• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1839 أيام

كيف يمكن إعادة تكوين الثقافة العربية؟

عبدالله القفاري

    الثقافة الانتهازية التي كثيرا ما أدانها البليهي هي ثمرة من ثمار الاستبداد، ولذلك إدانة المثقف وحدها لا تكفي. وإدانة الثقافة العربية بإطلاقها هي إدانة غير منصفة، وتشخيص واقعها من أجل إصلاح نفسها بنفسها هي أمنية حالمة.

إبراهيم البليهي مفكر ومثقف كبير، قادر على اكتشاف حقائق الواقع الثقافي والبحث في جذوره، إلا انه بمجرد ما يرمي تلك الحمولة الثقيلة في هجاء الواقع الثقافي العربي، وتحليل بعض أبعاده، ينطوي لينتهي دوره عند حدود الإدانة وتوزيع دم التخلف على قبائل الثقافة العربية، دون أن يقول كيف يمكن تجاوز واقع التخلف والتعطيل بعد أن برع في إدانته.

يتحدث إبراهيم البليهي في مقاله الأخير عن إعادة تكوين الثقافة العربية، وهو بارع كعادته في وصف تلك الثقافة حد الاثخان، لكنه يتراجع في لحظة حاسمة ليقول كلاما عاما حول كيف يمكن إعادة تكوين تلك الثقافة/ الأزمة.. إنها تتحول في نهاية المطاف إلى دعوة كريمة لا تتجاوز بضعة أسطر تدعو لثقافة عربية تقبل النقد وإعادة التكوين تقيم مجتمع الحرية والعدل والمساواة والمحبة وتبني الإنسان الحر المؤمن بوطنه وثقافة السلم والعلم والإبداع..!! أي أن أزمة الثقافة في الثقافة، فهي الداء وهي الدواء، وهي المطالبة بإصلاح نفسها بنفسها، حيث يتحقق مجتمع العدل والمساواة والحرية وحيث تنتشر ثقافة السلم والعلم والإبداع!!

لا أحمل سوى التقدير الكبير للأستاذ ابراهيم البليهي المثقف العصامي.. إلا أن تقديري للحقيقة التي أؤمن بها أكبر، وهي أن وصف الداء لا يمكن أن ينقذ مريضا، وهجاء الألم لا يمكن أن يزيله، وكشف الخلل أو المرض لا يكفي وحده لاستعادة العافية مع التمنيات الطيبة بالشفاء.

الأمر الآخر أنني أعتقد أن توزيع دم التخلف والتراجع والانكفاء والتدهور على ملامح ثقافة هو توزيع غير عادل، وربما كانت حيلة نفسية للخلوص من حرج المأزق من الإشارة المباشرة للضالعين في تكوين الثقافة القاتلة واستمرارية مشهدها وفي تغذيتها وفي تجذرها وحراستها أيضا.

إن قراءة البليهي التي لا ترى في الثقافة العربية سوى ملامح انحطاط هو أيضا هجاء قاس، وقد يكون فيه تجنٍ أحيانا خاصة عندما تكون المقارنات غير موضوعية ولا تأخذ بالاعتبار عوامل التشكيل والتأثير ولا ترى سوى أن الثقافة مدينة للثقافة وحدها في إنتاجها وقوتها واستمراريتها وفي ضعفها وتهافتها وانحطاطها.

يقول الأستاذ إبراهيم البليهي في مقالته الأخيرة حول إعادة تكوين الثقافة العربية: (إن الثقافة العربية تقوم على التعصب بشتى اتجاهاته ولا تأبه بالحقيقة وتستحكم فيها أحادية الرؤية ولا تشيع فيها الروح العلمية ولا تعرف الحياد الموضوعي وتهتم باللغة أكثر مما تعتني بالمعنى وتدعي الكمال وتحتقر ثقافات الآخرين ولا تحترم إنسانية الفرد بل تطمس فرديته وتذيبه في القطيع وتستهين بالأحياء وتبالغ في تعظيم الأموات وتعتمد الإخضاع ولا تعترف بمنطق الإقناع وتعطي الشكل أهمية أكثر من المضمون وتميل إلى الاخفاء وتكره العلن وتنفر من الشفافية وتبجل الارتجال في أخطر الأمور وتتأسس على المشافهة والبداهة وليس على الاستقصاء والتحقق وتتعامل مع العقل بوصفه جوهراً ناجزاً ومكتملاً وليس بوصفه استعداداً قابلاً لأدنى الصياغات وأعلاها ولا تربط بين الأقوال والأفعال وتتوهم وضوح الحقائق...الخ).

هذه هي الثقافة العربية بملامحها وسماتها وخصائصها التي ترد جازمة حاسمة قاطعة على لسان البليهي، وإذا اتفقنا مع الأستاذ على كل تلك الصفات الرديئة في ثقافة تحتاج إلى إعادة تكوين يبقى السؤال من يكوّن الثقافة ومن يؤثر فيها ومن يفعل فعله في التحرك إلى مناطق أكثر إيماناً بأن للثقافة وجهاً آخر، ولها ملامح بقاء ولها مشروعية حياة.

إذا كان ثمة خلاف مع الأستاذ البليهي فهو ليس حول ملامح ثقافة حتى لو جاءت عبر إجابة حاسمة وواثقة وقاطعة ونهائية كتلك. البليهي ابن هذه الثقافة أيضا ولذلك ربما وهو يدينها لم يترك فرصة حتى للاستدراك أو معاودة النظر إنه جواب نهائي قطعي جازم حاسم.. أليس هذا أيضا من باب توهم الحقائق الكاملة مهما بذل فيها استقصاء أو بحث أو نظر. لنسلم بكل تلك المعاني على طريقة أستاذنا البليهي لكن السؤال الذي أعتبره مهما في مشروع الأستاذ البليهي غير المكتمل، إنه يصف المشكلة على طريقته لكن في اللحظة الحاسمة من عمر الحقيقة تتوارى الإجابة. كيف يمكن لهذه الثقافة إصلاح نفسها إذن؟ ما هي الآليات والأدوات التي يمكن من خلالها إعادة تكوين الثقافة؟ لماذا لا نقول إن الثقافة العربية ليست نبتة شيطانية تشكلت وتوقفت منذ ذلك الحين وفق تفسير البليهي على نظرية الثقافة الصحراوية الشحيحة بمقومات الحياة التي تركت الصراع وحده سيد الموقف، هذا التفسير التاريخي للواقع الثقافي العربي، ألا يثير الالتباس حوله تساؤلاً آخر عن ثقافة جنوب الصحراء الافريقية التي لم تعاني جغرافيا من التصحر بل كانت جنات من أنهار وغابات لكنها ظلت رهينة التوقف والتخلف قياساً على الواقع اليوم.

يقول البليهي (إن الذي أبقى العرب خارج التاريخ في هذا العصر هو عجزهم المطبق عن مراجعة ثقافتهم وإصرارهم على التمسك بنقائصها وليس أدل على هذا العجز وهذا الإصرار من أن أكثر المثقفين العرب كانوا يمجدون صدام حسين أيام طغيانه ويملأونه غرورا وغطرسة ويشجعونه للعدوان على جيرانه ويغضون الطرف عن تدميره لشعبه ولما أطيح به انبرى الآلاف من المحامين ورجال القانون العرب للدفاع عنه وهذا شاهد صارخ على أننا نعيش خارج العصر وأن قيمنا مازالت قيمة عشائرية تستسيغ الجور على الآخر المختلف..).

هنا أتوقف لأقول إن البليهي بقدر ما يحسن قراءة الواقع الثقافي يهمل السياسي ولا يتعاطاه ولا ينظر سوى من زاوية واحدة مثل كثيرين، والاستشسهاد هنا استشهاد ناقص متوهم للكمال في التحليل، مثله مثل صفات الثقافة العربية التي هجاها البليهي. فأولا لا توجد خارطة أمينة ودقيقة وإحصائية يعتد بها حتى نقول إن أكثرية المثقفين العرب كانوا يمجدون صدام حسين، ولا أرى الاستدلال بهذا النموذج وحده دون سواه حتى اليوم سوى ارتهان لثقافة الخوف. إن اختلاط السياسي بالثقافي أو التعامل مع الجانب الثقافي الصرف دون أخذ السياسي بالاعتبار، خلق حالة من غبش الرؤية في عقل بعض المثقفين الذين يرون أن انهيار النظام السابق في العراق هو انتصار للإنسان وحده، ليستجيب كل المثقفين العرب لهذا التحول والا أصبحوا عشائريين حتى النخاع.. بينما النتائج الكارثية تحمل لنا اليوم ما يجعلنا نتردد ألف مرة قبل أن نعلن رأياً واثقاً بمآل هذا المشروع المأزق هذا من الناحية السياسية التي ينظر من خلالها كثير من المثقفين العرب. الأمر الآخر أن المحامين العرب ليس وحدهم من وقف للدفاع عن صدام فوزير العدل الأمريكي السابق رمزي كلارك كان ضمن هيئة الدفاع وهو ليس ابنا للثقافة العربية العاجزة عن إصلاح نفسها بنفسها، وجورج قلاوي السياسي القانوني الإنجلو سكسوني كان صوتا قويا في الدفاع عن النظام العراقي وادانة الغزو الأمريكي وغيرهم ممن لا تحضرني اسماؤهم الآن. إنهم آحاد نعم.. لكن الأمانة تقتضي فهم معادلة السياسة والثقافة على نحو لا يجعل الأحكام تبدو قاطعة ونهائية وحاسمة في استشهادات إدانة هي أقرب للاستهلاك الإعلامي اليوم.

سأعود للمسألة الأكثر أهمية، وهي مسألة إصلاح الثقافة العربية أو إعادة تكوينها. أعتقد ان على المثقف اليوم ألا يكتفي بهجاء الواقع الثقافي أو إدانته، عليه أيضا أن يقول كيف يمكن إصلاحه. سنظل ندور في دائرة مغلقة إذا آمنا فقط أن الثقافة تعيد انتاج نفسها، لكن من يقوى اليوم على تحريك ذلك الراكد المحروس المستهلك.

الثقافة ليست كيانا قائما بذاته حتى نقول عليها أن تصلح نفسها بنفسها، وهي تعيد تكوين ذاتها بذاتها. والعودة للثقافة العربية بالدراسة والنقد والتحليل عليها ألا تكتفي بتشخيص حالة أو تفسيرها، إنها يجب أن تضع الاصبع على الجرح الكبير الذي يفعل فعله في إعادة تكوين تلك الثقافة على نحو تصبح فيه مشروعا نهوض وتقدم، وهنا لا يمكن لهذه الثقافة أن تقيم مجتمع حرية وعدالة ومحبة ومساواة بالأماني الطيبة. يجب أن نملك الشجاعة على إدانة المحرضات الحقيقية ومراكز القوى المستفيدة من استدامة الواقع المعتم التحول الثقافي يحتاج الى رافعات يجب الإشارة إليها بوضوح وعدم الاكتفاء بحالة إدانة للواقع. والرافعة التي تفعل فعلها في إعادة التكوين ليس لها عنوان سوى السلطة بكل أنواعها، وهي التي تحمل مشروع تحول لا البقاء في ظل حراسة واقع ثقافي يعيد انتاج نفسه. وهي وحدها قادرة اليوم إذا ملكت مشروعا حقيقيا ومدروسا اللتحول الثقافي الإيجابي هي القادرة فعلا على صهر القوى الأخرى في المجتمعات في بوتقة مشروع قادر على تحريك هذا الراكد..

الثقافة الانتهازية التي كثيرا ما أدانها البليهي هي ثمرة من ثمار الاستبداد، ولذلك إدانة المثقف وحدها لا تكفي. وإدانة الثقافة العربية بإطلاقها هي إدانة غير منصفة، وتشخيص واقعها من أجل إصلاح نفسها بنفسها هي أمنية حالمة. أعتقد أنه لا تحول ولا إعادة تكوين بدون مشروع، له صفة الإلزام وله صفة الحضور المؤسسي والقوة القانونية وله صفة تحريك عجلة الخمول والراكد في كل المناحي التي تمس تلك الثقافة.. وإلا سنظل ندين ونهجو ونشكو دون أن نجرؤ عن قول سوى نصف الحقيقة، وهي أيضا من سمات الثقافة العربية التي هجاها طويلا الأستاذ البليهي.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


المقـــال

عبدالله القفاري

الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (295) ثم الرسالة