلاث مئة واثنان.. يمثلون ( 72.9%) من العدد الإجمالي للسكان.
ويبلغ عدد الإناث (8.243.640) ثمانية ملايين ومئتين وثلاثة وأربعين ألفاً وست مئة وأربعين مواطنة أي ما نسبته ( 49.9%) من عدد المواطنين.
كما يبلغ عدد السعوديات في الفئة العمرية من 15إلى 29عاماً حوالي مليونين وخمس مئة الف وهو ما نسبته 30.4% من العدد الكلي للنساء.. (مصلحة الإحصاءات العامة 1425ه).
ولسوء الحظ فإننا في المجتمع السعودي نعاني هدراً واضحاً وكبيراً لطاقة الفتيات في سن العمل والإنتاج هذا الهدر يتمثل في مظاهر عديدة أهمها عدم وجود مشاركة فعالة للفتاة على الساحة الاجتماعية واقصد بذلك عدم وجود مشاهد انخراط في برامج علمية ثقافية اجتماعية رياضية من شأنها إعداد الفتاة للحياة عامة ورفع مستوى وعيها بما يحيط بها.
وفي هذا الصدد لابد من الاعتراف بأن المجتمع السعودي اتخذ حساسية مفرطة قبل عدة عقود تجاه المرأة.. فمنعها من التعليم بداية ومن ثم أقر التعليم إلى حد معين (الابتدائية أو معرفة القراءة والكتابة). وبعد ذلك حدثت طفرة كبيرة في دخول الفتيات الجامعات لكن ذلك اقتصر على الكليات المعنية بالتربية. والتي تقوم بتخريج المعلمات. تلا ذلك تقدم على استحياء للكليات الصحية. وهي التي شهدت مؤخراً تزاحماً للتسجيل بها. في مشهد يتضح من خلاله ذوبان جزئي لبعض الأعراف الاجتماعية في عصر الانفتاح والعولمة تلك الأعراف التي منعتنا في أكثر الظروف حساسية من انخراط مثالي للمرأة السعودية في أجواء العمل في كافة القطاعات من أبرزها القطاع الصحي. ولم تكتف (أقصد الأعراف الاجتماعية) بتوقف سير العجلة في هذا القطاع المهم بل رسمت خطوطاً عريضة للشك والريبة في المنتسبات لتلك المهن. وإذا ما استحضرنا الصورة النمطية لجدول فتياتنا اليومي فإننا سنجد جدولاً رتيباً يصل إلى حد الاختناق والسبب في ذلك يعود إلى أمرين رئيسيين الأول النظرة القاصرة تجاه الفتاة وعدم إعطائها الاهتمام الكافي من قبل الرجل في المنزل والثاني ندرة الأماكن المخصصة للفتيات والتي من الممكن أن تقضي بها وقتاً يساعد على استغلال طاقاتها الكامنة. وذلك يدعونا حتماً إلى إنشاء الأندية العلمية والثقافية والاجتماعية والرياضية المخصصة للفتيات بالضوابط الشرعية. كما أن التوسع في إنشاء المراكز الصيفية (على غرار مراكز الشباب) أمر تفرضه الحاجة، فالإجازة الصيفية لمعظم الفتيات أضحت بمثابة الكابوس الذي يطاردهن لا لسبب سوى وجود الفراغ القاتل والمدمر لتلك الطاقات الشابة.. ولعل غالب وسائل الإعلام الفضائي وجدت مكاناً مناسباً لها في جنبات غرف فتياتنا لتدخل عالمهن وتخاطبهن بما تشاء وبكل اللغات مستغلة بذلك الفجوة التي صنعها المجتمع بينه وبين الفتيات.
وهنا أقول إنه من الصعوبة أن نمارس نوعاً من التحجير والعزل للفتيات في هذه السن المبكرة وفي هذه المرحلة بالذات والتي لا يمكن لرب الأسرة فيها السيطرة الكاملة على ما يتشربه أولاده من ثقافات أو استطلاعات هنا وهناك.
ومن هنا لابد لنا أن نستشعر الأهمية الكبيرة لهذه الفئة التي يطالب البعض بوجوب مكوثها في المنزل دون عمل أو إنتاج ولا أعرف حقيقة مبرراً واضحاً لدعوة فتاة غير متزوجة أو مطلقة ولا تعيل أطفالاً أن تمكث في المنزل دون إعطائها حق العمل والإنتاج لدينها ووطنها بل إن مكوثها بتلك الطريقة (التقليدية والروتينية) هي دعوة غير مباشرة إلى قتلها وتحطيمها بتوابع وسلبيات الفراغ.
أيضاً أحد أخطر أنواع الهدر لطاقات النساء هو عدم انخراط الخريجات السعوديات في ميادين العمل بسبب محدودية مجالات التوظيف. وقد كشف تقرير صادر عن وزارة العمل، وجود خلل كبير في توظيف السعوديات، إذ لا تتجاوز مشاركة السيدات 5% من مجمل العاملين في البلاد، وهي أدنى نسبة مشاركة في العالم، حسب إحصاءات المنظمات الدولية. كما أن نسبة المشتغلات حصراً في الوظائف التعليمية (83.4%)، مما يعني أن وزارة التربية والتعليم هي أكبر مُشغّل للنساء في المملكة، تليها وزارة الصحة حيث بلغت نسبة النساء السعوديات العاملات في القطاع الصحي (5.4%). ومن المؤسف حقاً أن تبذل وتساهم الدولة في تعليم وتدريب الفتيات لسنوات طويلة وبأموال هائلة ومن ثم يوقف البعض طموح الفتاة (قسراً) بحمل الشهادة والجلوس في المنزل. إن التوسع في عمل المرأة أضحى أمراً ضرورياً تحتمه معدلات النمو السكاني في المملكة والتي تعتبر من أعلى المعدلات في العالم. هذا النمو يوجب معه توفير فرص العيش الرغيد عبر استحداث الوظائف لهن. ويجب أن نعلم أن للمرأة السعودية طاقة كبيرة لو استغلت في التدريب والعمل لكانت مشاركتها نموذجية في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. أما إذا بقي وضعها على ما هو عليه واستمرت عمليات استهداف وإجهاض أية مشروعات تهدف لانخراطها في الوظائف ومشاركة أخيها الرجل في تنمية البلد فإن تلك الطاقة ستستغل في الجانب السلبي ولا أحد منا يريد قطعاً أن ينتظر توابع ذلك الأمر.
.halanzi@alriyadh.com