الرئيسية > محليات

منازلنا تحولت إلى فنادق

المبالغة في مفهوم الاستقلالية.. هل أدت إلى الانعزال بين أفراد العائلة



تحقيق - هيفاء الهلالي:

التكافل الاجتماعي ينطلق من الأسرة تلك الدعامة الأولى في هيكلة المجتمع وكلما كان هناك ترابط أسري انتجت ثماره البناءة وكانت انعكاساته على المجتمع والوطن، وان ما نراه من بعض السلوكيات الخاطئة والانحرافات لدى البعض سببها فشل الأسرة في حماية السياج كما ينبغي ان يكون وفق الشرع الإسلامي، وان الترابط الأسري لا يعني التواجد في مكان واحد أو التجمع حول مائدة الطعام بل هو أيضاً ترابط نفسي ومشاعر إنسانية قوية ولكن اختلفت عند البعض حميمية الأسرة لتصبح شعار التواجد في المكان دون ان تكون هناك نقاط التقاء حقيقية فتتحول المنازل لمجرد فنادق تضم أفراداً لا يربطهم ببعض سوى الاسم!! فما هي أسباب تحول الحياة العائلية إلى الانقسام والتفكك لتصبح نظام غرف في المنزل الواحد!!

نظام الأجنحة

من وجه نظري أنه كلما ضاقت مساحة المكان وصغرت كلما كانت أكثر في التقارب النفسي فالمساحات الشاسعة لا تعطي الدفء والود بقدر المساحة الصغيرة وتواصل نجوى الشريف "ولا يعني ان يشترط للتقارب المكان بل تدخل المفاهيم الأساسية والتربية للأسرة دور كبير في الحفاظ على هذا التقارب النفسي ولعل نظام الأجنحة في تخطيط المنزل ساهم في التباعد، وربما يستند البعض على مبدأ التفريق بين الأبناء في النوم وهذا في رأيي يخص التفريق بين البنات والأولاد في المضاجع كما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم على اعتبار ان هناك خصوصية للفتاة ولكن ما حدث هو التفريق حتى بين البنات فنجد كل فرد وقد احتل جناحاً خاصاً أو غرفة خاصة وكأن تلك الغرف شكلت حاجزاً نفسياً بين الجميع فلم يعد اجتماع أفراد الأسرة بضرورة ملحة فلا أحد يعرف معاناة الآخر متى يضحك!! ولماذا يبكي؟ بل وصلت عند البعض إلى وجود مجالس خاصة بالبنات وضيفاتهن وغيرها للأولاد وأصدقائهم، فالتخطيط الحديث ليس هو السبب الرئيسي بل أعتقد انه ساهم على التباعد بين أعضاء الأسرة، فالبنت تحتجز نفسها في غرفتها لفترة طويلة متحججة بالدراسة أو النوم والولد نفس الوضع يدخل ويخرج من غرفته للخارج دون ان يدري عنه أحد أو يسأله متى عاد!! وأين كان؟ بينما نجد ان البيوت الصغيرة تجبر الأفراد على الالتقاء وتوثيق العلاقة بين الاخوة ويشعرون ببعض إلى حد كبير.

اختلاف المفاهيم الغذائية

المعدة بيت الداء والرسول صلى الله عليه وسلم أشار لأمور عدة وراء هذا المعنى التربوي هذا ما تؤكده ميساء الهذلي فتقول "فنحن نرمز لتجمع أفراد الأسرة حول مائدة الطعام رمزاً أساسياً للترابط ولكن نظراً لاختلاف المفاهيم الغذائية من حيث رغبات الطعام وطلبات المطاعم التي لا تنتهي اختلفت بعض الأمور ولعل الدعاية ساهمت كثيراً في تعميقها واختلاف الأجيال بين تقليدي يشجع طبخ البيت وبين جيل يركض وراء الهامبورجر وهنا أصبح الالتفاف حول الوجبات الثلاث تقريباً نادراً كما ان بعض الخادمات يربين مفهوم التغذية الخاطئة في نفوس الأبناء منذ الصغر كحشو معدتهن بالساندويتشات السريعة أو قلي الهامبورجر أو صنع الأندومي يعود الأطفال على عدم احترام مواعيد الوجبات فلا ينتظرون الأم والأب للالتفاف حول الوجبة هذا إذا وضعنا اهمال التوجيه التربوي للخادمة أو حتى مراقبتها عن بعد من قبل الوالدين.

وتضيف سحر الجهني بهذا الخصوص "كما ان وقت الدوام الخاص بالمدارس قد يتعارض مع وقت دوام الأب أو الأم أو الاثنين معاً فلا يكون هناك تواجد للجميع حول المائدة ولا نكتفي بوجبة الغداء بل الاختلاف يشمل العشاء حيث تكون رغبة الوالدين كناضجين تأخير الوجبة بينما هناك صغار لابد من تناول العشاء مبكراً للنوم بعدها ومن هنا تنشأ حالة الانفصال وتمتد إلى ان يكبروا فلم يعد الالتقاء كأسرة ولو على وجبة أمراً ضرورياً، كما ان اتباع بعض أفراد الأسرة لنظام الحمية (الريجيم) يحتم الانفراد بالطعام جانباً لاختلاف نوعيته عن طعام البقية وهذا يظهر الانعزالية بشكل واضح فلماذا لا تتحول طاولة الطعام من طاولة للأكل إلى فتح حوار ونقاش وشرب الشاي أو العصير وتبادل الخواطر والأفكار لتقريب وجهات النظر والمشاعر.

مفهوم الاستقلالية

أروى العلي تشير إلى الانتقال من المرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية وتأثيرها على الانعزال النفسي عن الأسرة بحكم ظروف المحاضرات ومواعيدها المختلفة فتقول "ان جدول طالبة التعليم العام يمر بظروف منظمة في الذهاب للمدرسة والرجوع والتواجد في وقت محدد، بينما عندما تنتقل الطالبة أو الطالب للتعليم العالي "الجامعي" تتدخل ظروف تلك المحاضرات في التواجد بالمنزل وقت وجبات الطعام فيصدف ان يتناولوا الساندويتشات في مطعم الجامعة وقت الفطور والغداء ثم الذهاب متأخرين ومتعبين ويستسلمون للنوم ثم بعد ذلك الاستذكار وكتابة المحاضرات فتلغى وجبة العشاء فلا يلتقون ببقية أفراد الأسرة الا مصادفة بسبب الاستذكار وهذا يساعد على تعميق مفهوم الاستقلالية ويكون قضاؤهم أغلب الوقت في الغرف الخاصة بهم وما يترتب على ذلك من ضوابط وأمور نفسية خاصة وحل انفرادي للمشاكل دون اشراك الوالدين أو بقية الاخوة.

وتضيف حول هذا المفهوم سعاد القحطاني "إذا نظرنا إلى ان بعض الطلبة والطالبات يلتحقون بالسكن الجامعي فيضطرون إلى الانتقال من نفس المدينة التي يعيشون فيها بهدف البحث عن التخصص المطلوب وهذا يباعدهم نفسياً في الانتماء إلى الأسرة في حالة التمادي بعدم الاجتماع بالأسرة في إجازة نهاية الأسبوع أو الإجازات الكبيرة بهدف دراسة فصل صيفي وكل هذه الأمور لا تكون مقررة من بداية الأمر إنما هي أمور لا شعورية فرضتها طبيعة النظام الدراسي الجديد لبعض الأبناء ولكن ليس معنى هذا ترك الأمور على علتها بل يجب من الوالدين ان يحرصوا على تواجدهم نهاية كل أسبوع للتقرب منهم أكثر ومعرفة همومهم ومشاكلهم والمساعدة على حلها للتخفيف من التباعد المكاني بالتقارب النفسي.

تناقض التربية

نوف الثبيتي تلفت النظر إلى أهمية توازن التربية فتقول "ان التناقض في التربية أو في السلطة الضابطة (الوالدين) يؤدي إلى زعزعة الشخصية وتواصل" ما بين حرية مفرطة في مواعيد الوجبات والخروج والدخول وزيارة الصديقات والحنان المفرط والدلع الزائد لدرجة ان يكون هناك سائق خاص للبنات وآخر للأم وطلبات البيت وسيارة للولد وهو لم يتجاوز السادسة عشرة وما يترتب على ذلك من انفلات تام ومن جانب آخر نجد الصرامة الشديدة والرقابة المفرطة حتى في أدق خصوصيات الأبناء وكبت التعبير عن الرأي والمشاعر والضغط النفسي من مبدأ المحافظة على الأبناء وتضييق الخناق عليهم وهذه التربية بشقيها سيئة وانعكاسها سلبي يؤدي إلى انفصال الأبناء وانعزاليتهم حتى عن بعضهم كاخوة يجمعهم تقارب العمر والأفكار والمشاعر والأحلام هذا عدا انفصالهم عن بقية الأسرة.

سعدى العتيبي تضيف "ان الانفصال النفسي قد يكون بداية من الأم والأب وتأثير القنوات على الأسرة بشكل عام وخروج كل منهما للوظيفة وما يترتب على ذلك من ضغوط عمل تجعل ارتباط الوالدين بالأبناء قليلاً، كما ان القنوات الفضائية شتتت من تركيز توجيهات الوالدين على الأبناء ومن ناحية أخرى فإن طبيعة تعامل الوالدين تساهم في تشكيل الانعزالية كالتفريق بين البنت والولد في المعاملة والتفضيل لأحدهما على حساب الآخر والانفصال النفسي والتباعد في علاقة الوالدين نفسها تؤثر على التحام الأبناء واحترامهم واحساسهم بمشاعر وهموم بعضهم فالوالدان أساس بناء تلك اللبنة ودعامة للترابط الأسري وبالتالي الاجتماعي.

الثراء والأعمال

فوزية الشهري تلفت النظر إلى "ان الركض وراء المادة ووصل الليل بالنهار من أجل الحصول على أكثر من توفير لقمة العيش والبحث عن الرفاهية المفرطة والمباهاة طغت على الاحساس بالأسرة والاهتمام بالأبناء فانشغال الوالدين بالوظيفة وتأمين الحياة التي بيد الله من أجل الأبناء ليس مبرراً لاسناد أعمالهما الأساسية للخادمة والسائق وفريق الخدم عند بعض الأسر الثرية فالبطر يورث الغرور بالنفس وعواقبه وخيمة وهنا سيكون لدينا نظام منازل داخل المنزل الواحد بكل مفاهيمها حيث تجتمع سلبيات وايجابيات البيئات الأخرى المتمثلة في الأصدقاء والصديقات وهنا يزداد الطين بلة ويكون إمكانية انفصال المفاهيم الخاصة بالأبناء صعباً جداً لذوبانها بثقافات وأفكار أخرى فلابد من جعل المال وسيلة وليس غاية تلغي غاية التربية السليمة أو حتى يبرر غياب الوالدين عن دورهما الحقيقي.

التنشئة الإسلامية

تؤكد هيام أبو علي "ان الشريعة الإسلامية وضحت جميع الجوانب ولم تترك جزءاً يمس الشرع والحياة إلاّ واحسنت بناءه فالذي يحدث هو البعد عن الشريعة في التعامل وترك الحبل على الغارب وعدم متابعة الفروض الأساسية كالحث على الصلاة بل وأداء صلاة الأب مع أبنائه في المسجد وصلاة الأم مع بناتها جماعة في المنزل، وعدم تخصيص وقت للمحاضرات والمناقشات الدينية المنزلية أو حتى حضورها في المساجد والمؤسسات الخيرية أو الاستماع إلى الأشرطة الإسلامية كحد أدنى، فالدين يخلق جواً عائلياً وتذوب فيه الفنادق المنزلية ويصبح هناك غرفة واحدة هي القلب الذي يضم الجميع، كما ان هناك بعض أولياء الأمور لا يحضون أبنائهم على الصلاة ويتركونهم يواصلون السهر متجاهلين الصلوات التي تمر أثناء النوم والعجيب أنهم يحرصون على سؤالهم عن تناول الوجبات فقط ويهملون الصلاة ويتركونهم يمكثون طويلاً أمام القنوات ويتعجبون عن انعزالية هذا الجيل، ان العقيدة هي حجر الزاوية والدعامة الأساسية للترابط فلو صانها الفرد استقامت حياته ولعاش وسط جو عائلي واجتماعي قويم.

الجو العائلي القديم

يشدني الحنين إلى أيام زمان بكل عبقها وأصالتها ومفاهيمها الجميلة والسليمة وتواصل سلطانة العتيبي "وهذا يظهر في احتلال الوالدين رأس الأسرة وتقدير الكبير والصغير من الأبناء لهم وتفشي المحبة التي تظهر في تلاحم الجميع في جميع المواقف سواء في تجمعهم على الوجبات أو في جلسة شاي دافئة أو في التنزه معاً في الإجازات الصغيرة والكبيرة وهذا يولد الاحساس بالمشكلات وحلها، فتلك السفينة تسير في بحر المحبة والمودة والاحترام يقودها الربان الأب وتساعده الأم بالرأي والمشورة ولكن الآن اختلفت الأدوار وأصبحت هناك مسافات وأصبحت السفينة مجرد قمرات لأشخاص كأنهم في رحلة وذلك بسبب التخلي عن العادات والتقاليد الدينية والاستهانة بالأعراف الاجتماعية والنظر لها على أنها قيود والاستهتار بالحقوق والواجبات، فأتمنى لو نرجع إلى الوراء فيما يخص العلاقات الاجتماعية حيث لم تكن الأسرة فقط مترابطة بل حتى الجيران كانوا جزءاً من تلاحم الأسرة في محبتهم وخوفهم على أفراد الحي الواحد فكانوا مثلاً حياً للتكافل الاجتماعي المطلوب.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة