فلان مليونير.. صفة براقة تكاد تكون تهمة في الماضي، لأن من يتصف بها يخاف أن يصبح عرضة للحسد.. الآن تواضعت هذه الصفة وإن كان يعجز كثيرون عن امتلاكها لكن.. ملياردير.. باتت الحلم الأعلى إن لم تكن عند من يملك إمكانيات الوصول إليها فعلى الأقل هي الفضاء الرحب عند أصحاب أحلام اليقظة..
إن ما نسمعه ويوثق عبر قوائم الصرف على مشاريع جديدة في كل جولات المصلح الأكبر.. عبدالله بن عبدالعزيز ليس طيراناً في خيال أحلام اليقظة ولكن توثيق توجهات أرقام الصرف يؤكد ميلاد مشاريع تنموية وهناك إلحاح رائع على تطوير ثلاثة مقاصد حضارية هي التصنيع البتروكيماوي والتعليم والصحة.. مليار لم يعد رقماً كافياً لاستيعاب توجه الطموحات، لكن تزامل المليارات التي بلغت أكثر من أربعة وعشرين ملياراً في مشاريع عرعر والجوف وتبوك إنما يشير إلى ظاهرة "البذخ" الإيجابي المطلوب الذي اتجه إلى الأرض والإنسان كي يرسِّخ وجود دولة يتحتم موضوعياً ومادياً وعملياً أنها الأوفر حظوظاً لأنها الأوفر إمكانات والأوفر توحداً اجتماعياً، وبالتالي تكون الأجدر في الخروج من إعاقات منطقة الشرق الأوسط اقتصادياً أو اجتماعياً بما في ذلك إيران التي تخسر ولا تكسب من اختلال توازن صرفها بين ما هو لمصلحة المجتمع وبين ما هو في مناورات الشغب السياسي..
يهمني أن أتوقف أمام مشروعين متزامنين ومختلفين هدفاً ونتيجة ولكن فيهما تتضح رؤية الشمول في استيعاب مهمة نجاح كل الغايات.. فعرعر التي غنت مع الصبايا ترحيباً بأبوة القادم أمطاراً وربيعاً في مثل قول الشاعر:
أرض تطاها يجي به نور
ينبت ثمر ورد صمعاها
وهذا الصحيح.. لم نعد نأبه بما يردد عن جفاف التصحر لأننا أصبحنا نسمع ونلمس عملياً عن هطول مليارات الدعم الصناعي والاجتماعي كي يورق عصراً حضارياً باذخ الإزهار..
أتوقف أمام تبرع الملك عبدالله بإنشاء مركز خاص للأيتام في عرعر، لألحقه بالأربعة والعشرين ملياراً مجمل المرصود لمشاريع الربيع العلمي والحضاري.. هذا التلازم بين العقل والعاطفة يجب أن نعرف عن ندرته في الدول الكبرى لأنك في قلب نيويورك ستجد فقيراً يبحث عن بقايا طعام مهمل.. وفي شوارع لندن شاهدت شخصياً من يستفيد ليلاً من تجويف مداخل المتاجر فينام فيها هروباً من الصقيع..أما في الدول النامية فحدث ولا حرج عن مستويات الفاقة..
في منهجية الحكم التي يقودها عبدالله بن عبدالعزيز ليس هناك شيء لإطراب أحلام اليقظة ولكن هناك أشياء عملية وواقعية ليست لغرض التفاؤل على سنوات الحاضر ولكنه تبشير عملي بما ستتحول إليه المملكة من كينونة دولة هامة اقتصادياً وعلمياً واجتماعياً..