أحياناً تتجلى آيات الله وأنواره - جلّ في علاه - في بعض خلقه، فتحس بلحظات نورانية وتشعر بقرب لم تألفه، وتستشعر روحاً تعلو في تعبدها وتبتلها حتى كادت تلامس عنان السماء، طارحة خلفها بلا أسف متاعاً زائلاً وظلاً خادعاً، إلى خلود دائم ونعيم مقيم. رجل في الثمانين تشع أنوار وجهه ساطعة في وجوه محدثيه، يحمل الطيب ألقاً، ويسعد الموجودين تودداً، تنظر في صفحات وجهه فينعكس إيمانه على عينيك ويتصل بقلبك ليطهره ويضفي عليه راحة وسلاماً، ذلكم هو أحد أجداد غالية علي، زرته معزية في فقدان ابنه، فقام هو بالتعزية، فتمثل لي قوله تعالى (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لا يتكلم إلا خفيضاً ولا يغتاب عزيزاً أو ذليلاً، تسعد في مجلسه سعادة مؤمن وثق بمحبة الله أن اختاره ليراه وينعم بمجالسته، إنه من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، عاش مع ربه وشغل وقته به، فنسي عورات الناس وترفع، رتب الأولويات، وعاش راحة الثبات، ثبات القلب وصدق العمل، وإيماناً تجاوز سطحية الاهتمامات، لم تشغله الدنيا ولم تأخذه الماديات، فاكتفى منها بالكفاف وعاش ما يقية بالعفاف.
في هدوئه كان يردد جملة مؤمن صادق الإيمان (الله المستعان) مستعيناً بربه واثقاً في مد عونه لمواجهة مصيبته في موت ابنه على إثر مرض ألم به، لا تجد في حديثه توتراً ولا تلمح تسخطاً، ثابت الجنان، قوي الإيمان، تجاوزنا معه في مجلسه عصرنا وانتقلنا لعصر الرسول وأصحابه، فكان صورة مؤمن من عصر الصحابة يعيش في عصر الغرابة .
حللت في مجلسه مُقدّرة، يسأل عن الحال ويبدي الاهتمام، يحنو على الصغير والكبير، ويضفي على الجو عطر المحبة والعبير، أحب كل الناس وترفع عن عيوبهم، تلك هي حال مؤمن صدق إيمانه مع ربه فهداه لحسن التعامل مع خلقه، تتجلى البركات بوجوده على وجه الحياة، فما أجمل الإحساس ببركة هؤلاء بيننا.
تفكرت في الفرق بينه وبين من شغلته عيوب الناس والتلذذ بكشف عوراتهم من الذين تزايدوا في عصرنا الحاضر فرددت استغفر الله، استغفره عن ترفع هذا الصفاء عن ذلك التردي، فرجعت لنور الله وطرحت ما سواه.
عندما تكافئك أقدارك فترى من أولئك أحداِ فأنت من أصحاب الحظوظ، أما عندما تتجاوز الحظ فتعيش معه في بيت واحد فأنت لا شك مع الحظ من السعداء.
مجلسه مجلس قرآن وذكر يشملك فيه فضل التفكر والاستغفار والدعاء، والقراءة فيه مميزة من قلب صدق مع الله فصدقه وتقرب له فقربه، تستشعر روح الإيمان وتحس عبق القرآن في بيت جدرانه اشتمت العبير وشملها التنوير، في بيته بساطة تحس أنك انتقلت معها من تكالب الدنيا إلى رقي التسامي، فنصع الحق وتوهج وتعلى، حتى احسست أننا مع رجل لو أقسم على الله لأبره، تيقنت أنني في مجلس تحفه الملائكة بإدن الله، وتتجلى النفوس فيه وتستطاب، لامست علو الهمة عندما يتعلق القلب بالخالق فلا تصبح الدنيا تمثل أكبر من جناح بعوضة، هل أدركتم معنى حديثه صلى الله عليه وسلم؟، عشته في تلك اللحظات القليلة عندما خصني القدر بهذه النعمة الجليلة. لا شك أنك يا شيخ من حزب الله الذين بشّروا بفلاحهم: (ألا إن حزب الله هم المفلحون) ما أحوحنا عندما تأسرنا الحياة أن نزورك، ونتطيب بمسك مجالستك لتعلو نفوسنا، وتصفو مع خالقهم، فنرمي قيد الأسر إلى رحب الرب.
لا شك أغلبنا عاش لحظات إيمان وإن كانت عابرة لكنها رائعة، فصفت النفس وعلت الهمة وتنور القلب، فكيف بمن كانت هذه حاله صبحه ومساءه، أسأل الله له الثبات وحسن الخاتمة على ما حيت نفسه الجميلة عليه، ذلك هو الشيخ (مساعد العفتان) عندما زرته معزية في ابنه المتوفى خالد رحمه الله وأسكنه جناته وجمعه بعد عمر طويل بهذا الوالد العظيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
كلمة للتدبر: يا ترى هل لأولئك الذين اشتغلوا بعيوب الناس حتى أصبح همهم أن يتتبعوهم ليفضحوهم وكأنهم كلفوا بذلك أن يزوروا هذه النماذج الصادقة ليتعلموا منها حقيقة الإيمان وأنه ليس لها بتصرفاتهم نصيب من قريب أو بعيد، فقد قال تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة).. ليتهم يدركون!.
1
كلام جميل ومقال اكثر من رائع
سليمان الدحيم - زائر
10:40 صباحاً 2007/05/14
2
رحم الله الفقيد،
وحقيقة أعجبتني جملة " شك أغلبنا عاش لحظات إيمان وإن كانت عابرة لكنها رائعة، فصفت النفس وعلت الهمة وتنور القلب، فكيف بمن كانت هذه حاله صبحه ومساءه"
أتمنى أن يديم على الشيخ هذه النعمة، وأن يرزقنا هذه اللحظات ويجعلها دائمة..
عمر الدعجاني - زائر
03:10 مساءً 2007/05/14
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة