الرئيسية > فن

سينمائيات

(متاهة بان).. الثوار الأسبان في رداءٍ كالحُلم..



رجا ساير المطيري

أعرف المخرج المكسيكي (أليخاندرو غونزاليس) وأدرك تاريخه السينمائي جيداً لذلك كنت متلهفاً لمشاهدة فيلمه الأخير (بابل)، وكذلك فعلتُ مع المكسيكي الآخر (ألفونسو كورون) عندما سمعت عن فيلمه (أطفال الرجال)، أما العنصر الثالث في (الثري أوميغوز) وهو المكسيكي (غيليرمو ديل تورو) فذكراي عنه مرتبطة بفيلم متواضع أخرجه قبل نحو سنتين هو (هيل بوي-Hellboy) وبفيلمين آخرين قبله هما فيلم (بليد 2) وفيلم الرعب (مايميك)، وهي أفلام فانتازية غرقت في البهرجة البصرية، وخلت من أي عمق، وبسببها لم أكن متحمساً لمشاهدة فيلمه الأخير (متاهة بان-Pan s Labyrinth) خاصة وأنه يسبح أيضاً في فلك المؤثرات البصرية والفانتازيا والمخلوقات الغريبة، فاعتقدته استكمالاً لذات المسيرة الهشة، وعزفاً على ذات الوتر، فوضعته تلقائياً في خانة الأفلام التي سأشاهدها لكن من دون حرص، تلك التي لن يفوتني شيء إذا لم أشاهدها والتي صُنعت من أجل أن أستأنس بها في لحظة ملل؛ للترويح عن النفس ليس إلا. هكذا كنت أحدّث نفسي قبيل مشاهدة الفيلم، أما بعد المشاهدة فقد تغير رأيي كثيراً، فإن أردتَ أن تعرف إلى أي مدى وصل هذا التغير فحسبي أن أقول لك اني الآن متوقف عن مشاهدة الأفلام.. فقد غرقت في (متاهة بان) واستحوذت عليّ الطفلة (أوفيليا) استحواذاً كاملاً.

لا أدري كيف أتحدث عنه؟ فأنا مع الأفلام التي تهزني من العمق أصابُ بتلعثم ذهني لا أستطيع معه ترتيب أفكاري، أو لنقل أن هذه الأفلام الحميمة تضعني أمام أفكار كثيرة، يصعب عليّ حصرها في مقال محدود المساحة كهذا، لكن دعنا ندخل في صلب الموضوع ونسأل: ما هو المميز في الفيلم المكسيكي (متاهة بان)؟ ما الذي جعله يخترق قلبي وروحي وينتزع إعجابي؟ قبل ذلك دعنا نتعرف إلى حكاية الفيلم وإلى بطلته الجميلة (أوفيليا).. الفيلم يذهب بنا إلى إسبانيا في العام 1944بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية التي أعلنت هزيمة الثوار الاشتراكيين أمام القوى اليمينية الفاشستية بقيادة الطاغية فرانكو الذي أحكم قبضته الحديدية على البلاد، ناشراً في كل جزء منها فرقاً عسكرية صغيرة مهمتها مطاردة آخر فلول الاشتراكيين، والقضاء على ما تبقى من روح الثورة.

وفي مقر واحدة من هذه الفرق العسكرية تجري أحداث الفيلم، مع القائد (فيدال) الذي ينتظر الآن وصول زوجته الجديدة (كارمن) الحامل بابنه البكر، والقادمة من سفر طويل، ترافقها ابنتها (أوفيليا) من زوجها السابق. وابتداء من لحظة الوصول؛ ومن عند اللقاء الأول بين القائد وزوجته و(أوفيليا) يتفرع الفيلم إلى مسارين متناقضين، أحدهما واقعي صرف يتمثل في الحرب الشرسة بين العسكر والثوار، والآخر فانتازي سحري بطلته الصغيرة (أوفيليا) التي تغوص في متاهة (بان) بحثاً عن نافذة تعيدها إلى المملكة السفلى الخيالية لتحتل مكانها الطبيعي فيها كأميرة جميلة بروح خالدة!. والسحر الذي يقدمه الفيلم هو مزجه بين هذين المسارين المتناقضين دون أن يشعر المتفرج بذلك، إنهما يتداخلان ويتقاطعان بانسيابية ونعومة، وكل واحد منهما يكمل الآخر ويؤكده، فمغامرات الطفلة (أوفيليا) مع (إله القطعان) هي في حقيقتها انعكاس لصراع الثوار مع القوى الفاشية، ورحلتها إلى مملكة الخلود هي ترجمة لتطلعات الروح الثورية المناضلة التي تنشد الخلود عبر كفاحها العظيم.

عندما التقت (أوفيليا) بالجنية الصغيرة لأول مرة في بداية الفيلم آمنت بها إيماناً مطلقاً، وأيقنت من وجود المدينة الفاضلة التي لا شر فيها ولا موت، ووثقت بالمخلوق الغريب (إله القطعان) الذي أكد بأنها أميرة تائهة، وبأن أباها ملك المملكة السفلى يترقب عودتها بعد أن انتظر طويلاً، لذلك نشاهد (أوفيليا) وهي تسعى بإخلاص لتنفيذ الأوامر من أجل تحقيق خلودها الخاص وارتقاء الجبل الأسود المحاط بالأشواك لتلتقط من على قمته زهرة الخلود. ويقف في مقابل رحلتها السحرية الحالمة صراع عنيف وبشع بين القائد (فيدال) وجنوده وبين البقية الباقية من الثوار اليساريين، حيث لا مكان في هذا الصراع إلا للقتل والتعذيب وطحن الرؤوس وتقطيع الوجوه بطريقة بشعة تجعل الإنسان يسأم الحياة على الأرض مادامت بهذه القسوة. وهنا نرى المخرج (غيليرمو) وهو يوغل في تصوير مشاهد القتل بطريقة مقززة تدفع المُتفرج إلى تقدير عوالم (أوفيليا) الحالمة التي تظهر أمام كل هذا العنف والدمار كما بلسم رقيق يغسل الألم ويطرد الأحزان. وجمال الفيلم لا يبدو من مجرد وجود التناقض بين هذين المسارين، بل من التوظيف الذكي لهذا التناقض، وجعل كل مسار يعرّف الآخر ويشرحه، فلولا بشاعة الواقع ما ظهرت قيمة عالم (أوفيليا) الحالم، ولولا هذا الحلم الذي غرقت فيه الصبية الجميلة لما أدركنا بشاعة الحياة وقسوتها. إن هذين المسارين المتناقضين متلازمين كما الحياة والموت، الليل والنهار، الصحة والمرض، فلا يتأكد وجود أحدهما إلا بحضور الآخر. لكن ما الذي يريده المخرج (غيليرمو) فعلاً من هذا المزج؟ ما هي فكرته؟

الملاحظ هو أن الفتاة (أوفيليا) تمثل الجزء الحالم من الفكرة الثورية، بينما يمثل الثوار أنفسهم الجزء الحقيقي المرتبط بالواقع، فهما تعبير عن نفس الفكرة، وهما في النهاية يكوّنان مساراً واحداً لا يختلف سوى في مظهره الخارجي، فهذا عالم سحري لأن شكله هكذا، والآخر مرعب ومقزز في شكله فقط، أما في الصميم فكلا الخطين واحد، يعبران ويشرحان الفكرة ذاتها، هذا التطابق يتأكد من خلال لمحة ذكية ظهرت في المشهد الذي التقت فيه الصغيرة (أوفيليا) لأول مرة بالقائد (فيدال)، عندما رفعت (أوفيليا) يدها اليسرى لمصافحته، ليقوم القائد بانتقادها ويطلب منها استخدام يدها اليمنى. واليد هنا استخدمت بذكاء لتكون تعبيراً عن الميول السياسية، فالقائد الذي يفضل اليد اليمنى ينتمي إلى الفاشية وهي من الأفكار (اليمينية) المتطرفة، وعلى هذا الأساس يمكن القول ان استخدام الصغيرة (أوفيليا) ليدها اليسرى لم يكن سوى تأكيداً لارتباطها باليسار، وبالثوار اليساريين. ولعل هذه هي نقطة الالتقاء الصريحة الوحيدة بين المسارين، وذلك لأن المخرج (غيليرمو) سيعتمد في بقية أجزاء فيلمه على الربط الوهمي وعلى الدلالات الخفية التي تجري خلف الصورة والتي تنتظر من المتفرج أن يربطها ويحللها ليصل إلى نتيجة واحدة وهي أن المسارين ليسا متناقضين إلا في الظاهر فقط.

وللتأكد من هذه النتيجة دعنا نتأمل طبيعة كل مسار وما الذي يريد أن يحكيه.. في المسار الواقعي الذي يصور الصراع العسكري سنقترب من ذهنية الثوار وسنعرف غاياتهم النبيلة، فهم لم يثوروا إلا من أجل الحفاظ على الكرامة الإنسانية التي سحقها فرانكو، ولأن الواقع الفاشي بلغ حداً من البؤس والصرامة، فإن أفكار هؤلاء الثوار تحولت إلى أحلام مستحيلة التحقيق في نظر البسطاء الراضخين لسطوة الواقع، إنها مجرد رغبات حالمة مصدرها ثلة من الشباب الأغرار، إنهم حالمون، وثورتهم مجرد حلم لن يتحقق إلا في مدينة فاضلة تشبه تلك التي رسم ملامحها أفلاطون قبل زمن بعيد، وهذه المدينة الفاضلة أو ال(يوتوبيا) عبّر عنها الفيلم بصراحة باسم (المملكة السفلى) في المسار الثاني الذي يصور مغامرات الطفلة (أوفيليا)، ومن هنا يأتي الارتباط الأشد بين المسارين، الواقعي والحالم، فالطفلة (أوفيليا) حالمة كالثوار، تؤمن بأفكارها حتى لو خالفها الجميع، وهي تعبّر عن صميم الروح الثورية المتشوفة إلى الخلود، ورحلتها الخيالية ليست سوى ترجمة للأفكار التي تختلج في ذهن الثائر.. لكن هل رحلة (أوفيليا) خيالية فعلاً؟ بمعنى هل هو حقيقي ما تراه من مخلوقات غريبة؟ هل فكرة الثورة مجرد حلم يصعب تحقيقه؟ الجواب عن هذا السؤال سيأتي من المسار الواقعي في الفيلم، من نتيجة المعركة الأخيرة بين الثوار والعسكر الفاشيين، فهذه النتيجة ستؤكد ما إذا كانت (أوفيليا) تعيش عالماً سحرياً صنعته في خيالها بتأثير من ضغط الواقع أو أنه عالم حقيقي فعلاً، ومن هنا نرى التفاعل الديناميكي والذكي بين المسارين، الواقعي والحالم. وهو تفاعل خلاب يؤكد نزعة الفيلم الإنسانية وسحره الجمالي الذي ازداد وهجه بالموسيقى العظيمة التي أبدعها الإسباني (خافيير نافريتي)..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    شكراً استاذ رجا

    طلال الفوزان - زائر

    11:26 صباحاً 2007/04/28


  • 2
    الأستاذ رجا..
    قرأتك الرائعة والعميقة منحتني بعداً آخر لقرأة الفيلم..
    دمت بألف عافية،

    محمد - زائر

    09:21 مساءً 2007/05/16


  • 3
    استاذ رجا..
    شاهدت واستمتعت بالفلم. وعايشت معه قسوة الصراع والشوق إلى بلوغ الحلم.
    أثار الفلم الكثير من الأسئلة والتأملات في نفسيز
    لكن...
    بعد قراءة مقالك اكتشفت أنه لا بد لي أن أشاهد الفلم مرة أخرى.

    Abdullah Alarabi - زائر

    03:09 مساءً 2007/06/28


  • 4
    انت مبدع

    راشد النعيمي /قطر - زائر

    07:25 مساءً 2007/08/03



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة