وسط مخاوف من مقاطعة محتملة للجزائريين للانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في 17مايو/ ايار المقبل ، على خلفية انشغالهم بما يضمن لهم الحياة الآمنة بعد العودة المقلقة لهاجس العمليات الإرهابية آخرها تفجيرات 11أبريل/ نيسان الجاري ، وفي خضم تذمر شعبي واسع من أداء البرلمان الحالي المنتهية عهدته مثلما أظهرته استطلاعات للرأي أجرتها مراكز متخصصة وعدد من كبريات الصحف الجزائرية ، انطلق المتنافسون على مقاعد البرلمان الجزائري بقوة نهاية الأسبوع في تنافس محموم لكسب أصوات ما يقارب 18مليون ناخب يضمن لهم الظفر بأكبر عدد ممكن من مقاعد الهيئة التشريعية المقدرة ب 398مقعدا في رابع استحقاق تشريعي تعددي تشهده الجزائر منذ العام .
1991وعبر شعارات مختلفة ، تم انتقاؤها بذكاء لمغازلة المواطنين ودفعهم إلى التوافد على التجمعات الشعبية التي سينشطها المترشحون داخل قاعات مغلقة وليس في المساحات العمومية مثلما دعت إليه تعليمة لوزارة الداخلية تجنب الاعتداءات الإرهابية أوأي تشويش أمني ، وهي شعارات لم تخرج عن المسائل التي يوليها المواطنون اهتماما بالغا مثل الوضع الأمني والمصالحة الوطنية والإصلاحات الاقتصادية ، ستعيش الجزائر طيلة 19يوما وإلى غاية 14مايو/ ايار المقبل على وقع الخطابات الرنانة والتجمعات الانتخابية التي ينشطها 12ألف مرشح يمثلون 24حزبا سياسيا ، غاب عنهم الحزب البربري الكبير " جبهة القوى الاشتراكية " الذي يقوده من جنيف زعيمه التاريخي حسين آيت أحمد ، وقرر خلافا للانتخابات السابقة ، مقاطعة الاستحقاق بدعوى غياب الشفافية والتزوير وأن الانتخابات مغلقة ومحسومة سلفا لأحزاب التحالف الرئاسي .
ولعل من بين أهم ما يميز انتخابات العام 2007التشريعية ، الترشح القوي للأحرار عبر 1000قائمة دخل بها هؤلاء السباق نحو كراسي البرلمان مثلما أظهرته إحصاءات وزارة الداخلية . وأثارت المشاركة المكثفة للمستقلين زوبعة وسط الطبقة السياسية ، حيث أبدى أكثر من زعيم سياسي مخاوف متزايدة إزاء احتمال احتلال الأحرار نسبة معتبرة من المقاعد ، وقال هؤلاء ان الحجم الكبير للقوائم الحرة يطرح علامات استفهام ويسبب ضجيجا، وقد ينتج فسيفساء في البرلمان هذا علما أن المستقلين الذين يراهنون على خلط الحسابات ، هم القوة الخامسة في البرلمان الحالي ب 30مقعدا. ولعل ما يستوقف الانتباه في هذه الانتخابات أيضا ، العودة الملفتة للمحسوبين على التيار العلماني وبقايا الشيوعية يتقدمهم رئيس الحكومة السابق " رضا مالك " زعيم ( التحالف الوطني الجمهوري ) والوزير السابق في حكومة أحمد أويحي " عمارة بن يونس " زعيم الحزب البربري غير معتمد ( الاتحاد من اجل الديمقراطية ) والحزب الشيوعي سابقا ( الحركة الديمقراطية والاجتماعية ) لزعيمها الراحل الهاشمي شريف .
ومن جانبها تدخل الأحزاب الكبيرة المعروفة بثقلها على مستوى الركح السياسي ، بالأخص أحزاب التحالف الرئاسي المدعمة لبرنامج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ، وهي تتفاءل مسبقا بحصد غالبية مقاعد البرلمان ، فالأمين العام لجبهة التحرير الوطني عبد العزيز بلخادم توقع بان يحصل حزبه على الأغلبية، كما تنبأ احمد اويحي الأمين العام للتجمع الديمقراطي بحصوله على المرتبة الثانية، أما حركة السلم فتوقع رئيسها أبوجرة سلطاني أن تحصد 30% من الأصوات بما يسمح لها باحتلال المرتبة الثالثة ، وهو ما ساعد على سيادة الاعتقاد بان الأمور محسومة سلفا لصالح أحزاب السلطة حتى قبل فتح صناديق الانتخاب وبداية الحملة الانتخابية وأعطى الانطباع بان البرلمان القادم ما هو سوى استنساخ للبرلمان الحالي المنتهية عهدته .
وتدخل ذات الأحزاب السباق الانتخابي بعدما عانت الأمرّين في إعداد قوائم مرشحيها ، وفي مواجهة الغاضبين على ما أسفرت عنه الغربلة التي سمحت مجددا بعودة قوية لما يعرف ب " الحرس القديم " على رأس قوائم الحزبين الكبيرين، جبهة التحرير التي يقودها عبد العزيز بلخادم ، رئيس الحكومة الحالية ، والتجمع الديمقراطي الذي يتزعمه أحمد أويحي رئيس الحكومة المستقيل العام 2005، وهما الحزبان اللذان فضلا الاستعانة بالأوزان الثقيلة من وزراء حاليين وسابقين ونواب وسفراء وكوادر في الحزب . وهو عكس ما اعتمده الحزب الإسلامي المعتدل " حركة مجتمع السلم " حليفهما في القطب الرئاسي الذي يقوده أبوجرة سلطاني وزير الدولة بدون حقيبة في حكومة بلخادم ، والذي انتهج مثله مثل الحزب العمالي الذي تقوده المترشحة السابقة لرئاسيات أبريل 2004، لويزة حنون تكتيك "الوجوه الجديدة" بهدف مغازلة أكبر عدد من الناخبين والظفر بمقاعد أوفر في البرلمان .
وجاءت جبهة التحرير (الحزب الحاكم) في صدارة القوى التي نالت منها صيحات الاستهجان ، حيث يدخل الحزب العتيد الحملة الانتخابية ب 525مترشحا من بينهم 72امرأة و 35مجاهداً و 30ابن شهيد و 64مترشحاً تقل أعمارهم عن 40سنة ، لكن في أجواء مأزومة على خلفية اتهام قطاع واسع من قواعده النضالية القيادة بتفضيل من نعتوهم ب " الديناصورات " وممارسة الإقصاء ضد محسوبين على جناح الأمين العام السابق للحزب علي بن فليس غريم الرئيس بوتفليقة في رئاسيات العام
2004.ولعل الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات الزعيم الإصلاحي السابق عبدالله جاب الله ، الذي منعت عنه وزارة الداخلية المشاركة في الاستحقاقات بعدما خسر معركته القضائية مع المنشقين عنه الذين تشكلوا في حركة تقويمية تصحيحية واستولوا على الحزب بدعم من السلطة ودخلوا الانتخابات باسم حزبه الذي أسسه " حركة الإصلاح الوطني " بزعامة غريمه " محمد بولحية " ، ومثله حدث لعدد من مناضلي ونشطاء الحزب المحل " جبهة الإنقاذ الإسلامية " ، الذين منعت وزارة الداخلية ترشحهم في قوائم أحزاب سياسية مجهرية ، بدعوى أن بعضهم يهدد الأمن الداخلي ، والبعض الآخر متابع قضائيا ، هذا علما أن جبهة الإنقاذ المحلة كانت فازت العام 1991بغالبية مقاعد البرلمان في أول انتخابات تعددية تشهدها البلاد بعد أحداث أكتوبر 1988، لكن المسار أجهض ودخلت البلاد في أزمة ما يعرف اليوم بالعشرية السوداء التي حصدت أرواح ما يزيد على 150ألف شخص ما بين مدني وعسكري .
وكانت استطلاعات للرأي أجرتها عدد من كبريات الصحف الجزائرية أسابيع فقط قبل انطلاق الحملة الانتخابية أظهرت أن الجزائريين على اختلاف شرائحهم ومستوياتهم التعليمية والثقافية غير راضين على أداء البرلمان الحالي ، وغير مكترثين للاستعدادات التي يجري التحضير لها للانتخابات المقبلة ، ورأى مراقبون أن الآراء المعبر عنها لا تختلف كثيرا عن موقف عامة الجزائريين من عمل الهيئة التشريعية التي تحولت إلى ملحقة لرئاسة الحكومة وباتت تحت سيطرة الجهاز التنفيذي، وهو ما يفسر الأداء الباهت للبرلمان حيث لم يصدر عنه طيلة خمس سنوات من عمر العهدة سوى 89قانونا تمت المصادقة على اغلبها دون مناقشة، على اعتبار أنها أوامر رئاسية أصدرها الرئيس الجزائري ما بين دورتي البرلم