الرئيسية > مقالات اليوم

تجديد التراث من الداخل


يوسف أبا الخيل

التراث الإنساني - والتراث الإسلامي جزءٌ منه - لا يقبل في الغالب فكرة تجديده إلا إذا بُعثت أفكار التجديد من داخله، أي إذا استطاع من ينادون بفكرة التجديد إبرازَ محاولات مشابهة قام بها مجددون من داخل التراث نفسه.

هذا لا يعني بطبيعة الحال استحالة تجديد التراث من خارجه، إنما المقصود هنا تبيان صعوبة تبيئة أفكار تجديدية غريبة على التراث، بالقدر الذي سيسهل فيه الأمر لو جاءت الأفكار من داخله.

في تراثنا الإسلامي العريق لا نعدم محاولات تجديدية مشرقة قام بها رواد تقدميون على امتداد التاريخ الإسلامي، إلا أن سيطرة نسخة للتراث ضيقة الأفق، ضئيلة المعنى، شحيحة الأنسنة، من بين نسخ تقدمية أخرى عديدة، أهال على تلك المحاولات التجديدية تراب الإهمال وحشرها في زوايا النسيان حيناً من الدهر.

تأتي "ظاهرية" ابن حزم على رأس محاولات التجديد التي شهدها تراثنا الإسلامي من داخله، والتي مثلت محاولة جريئة ل "عقلنة" التراث الإسلامي في وقت مبكر، بارتكازها على ثلاثة محاور عقلانية رئيسية كانت على النحو التالي:

أولاً: رفءضُ التقليد، حتى ولو كان المقلَّدون أئمة المذاهب أنفسهم، ولذا فقد دعا ابن حزم آحادَ المسلمين إلى إفراغ وسعه في الاجتهاد ثم اتباع ما قاده إليه تفكيره.

ثانيا: الاكتفاء بالتشريعية التي وردت بها النصوص قطعية الدلالة صريحة التشريع.

ثالثا: ترك ما عدا ذلك من المسائل مما لم ترد به نصوص صريحة للعقل وحده ليستنبط لها ما يناسبها من أحكام وفقاً للتطور الاجتماعي المعاش.

من هذا المنطلق، فقد أعاد ابن حزم صياغة آلية استنباط الأدلة من مصادر التشريع الأربعة، وذلك بقصر الأحكام على تلك التي وردت بها أدلة صريحة الدلالة من القرآن الكريم، أو أدلة قطعية الثبوت وصريحة الدلالة من السنة، أما الإجماع عنده فهو مقصور على ما صدر عن النص فقط، في المقابل فإن الإجماع الذي يأخذ به معظم الأصوليين والذي يشترط "اجتماع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه لكن برأي منهم أو بقياس على منصوص" بالإضافة إلى استحالة تحققه فهو باطل، ويؤكد ابن حزم إضافة إلى ذلك، أن مثل هذا الإجماع، حتى على فرض تحققه لا يخلو من أربعة أوجه "إما أن يُجمع على تحريم شيء مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحرمه، أو على تحليل شيء مات رسول الله ولم يحلله، أو على إيجاب فرض مات رسول الله ولم يوجبه، أو على إسقاط فرض مات رسول الله وقد أوجبه" وكل هذه الوجوه برأيه كفرٌ مجرد، وإحداث دين بدل دين الإسلام.

بعد ذلك يوضح ابن حزم معنى الإجماع الشرعي الممكن التحقق فيؤكد على أن "أحكام الدين كلها لا تخلو من أحد وجهين : إما وحيٌ ثبت في المصحف وهو القرآن، وإما وحيٌ غير مثبت في المصحف وهو بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ينقسم هذا البيان إلى ثلاثة أقسام، أولها: شيء نقلته الأمة كلها عصراً بعد عصر، كالصلوات والصيام والحج (الإجماع العملي) وهذا هو الإجماع الذي ليس من قسمه شيء لم يُجمع عليه، ثانيها: شيءٌ نُقل نقلاً متواتراً بنقل الكافة عن الكافة، كمعظم السنن، وقد يُجمع على بعض ذلك وقد يُختلف فيه كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً بجميع الحاضرين، ثالثها: أمر نقله الثقات عن الثقات إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمنه ما أُجمع عليه ومنه ما اختُلِف فيه، وهذه الأقسام تمثل معنى الإجماع الذي لا إجماع في الدين غيره".

أما القياس المعروف عند الأصوليين فهو باطل عند ابن حزم لأنه حسب رأيه "قياس أشياء على أشياءَ تختلف فيما بينها بالنوع" ومثَّل له بعدة أمثلة منها مثلا أنه "إذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم بيع البر بالبر متفاضلاً لزم ذلك في كل بر ولم يجب فيما ليس ببر إلا بنص آخر" وتطبيقاً لنظرية ابن حزم التقدمية هذه فإن قياس الأوراق النقدية في عصرنا الحاضر على الذهب والفضة في تحريم التبايع بها تفاضلاً وتفرقاً إنما هو بمثابة قياسٍ أشياءَ مختلفة "الأوراق النقدية" على أشياءَ أخرى "الذهب والفضة" مختلفة عنها بالنوع، مما يفتح الباب واسعاً أمام إعادة النظر في أمر تحريم كثير من المعاملات البنكية التي غدت عصب الاقتصاديات المعاصرة.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    طيب ايش المطلوب؟!!

    ماجد - زائر

    01:37 مساءً 2007/05/08


  • 2
    الأمر واضح كيف ماتعرفه المطلوب انك تمشي بالمقلوب ولا تصير محبوب والا مثل أهل الخبوب المهم تمشي بالمقلوب ولو كثرت فيك العيوب وفق الله الجميع

    أحمد التويجري - زائر

    08:18 صباحاً 2007/05/13



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة