من غير المتوقع أن رجلاً في الأربعين من عمره يمكن أن ينتظم في خلية إرهابية، فغالبا ما يكون هذا العمر قد اكتملت فيه كثيراً من التوجهات والأفكار التي قد تحث على فعل معين أو تمثل حافزاً اعتقادياً لعداءات أو ولاءات جديدة، لكن فترة التشكل المتمثلة في مرحلة الشباب هي التي تضع الخطوط الأبرز للشخصية، والذين يصلون إلى الأربعين وهم يحملون أفكاراً متطرفة، إنما كان التشكل الذي حدث لهم مركزاً وشديداً للغاية.
بيان الجمعة الماضي كان دليلاً واضحاً على ذلك، فالشباب الذين يعدون المادة الأولى لمثل هذه الخلايا والمحرك الأبرز معها، لا يمكن إلا وصفهم بالأعداء الفعليين، الذين تأخذ عدوانيتهم جانباً درامياً يتفق مع روح الشباب، ويتحول الحماس إلى حالة من التهور تتبعه مشاهد تثير الانتباه إلى ما يتغشى هؤلاء الشباب من اعتقاد مفرط ويقيني بما يقومون به، وما حدث من مبايعة أفراد من الخلية لزعيم لهم عند الكعبة، هو مجرد لقطة درامية، تشير إلى نشوة تصاحب الاعتقاد وتحوله إلى مواقف تتولى تفعيل تلك القيم، حتى لو كانت عبر مشاهد مسرحية.
هذا مرتبط بالاعتقاد، والتصور الحماسي الذي تقوم عليه ذوات الشباب والتي تجعله يتصور ويؤمن أن بإمكانه أن يقيم دولة ويطبق شرعاً ويمتلك مفاتيح إدارة الحياة من خلال الدين حسب النسخة غير الحقيقية للدين، والتي تكتظ عنفا وحماساً وتبجيلاً لأدبيات تبجل العنف والحماس ونشوة الانفراد والابتكار لأشكال جديدة لإدارة الحياة.
لكن أكثر ما يلفت النظر في الحديث عن الإرهاب تلك الآراء التي تخلط بين هموم الشباب العاديين الطبيعيين، وبين هموم وتطلعات الإرهابيين ذوي التفكير المتطرف، فالحديث عن البطالة، والذي غالباً ما يتم التركيز عليه على أنه من أسباب اتجاه الشباب إلى التطرف والإرهاب، هو مجرد خلط بين هموم شابة يمكن اتخاذها كمبرر للحديث عن اتجاه بعض الشباب للإجرام أو الانحراف الأخلاقي، لكنها لا يمكن أن تكون مبرراً وحيد لا تجاه الشباب للتطرف، لأن الباحث عن عمل، والساعي إليه هو باحث عن موارد للحياة والبقاء وتكوين الذات، عبر دائرة الحياة التي يحيا فيها، أما الذين يتجهون للتطرف فهم باحثون عن الخلاص من هذه الحياة لأنها مجرد عبء عليهم ولحظة من لحظات الانتظار التي وجدوا أنفسهم غير قادرين على مجابهتها فاتجهوا للساكن والتقليدي، ثم البحث عن قيمة من خلاله، والإيمان شديد التركيز بهذه الأفكار يتم فقط عندما لا يكون للحياة قيمة، وحينما تكون أفكار المصير بالنسبة لهم واحدة يتم قراءة أفضل فصولها عبر قصص ألفتها ووضعتها الثقافة أكثر من كونها ناتج أحداث تاريخية حقيقية، وما تثبته قصص كثير من الشباب الذين ضبطوا ضمن خلايا إرهابية أن كثيراً منهم تركوا أعمالاً جيدة المستوى كانت تمثل لهم وظائف مدنية طبيعية، ولم نشهد حديثا عن شاب عاطل عن العمل اتجه إلى التطرف كبديل لحاجته، ذلك أن البحث عن عمل دليل تفكير في الحياة بشكل فردي، فيما الاتجاه إلى التطرف والإرهاب دليل بحث عن مغادرة مشروطة للحياة، لا من أجل الفرد إنما نتيجة إيمان بالأمة ونصرتها والموت في أكثر من سبيل.
الجانب الآخر من تلك الآراء يتحول في كثير من الأحيان إلى نوع أقرب ما يكون إلى تبرير خجول لتلك الأعمال التي تحدث في البلاد العربية والإسلامية، وذلك حين يتم ربطها بالأوضاع المحيطة والدوائر المشتعلة في المنطقة، وأن الشباب الذين وجدوا ضمن خلايا إرهابية في بلدان عربية ويستعدون للقيام بعمليات انتحارية في بلدانهم إنما قاموا بذلك كردة فعل على ما يحدث في العراق وفلسطين وغيرها، هذا حين يحدث أو يتحجج به خطاب إرهابي هنا أو هناك إنما يتم نتيجة القراءة الخاطئة للمسؤوليات وارتفاع سقف المسؤولية بشكل بلاغي ودرامي لا حقيقي، خاصة أن عملا إرهابياً في الرياض أو القاهرة أو المغرب لا يمكن أن يلحق الأذى بأي من الأعداء المفترضين.
الأبرز والأكثر دلالة على التعلق بعناوين فقط حينما يتحدث أحد عن أن غياب المشاركة السياسية، وغياب الانتخابات والديمقراطية في بعض البلدان يعد سببا من أسباب التطرف، ذلك أن المطالب المتطرفة إنما تسعى لما تراه (تخليصا) للعالم من هذه الأفكار الجديدة، والشباب الذين ينخرطون في أفكار وتنظيمات متطرفة بعيدون للغاية عن التفكير في مثل هذه الفعاليات، بل إن المطالبة بحالة من الديمقراطية هي جزء من الوعي المدني الذي لا يمكن أن يكون البديل أو الرد على عدم وجوده عملية إرهابية أو أفكار متطرفة.
إضافة إلى ذلك، فإن دخول المتطرفين في العملية الديمقراطية أو عمليات الانتخاب ليس بالأمر الصائب، ذلك أن الانتخابات وغيرها من الفعاليات إنما تأخذ طريقا للجدوى حينما يكون الخيار حراً ومدنياً ووطنياً، لكن دخول مثل هذه الأفكار في العملية الديمقراطية هو نوع من وضع مفاتيح أنيقة في يد من لا يجيدون فتح الأبواب إلا بكسرها التطرف هو حالة من الفهم الملتبس المزود بأدوات يقينية تخدم هذا الالتباس، وهو ما لا يمكن الحديث عنه وفق عناوين وتصورات جاهزة لا تمثل أيا من حاجات الشباب الذين اتجهوا هذا الاتجاه، إضافة إلى ذلك فإن التعامل معهم لا يحتاج لأن يأخذ في حسبانه انعدام الديمقراطية وغياب الانتخابات كوسائل للعلاج، لأنهم مجرد أعداء، إلا أنهم يتميزون عن الأعداء التقليدين الذين يمكن مواجهتهم بالجيوش وبالطائرات، أنهم أعداء من الداخل.
yameer@alriyadh.co
1
لكن أكثر ما يلفت النظر في الحديث عن الإرهاب تلك الآراء التي تخلط بين هموم الشباب العاديين الطبيعيين
شكرا على المقال الر ائع والهادف.
04:21 مساءً 2007/05/04
2
على كل ارهابي ان يتوب ويحمد الله على اننا في بلد اسلا مي وملك عادل
وعليه ان يبدأ حياة جديدة بعد التوبة وتزوج ويعمل ويعيش ويندمج مع المجتمع
افضل من ان يكون مطارد وخائف والله لن يستفيد اي ارهابي من ارهابه
اللي ماله داعي الا الخسارة والضياع في الدنيا والا خرة
09:54 مساءً 2007/05/04