تعتبر التربية والتعليم والعمل منظومة متكاملة وثلاثية الأبعاد، من أجل بناء وتنمية الكوادر البشرية المؤهلة للتعامل مع تقنيات العصر الحديث، ولذلك تهتم الدول المتقدمة والنامية على حد سواء بتربية النشء وتعليمه بهدف الارتقاء بالمستوى السلوكي والفكري للأفراد وذلك من خلال البرامج التربوية والتعليمية، كما وتهتم أيضاً برفع مستوى الجدارة أو الكفاءة والمهارة المهنية للأفراد وتهيئتهم لمتطلبات سوق العمل العصري وذلك من خلال البرامج التدريبية والمهنية.
ومما لا شك فيه أن إحراز التقدم والتنمية في أي مجتمع من المجتمعات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالكيفية التي يتم بها دمج مخرجات قطاع التعليم من رأس مال بشري مع رأس المال المادي للاستثمار في مشروعات تنموية تحقق النهضة الاقتصادية والاجتماعية المنشودة.
وعليه فإن وجود أي خلل في الأبعاد الثلاثة (التربية والتعليم والعمل) لا يمكننا من الحصول على الكوادر البشرية المؤهلة واللازمة لإحداث التنمية والتقدم.
وتعاني معظم الدول الخليجية من غزو العمالة الأجنبية لأسواقها كنتيجة لعدم توفر الكوادر البشرية الوطنية المؤهلة اللازمة للتعامل مع احتياجات المشروعات التنموية العالية التقنية.والأسئلة التي تتبادر إلى الذهن الآن هي:
@ ما هي أسباب الفجوة الحادثة بين مخرجات قطاع التعليم واحتياجات الأسواق من الكوادر البشرية الوطنية.
وما هو العلاج؟
@ لماذا تستمر سياسات التعليم في التركيز على التوسع الكمي وليس النوعي للخريجين وإلى متى؟
@ لماذا يفضل القطاع الخاص العمالة الأجنبية على المحلية، وإلى متى؟ وما هو العلاج؟
وبالتالي:
لماذا لا يتجاوب القطاع الخاص بالقدر المطلوب في تشغيل العمالة الوطنية، وما هي أسباب تلك المشكلة والأساليب المقترحة لعلاجها.
بالإمكان إيجاز أهم العوامل المسؤولة عن هذه المشكلة في الآتي:
أولاً: وجود تعارض في أهداف العملية التعليمية بين مسؤولي التعليم (وخصوصاً الجامعي) وبين رجال الأعمال، حيث يرى البعض أن التعليم الجامعي أكاديمي وليس مسؤولاً عن تلبية احتياجات سوق العمل، في حين يرى رجال الأعمال ضرورة تكامل مخرجات التعليم مع احتياجات المشروعات التنموية بسوق العمل لأن عدم وجود ذلك يسبب هدراً كبيراً في الموارد المالية والبشرية معاً وفي آن واحد.
ثانياً: عدم توفر الخريج المناسب للعمل حيث إن خريجي الأقسام النظرية بنسبة 75% والعلمية 25% مع زيادة مستمرة للطلبة في الإقبال على الدراسات النظرية، وهو ما لا يتوافق مع الاحتياجات المستقبلية لسوق العمل.
ثالثاً: وجود ندرة شديدة في العمالة الوطنية بالمهن المختلفة (البناء والتشييد - الكهرباء - الإلكترونيات - الصيانة - الحدادة - الميكانيكا - النجارة... إلخ).
رابعاً: العمالة الوطنية مرتفعة الأجر ومنخفضة الإنتاجية وغير ملتزمة بلوائح ونظم العمل وذلك مقارنة بنظيرتها الوافدة.
خامساً: القطاع الخاص يتعرض لمنافسة حادة بالأسواق، وأنه أمام معادلة صعبة، لا يستطيع التوفيق بينها، فهو من ناحية مطالب بترشيد تكاليفه ورفع زيادة وتطوير كفاءة عملياته وخفض أسعار بيعه من أجل التنافسية ومطالب في نفس الوقت بزيادة إيراداته وأرباحه لتطوير عملياته وتدريب عماله.
الندرة في نوعية العمالة الوطنية، حيث إن هناك عمالة وطنية مؤهلة ولكن نسبتها قليلة حوالي 5% فقط وهؤلاء يعملون بالقطاع الخاص بدون أي مشكلة بل وتتهافت عليهم الشركات، أما ال 95% الباقية من العمالة الوطنية فهم يطلق عليهم البعض من أصحاب الملفات الخضراء أو الباحثين عن عمل دون جدوى.
ازدياد احتياج القطاع الخاص من العمالة الوطنية مقابل قلة المتوفر كماً ونوعاً.
فالقطاع الخاص يتهم العمالة الوطنية بعدم رغبتها للعمل بالقطاع الخاص وتفضيلها للعمل بالقطاع الحكومي، وكذلك ضعف التزامها بلوائح ونظم العمل، وعدم الرغبة في التنقل من مكان لآخر حسب مقتضيات ومصلحة العمل، وعدم قبول العمل بنظام الدوامين لوجود ارتباطات عائلية وعادات وتقاليد المجتمع، ورغبة العمالة الوطنية في شغل وظائف إدارية مباشرة دون التدرج من أول السلم الوظيفي لاكتساب الخبرة في العمل، وعدم قبول العمالة الوطنية للعمل بالوظائف المهنية وذلك بسبب وجود نظرة سلبية من المجتمع تجاه هذه النوعية من الوظائف، وأخيراً فإن العمالة الوطنية غير مستقرة في عملها أو وظائفها ودائمة التحرك لوظائف أخرى بعد اكتساب الخبرة.
ندرة وضعف مهارات خريجي المدارس الثانوية الفنية في اللغة الإنجليزية والحاسب الآلي.
وخلاصة القول بأن منظومة التربية والتعليم والعمل في بعض البلدان العربية والخليجية على وجه الخصوص توضح لنا بجلاء أنه لعلاج مسببات المشكلة فإن الحل يتمثل في العلاج من ثلاث زوايا مختلفة وفي آن واحد وهي الجانب التربوي أو الأخلاقي أو القيمي أو السلوكي عند تربية النشء، وثانيها الجانب التخطيطي أو الإداري للعملية التعليمية، والثالث الجانب الاقتصادي لتوفير وتحسين نوعية الموارد البشرية اللازمة لاحتياجات الأسواق والتنمية والتنافسية العالمية.
وعليه فإن ثمة خطوات من شأنها أن تسهم في حل المشكلة منها:
أولاً: إعادة توجيه الاستثمارات الموظفة في مجالي التعليم والتدريب مع تغليب النظرة الاقتصادية. وإعادة النظر في سياسات التوسع الكمي للخريجين والتركيز على التوسع النوعي لاحتياجات التنمية. وتغيير أساليب التعليم من الطريقة التلقينية التقليدية إلى الطريقة الابتكارية لبناء الإنسان العصري والتركيز والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني لاحتياجات التنمية وتعديل البرامج التربوية للنشء لتعديل المفاهيم السلوكية المتمثلة في نظرة المجتمع السلبية وعدم إقبال الأفراد على العمل المهني وغيرها، مع التركيز على القيم الإسلامية في التربية والعلم والعمل معاً. وقيام الدولة بتعويض أصحاب العمل لصالح العمالة الوطنية بتحمل فارق الأجر والإنتاجية للعمالة الوطنية عن الوافدة، حتى لا تتأثر تنافسية منتجات صاحب العمل بالأسواق (تجربة صندوق تنمية الموارد البشرية في المملكة).
* عضو مجلس الأمناء لمؤسسة الفكر العربي