الرئيسية > مقالات اليوم

قراءة الإسلام بين العلمية والإيديولوجيا (2/2)


محمد بن علي المحمود

ما بدأه خليل عبد الكريم في كتيّبه: (الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية) كان المقدمة الأولية لكتابه الآخر: (قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية) وهو الكتاب الذي حاول فيه

أن يثبت أن الإسلام ليس إلا مشروع دولة قريش،

التي كان يحلم بها كل من: قصي بن كلاب، ثم هاشم، ثم عبد المطلب، وقام محمد - صلى الله عليه وسلم - بتحقيق حلم الآباء والأجداد، بواسطة الرسالة: رسالة الإسلام.

يبدأ في هذا الكتاب بقصي بن كلاب، الذي جمع قريش في الحرم، ويرى أن قصي كان يطمح إلى تأسيس دولة قومية، تضم العرب قاطبة، وأنه اتخذ من المقدس (الحرم) طريقا إلى إنشاء الدولة. ثم يستعرض جهود هاشم جد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرى أن (الإيلاف) لم يكن إلا إسهاما في التمهيد لقيام الدولة القرشية. أما المؤسس الحقيقي، فهو رسول الله. ويأخذ من استبعاد الأنصار من الخلافة دليلا على أنها لم تكن دولة للمسلمين، وإنما كانت للقرشيين !.

طبعا؛ هذا الكلام قيل من قبل، وعلى لسان الكثير، وليس هو من جديد خليل عبد الكريم. ولم يكن المرتدون بعد وفاة النبي - صلى لله عليه وسلم - إلا أول من أشرب قلبه هذا التصور العشائري للإسلام. لا جديد؛ سوى تسطير ذلك في كتاب، أو ما يسميه هو: كتاب؛ مع إضافة السياق اللازم المكره؛ كي يلائم بين الوقائع.

لهذا - وكما قال نصر حامد أبو زيد عنه - نراه يسكت عن الوقائع الصارخة التي لا تستجيب لتفسيره، بل تنقضه هذا التفسير من جذوره، مثل كون الخلافة أو الملك وإن حصرت آنذاك في قريش، فهي لم تمنح للعشيرة الأقربين. ولو كانت قبلية أو عشائرية محضة؛ لكان منطقها أنها للأقرب فالأقرب. هذا على الأقل في التفسير السني للأحداث والنصوص. وهو التفسير الذي يتكئ عليه خليل عبد الكريم في شتمه - وليس نقده - للظاهرة الإسلامية.

في كتابه الآخر: (دولة يثرب - بصائر في عام الوفود)، وهو امتداد للفكرة الساذجة في (الكتاب !) السابق، حيث يرى أن حلم الدولة القرشية بدأ يتحقق؛ عندما بدأت الوفود تفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لكن يلاحظ في هذا الكتاب أن نبرة السخرية من أحوال المسلمين بدأت تتصاعد، والعصبية الفرعونية التي تحكم ما يكتب، بدأت تظهر بجلاء، بل بصراحة بذيئة من قبله، كما في قوله عن مجتمع المدينة إبان الفترة النبوية: "ومن أعجب مفارقات التاريخ أن هذا المجتمع الحافي الأمي المتخلف استطاع أن يهزم شعوبا ذات حضارات شامخة مثل الفرس والشاميين والمصريين".

بل إن السخرية تصل إلى مقام الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم، كما في حديثه عن الوفود، الذي يستعرض فيه المعجزات المادية، إذ يقول ص 368عن معجزة الدعاء لمن أصابهم القحط، ونزول المطر على إثر ذلك: "وتكررت أكثر من مرة معجزة إنزال المطر... وذلك بمجرد مخاطبة السماء بالدعاء".

أما كتابه الذي يعده مشايعوه أعظم كتبه، فهو: (النص المؤسس ومجتمعه) وهو أكبر كتبه حجما. ومع هذا فهو خال من أي جهد علمي يستحق الوقوف عنده ولو لمجرد التساؤلات البريئة. الكتاب ليس إلا جمعا غير علمي (دون فحص) لأسباب النزول التي ذكرها كبار المفسرين وعلماء القرآن، ثم التعليق عليها بلازمة واحدة تتكرر، وهي أن النص ينبثق (هذا تعبيره، فهولا يقول: نزل) تبعا لرغبات القائد (محمد صلى الله عليه وسلم) أو تبعا لرغبات أصحابه، أو حلا لمواقف إشكالية، شديدة الإحراج كما يقول.

وهذا الكتاب ليس إلا تعليقات ساخرة من ناحية، وإعادة بلهاء لما ذكره بعض الذين يحملون الضغينة على الإسلام من غير المسلمين لشخص الرسول الكريم. ويتخذ من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كرمه الله بها، وسيلة للسخرية عن طريق استخدامها بديلا عن الاسم أو الصفة الرسولية النبوية. وسأذكر شيئا من توظيفه لها ليتضح للجميع أن الإساءة مقصودة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ ليتضح أن هذا مدى ما يستطيعه من علم؛ إذ ليس في كتابه أكثر من ذلك.

يقول - متناصا - مع القول الشائع في براءة الذئب من دم يوسف: "هو منها بريء براءة الذئب من دم الفتى الحليوه يوسف بن يعقوب". وواضح هنا أن القصد من إدراج يوسف في هذه الصفة الشعبية الممتهنة، ليس إلا قصد الإساءة ليوسف - عليه السلام - جراء موقف قومي فرعوني، يرى الإسرائيلية/بني إسرائيل من موقف الانحياز إلى الفراعنة، كما هو عند تيار عريض من متعصبي القُطءرية الذين نرى آثارهم في المكتوب والمرئي (السينما).

هذا عن يوسف - عليه السلام. أما عن رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم - فقد استخدم الخصائص على نحو قوله ص53: "حققت رغبة (المزمل) ووفت بمنيته". وقوله 15عن القرآن: "ثم دوّن في صحائف وسلم إلى حفصة بنت عمر إحدى الزوجات التسع ل (أول من تنشق عنه الأرض) ". وقوله ص 39: "ظل (سيد الناس وذؤابة العرب) ثلاثة عشر عاما، يدعو ويبشر بالديانة الجديدة". وقوله ص 39: "كعب بن الأشرف الذي ناوأ (المنصور بالرعب مسيرة شهر) ". وقوله ص 47: "أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة (أول شافع ومشفع) ". وقوله ص 160: "وانفرجت أسارير (صاحب المقام المحمود) حين رضوا إذ هم سواعده القوية التي يقهر بها مشركي الجزيرة على أن ينطقوا بالشهادتين وأعضاؤه الصلبة في تأسيس دولة قريش التي طالما تمناها الأجداد المباركون". ويقول عن زينب - رضي لله عنها - ص: "أثيرة للغاية لدى (الذي اختار الرفيق الأعلى) لما تمتعت به من وضاءة وقسامة ورداحة...إلخ".

هذه الخصائص التي يضعها بدل الاسم، تنضح - من خلال سياقها - بالسخرية من مقام النبوة. وطبعا ليس هذا مجرد اتهام من خلال السياق الخاص فحسب، بل هو تقرير لحقيقة تنبع من خلال نصوص الكتاب مجتمعة، بوصفها - في النهاية - رسالة تحاول أن تقول شيئا مضمرا، أكثر مما تقوله صراحة.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد من السخرية بالنبي أو صحبه، بل يتعداها إلى تأكيد بشرية النصوص المقدسة، مقرونا بالاحتقار الحاقد على متلقي النص المؤسس (القرآن)، بل وعلى النص ذاته. وهو يصرح بذلك، كما في قوله ص 223: "والنصوص المقدسة انبثقت من أحشاء مجتمع بالغ الركود والتأخر وتفتحت أكاميمها في بيئة شديدة التخلف والتدني".

إذن، فهو لا يسخر من النصوص المقدسة فحسب، بل يقرر بشريتها وأنها من إنتاج مجتمع حقير في نظره (يقصد مجتمع المدينة إبان النبوة خاصة) يصفه بعد ذلك بقوله ص 318: "ومع هذا ما زال هذا المجتمع (التحفة) يجثم بثقافته وقيمه وطروحاته على عقول وقلوب المسلمين منذ 14قرنا". ويقول عنهم أيضا ص 383: "ان الأفراد أو الفاعلين في مجتمعها أميون مُتبدّون مَلِيطون من كل سمات الحضارة وشارات الثقافة وعلامات التمدن".

هذا الموقف، ليس مجرد موقف من سمات الشخصية العربية، وإنما هو موقف عنصري، نابع من فرعونية يفخر بها جدا، بل هو - في الغالب - لا يذم العرب/المسلمين الأوائل، إلا في سياق الفخر بفرعونيته والغضب لها. يقول: في ص 79: "عندما دعسوا أرض الكنانة بخيولهم المبروكة وغزوها واستوطنوها واستعمروها ونهبوها بقيادة عمرو بن العاص - ذلك الذي فعل الأفاعيل في مصر المحروسة هو وجنوده الأعاريب -". ويقول ص 81: "لأن هؤلاء العرب الأجلاف يخبرنا تاريخهم المجيد بل يؤكد أن الجبن طبيعة فيهم والخسة غائرة في حنايا نفوسهم والنذالة من مقومات تكوينهم".

لا غرابة في أن تصدر هذه الشتائم عن إنسان مريض يعاني من عقد الاضطهاد، وربما مر بمواقف زادت من تأزمه واضطرابه، أو ربما كان خاضعا لتربية غير سوية، قادته إلى استخدام هذه اللغة السوقية التي لا تجد من يلوكها إلا في الحواري الخلفية، وعند الحشاشين والقوادين، وإنما العجب أن تحتفي بعض الصحف المحترمة، كأخبار الأدب، وأدب ونقد، ودور النشر العلمية كدار الجمل ودار الانتشار بمثل هذا العابث، والذي لا يمتلك سوى هذا الكلام الذي يراه صاحبه علما. الجهالة من ناحيتين، جهالة أولية، وجهالة جراء عدم إدراك مستوى ضحالة الذات معرفيا.

التعصب الطفولي للأنا، الذي يدل على بدائية نفسية، وإفلاس معرفي مدقع، يظهر جليا في محاولة نسبة كل إيجابية إلى الذات، ونفيها عن الآخر. وهذا يظهر في موقفه من تحريم لحم الخنزير في الإسلام، إذ يرى أن الإسلام أخذه من بني إسرائيل. أما بنو إسرائيل فقد أخذوه من المصريين. لاحظ الإحساس المرضي في قوله،ص 506: "أما تحريم أكل لحم الخنزير، فقد نقشه بنو إسرائيل من المصريين القدامى أساتذة وسادة العالم آنذاك". والجملة الاخيرة تعبر عن إحساس حاد بالنقص، يتطلب التعويض في كل مناسبة.

أما جهله فيما هو بصدده أي على مستوى المعرفة المبدئية بمفردات بحثه فهي كثيرة. وسأذكر مثالين، لا يخفيان على من لديه إلمام بوقائع السيرة من جهة، وبمنظومة الفكر الإسلامي من جهة أخرى.

الأول: يقول عن سرايا النبي - صلى الله عليه وسلم - ص 78: "وحرص على ألا يؤمر عليها أحدا من غير المنازيح (يقصد: المهاجرين) وخاصة القرشيين لأسباب يدركها اللوذعي...الواقدي يؤكد أنه لم يشرك أحدا من بني قيلة ذ (يقصد: الأنصار) فيها حتى غزوة بدر الكبرى".

صحيح أنه حتى غزوة بدر، لم يتم إشراك الأنصار. لكن السؤال لماذا ؟. خليل عبد الكريم - جراء جهله بمادة بحثه - يرى أن السبب سياسي؛ لأن الهدف من الغزوات ينحصر في إقامة دولة قريش. وإشراك الأنصار في قيادة السرايا يشكل خطرا على الدولة القرشية. طبعا هذا غير صحيح منطقيا، إذ لو كان هذا هو السبب لمنع الأنصار بعد غزوة بدر - أيضا - من المشاركة في السرايا.

لماذا لم يشتركوا قبل بدر، واشتركوا بعدها. السبب الذي يجهله خليل عبد الكريم، مصرح به في بيعة العقبة. فالأنصار كانت بيعتهم على حماية رسول الله - صلى الله عليه وسلم داخل المدينة لا خارجها. وفي بدر، لم يسر للقاء قريش حتى طلب مشورة الأنصار؛ لأن المعركة كانت ستقع خارج المدينة، فبايعوه مجددا على النصرة داخل المدينة وخارجها لهذا، كانوا قوادا لبعض السرايا بعد بدر، نتيجة البيعة الجديدة على النصرة خارج المدينة.

الثاني: يقول في معرض محاولته إثبات حديث لا يصح، ص 196: "هذا الحديث خرّجه النسائي (أحد أصحاب الصحاح الستة) أعلى دواوين السنة مرتبة والذي يماري في ما ورد فيها يشكك في المصدر الثاني ذاته". وهذا جهل فاضح منه. فلا يوجد كتاب حديث، يصحح علماء الحديث كل ما فيه بإطلاق، بل إن هذه الصحاح، صرح علماء الحديث بما فيها من ضعيف، وشككوا في كثير منها بفرزهم لها. وهذا لا يعني التشكيك في السنة كمصدر ثان للتشريع. لكنه جهل فاضح من قبل مدعي العلمية.

إن مقالي هذا الذي اتخذ خليل عبد الكريم مثالا للجهل والعبث الذي تشايعه الإيديولويجا اليسارية، لمجرد أنه يقف في وجه الأصوليات الإسلاموية، ليس مرادا منه أن يقدم نقدا علميا لما كتبه في ما يسميه: مؤلفات. فغاية هذا المقال، لا تجاوز إضاءة السالب في ثقافتنا.

النقد العلمي لا يمكن أن يعاين هذا الخطاب الشتائمي الخالي من أي سياق معرفي ينتظمه، وإنما هذا مجرد تعرية، بل إن التعرية ليست له، فأي قارئ - مهما كان مستواه المعرفي - يستطيع أن يكتشف هذه الضحالة، ولكنها للقراءات التي تشيد به، وتدعي له العلمية، بوصفها تعبر عن أزمة علمية وأخلاقية، تطال خطابنا الثقافي، وتصيبه في الصميم من مصداقيته. ولا شك أن الخطاب الثقافي ليس في حاجة إلى الكثير من هذه المهازل التي تتوسل العلمي زورا وبهتانا.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    فخليل وسلمان رشدي وأمثالهما أمرهم هين لأن حقدهم وجهلهم فاقع اللون ولكن المشكلة في المتلونين والذين يلبسون الحق بالباطل مثل محمد أركون ونصر أبو زيد وأتباعهم وقد أصاب الكاتب في تعليقه عن خليل وعن أمثاله بقوله "لا غرابة في أن تصدر هذه الشتائم عن إنسان مريض يعاني من عقد الاضطهاد، وربما مر بمواقف زادت من تأزمه واضطرابه، أو ربما كان خاضعا لتربية غير سوية، قادته إلى استخدام هذه اللغة السوقية" وبقوله "فأي قارئ - مهما كان مستواه المعرفي - يستطيع أن يكتشف هذه الضحالة، ولكنها للقراءات التي تشيد به، وتدعي له العلمية، بوصفها تعبر عن أزمة علمية وأخلاقية، تطال خطابنا الثقافي، وتصيبه في الصميم من مصداقيته. ولا شك أن الخطاب الثقافي ليس في حاجة إلى الكثير من هذه المهازل التي تتوسل العلمي زورا وبهتانا." فهل نجد من الكتاب من يتفرغ لتعرية أخوان خليل في إعلامنا وخلطهم في المسلمات أشد شناعة لتلونهم والذين قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر.. نتيجة جهلهم المركب.

    د. خالد بن حمد العنقري - زائر

    12:13 مساءً 2007/04/26


  • 2
    الأستاذ محمد
    عهدناك مدافعاً مكافحاً عن الفكر التجديدي المنفتح المتنور على جميع الثقافات العالمية...
    لقد أفحمت كثيراً من المتشددين الإسلاميين بمقالاتك الفكرية والجريئة , واستطعت أن تزيل تلك الهامة القدسية الموجودة على رؤو س المتعصبين.
    فما بالك اليوم غيرت طريقك تجاه النقيض تماماً...
    أعتقد برأيي الخاص أن مثل هذا الدفاع كان يجدر من آخرين , وليس من رجل مثلك ينتظر مقالاته الكثير , من الذين يجدون في كتاباته محاكاة لما في أنفسهم في الدفاع عن الحرية الشخصية...
    واشكرك على إثرائنا بهذه المعلومات.

    علي محمد - زائر

    01:45 مساءً 2007/04/26


  • 3
    في تعقيبي السابق ذكرت أن الجهل البين أوضح في عيون الناس من الجهالة المتلونة...والفرق بينهما شديد وهذا الأمر موجود مع وجود المسلمين من ذرية آدم في الأرض ومن هؤلاء الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض والذين يؤمنون أول النهار ويكفرون آخره... وعلى ذلك نفهم لماذا الاستنكار من محبي الكاتب في تعقيبهم عليه أن ينتقد خليل وأمثال خليل.

    د. خالد بن حمد العنقري - زائر

    07:38 مساءً 2007/04/26



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة