الرئيسية > مقالات اليوم

أريد أن أقول:

المبادرة مقابل الاعتراف


رضا محمد لاري

يتردد في المجال العربي أن الصهيونية بما تحتويه من إلحاد تختلف تماماً عن اليهودية بما تضمنه من إيمان برسالة السماء التي كلم الله بها موسى عليه السلام،

وترتب على هذه التفرقة بين الإلحاد والإيمان وجود يهود لا صلة لهم بالصهيونية وانتماء أناس إلى الصهيونية من غير اليهود، مما يجعل من الصهيونية فلسفة سياسية مستقلة عن الأديان وإن كانت في أهدافها ترمي إلى إعطاء اليهود مكانة مميزة فوق أرض الميعاد التي اتخذت من فلسطين مكاناً لها وسميت بالوطن القومي اليهودي الذي قامت عليه إسرائيل بالفعل يوم 15مايو عام 1948م تنفيذاً لوعد وزير خارجية بريطانيا ارثر بلفور يوم 5نوفمبر عام 1918م.

يتضح من ذلك أن إسرائيل قامت استناداً إلى القوة، وأن زعماء إسرائيل عبر المراحل الزمنية المختلفة يرددون دائماً أننا وجدنا هنا وأننا الأقوى وسنبقى كذلك رغم أنف العرب وما دمنا الأقوى بقدراتنا الذاتية وبمساعدة أصدقائنا الدول الغربية في أوروبا وأمريكا فعلى العرب أن يعترفوا بضعفهم وأن يقبلوا صاغرين بوجودنا فوق أرضهم، وهذا التحدي الصهيوني في ثوبه الإسرائيلي دفع العرب إلى الثورة ضد الوجود الإسرائيلي فوق الأرض الفلسطينية، وأخذوا يكافحون في سبيل تخليص هذه الأرض من الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني لها وهو أسوأ صور الاستعمار في الفكر الإنساني المعاصر.

لم يكتف الإسرائيليون بممارسة هذا الاستعمار الاستيطاني في أرض فلسطين، وإنما أخذ الفكر الصهيوني يعلن عن خطأ العرب في عدائهم لإسرائيل، وأن هذا العداء يرتكز على التخلف الفكري العربي الذي يجعلهم متعصبين ضد الانفتاح الفكري الصهيوني مما جعل العرب يتورطون في معاداة السامية، ودعا الفكر الصهيوني العرب إلى مسايرة معطيات تطور الحياة العصرية وأن يقبلوا بإسرائيل في أرض فلسطين بدون قيد أو شرط، وهذه الدعوة بشكلها المطلق تعني أن يقبل العرب أن يشردوا في ديارهم وأن يرضخوا لاحتلال أراضيهم والموافقة على سلب ممتلكاتهم والانصياع بالموافقة على كل مشروع تريده إسرائيل حتى وان كان يتضمن انتهاكاً لحقوقهم وتعديا على أراضيهم ومساساً بكرامتهم.

هذا المنطق المعوج الذي ترفعه الصهيونية في وجه العرب يتضح فساده وابتعاده عن الواقع العملي بادعاء أن العرب يعادون السامية وهو قول باطل لأن العرب ينتمون في أصولهم العرقية إلى السامية لأن جذورهم تمتد إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فهم ساميون حتى النخاع 100% لا ينكر ذلك عليهم إلا جاهل أو مكابر أو الاثنان معاً والصهيونية تتعمد الأخذ بهذه المكابرة والجهل حتى ينفرد اليهود وحدهم بالسامية الذين تمتد جذورهم إلى اسحاق بن إبراهيم عليهما السلام فهم ساميون حتى النخاع 100% ولكنهم ليسوا وحدهم فالعرب يشاركونهم في هذه السامية، وينادي العرب واليهود بعضهم البعض عبر التاريخ الطويل "بأبناء العم" مما يجعل من معاداة العرب السامية حديث أفك لأنه قضية مستحيلة إلا إذا كان العرب يعادون أنفسهم وهو أمر مستحيل وغير منطقي ولا يقبله العقل.

المطالب الصهيونية من العرب تصطدم هي الأخرى بجدار المنطق الذي يجعل من المستحيل أن يقبل العرب الذل والهوان لأنفسهم، فأخذ الفلسطينيون يكافحون في سبيل استقلال بلادهم ولم تستطع إسرائيل على الرغم من تفوقها بالقوة أن تقضي عليهم أو تخضعهم لحكمها وسيطرتها، ولن تستطيع أن تصل إلى تحقيق شيء من هذه السيطرة بل يتحتم على إسرائيل مواجهة الكفاح الوطني ضدها الذي يخلخل أمنها ويقضي على استقرارها دون أن ينفعها فارق القوة الذي تتمتع به لأن الكفاح الوطني عبر أزمنة التاريخ المختلفة لا يهزم وإنما يحقق دائماً الانتصارات على الاستعمار والاحتلال لأراضيه.

هذا الفهم لطبيعة الأشياء يفرض على إسرائيل التخلي عن الفكر الصهيوني والخرافة التي تمثلها قصص الجدات للاحفاد عند ساعة النوم عن "أرض الميعاد" والسبيل الوحيد أمام إسرائيل الآن هو تحقيق العدالة في منطقة الشرق الأوسط، وعليها أن تفهم بأن انتصاراتها في الحروب السابقة ضد العرب، لن تستمر طويلاً خصوصاً بعد هزيمتها في الحرب مرة في عام 1973م بالانتصار المصري عليها الذي جسده عبور قناة السويس وإعادة الملاحة إليها، ومرة أخرى في عام 2006م بانتصار حزب الله عليها في لبنان وأصبح رئيس الوزراء أيهود أولمرت يعاني أمام الرأي العام الإسرائيلي في داخل "الكنيست" البرلمان، وفي الشارع عبر الصحافة، ومن نتائج هذه الهزيمة حتى الآن فالدلائل كلها تثبت أن إسرائيل إذا لم تحقق بإرادتها العدل في اقليم الشرق الأوسط فإن هذا العدل سيتحقق رغم انفها ولن تستطيع أن تقف في وجهه بكل ما عندها من قوة وبكل دعم تناله من حلفائها الغربيين لأن الشعوب لا تهزم في كفاحها الوطني.

الطريق إلى العدالة في الشرق الأوسط تنظمه المبادرة العربية التي تبناها في مارس 2002م مؤتمر القمة في بيروت وجدد تفعيلها مؤتمر القمة الأخير في الرياض، وقررت اللجنة الوزارية العربية المسؤولة عن مبادرة السلام العربية في اجتماعها بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة تشكيل وفد وزاري عربي يتولى شرح وجهة النظر العربية حول تنفيذ هذه المبادرة العربية للسلام لدول العالم المختلفة مع إيضاح سبل استئناف المفاوضات على جميع المسارات، وتقرر أيضاً أن تتولى مصر والأردن مخاطبة إسرائيل لمعرفة مدى استجابتها للمبادرة العربية للسلام.

تقرر أن تجتمع اللجنة الوزارية مرة ثانية في شهر يونيو من عامنا الحالي 2007م لايضاح ما تم الوصول إليه وطرق تنفيذها ويبدو أن اللجنة الوزارية بدأت خطوات عملية من خلال التعامل مع الواقع القائم بمرونة ومنطق ولم تلجأ إلى التهديد والوعيد، ومن ناحية أخرى بدأت الدول العربية تتحرك بصورة عملية تجاه القوة الكبرى وصوب اللجنة الرباعية مما يجعل الفترة القادمة تموج باتصالات مكثفة مع أمريكا والاتحاد الأوروبي وروسيا وكل القوى الدولية لشرح المبادرة العربية للسلام مع تأكيد رغبة العرب الحقيقية في السلام وأن الدول العربية مستعدة لتطبيع شامل للعلاقات مع إسرائيل واعتبارها دولة طبيعية في اقليم الشرق الأوسط مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلت في يونيو 1967م بالضفة الغربية ومرتفعات الجولان وإقامة الدولة الفلسطينية وأن تكون عاصمتها القدس الشرقية.

يمثل هذا التوجه تطوراً واضحاً في الرؤية العربية بنقل ما تراه إلى الرأي العام العالمي وإلى الدول المختلفة، وكانت كثير من الدوائر الدولية في الماضي بدون هذا الشرح العربي تبني رؤيتها على ما تعرضه إسرائيل التي كانت تتعمد تشويه الأفكار العربية، ومنها المساس بالمبادرة العربية للسلام عندما طرحت على المستوى الدولي بقمة بيروت في عام 2002م، أما اليوم فإن مخاطبة العالم بالأفكار العربية مباشرة وبالاتصال مع الرأي العام العالمي والدول المختلفة يزيد من احتمالات نجاح المبادرة العربية للسلام ولن تستطيع إسرائيل فتح أبواب التفاوض عليها لتعيدها إلى نقطة البداية فإما أن تأخذ بها وتصبح دولة مقبولة باقليم الشرق الأوسط وإما أن ترفضها ويستمر الكفاح الوطني الفلسطيني والعربي ضدها بالهزائم المحتملة عليها لأن الشعوب كما هو ثابت في التاريخ عبر العصور المختلفة لا تهزم أبداً.. ويقول العقلاء من اليهود في إسرائيل أن المبادرة العربية للسلام في صالح إسرائيل لأن القبول بها يحقق الاعتراف العربي الشامل بها.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    بسم الله
    أخي الكاتب.. تحليلك جدا رائع ومنطقي ولكن لي تعليق يوضح شيئا لم تذكره وهو أن إسرائيل هي المنتصرة من انهزاماتها التي ذكرت ! ستقول لي كيف ذاك ؟؟
    سأعطيك نقاطا برؤس اقلام وعليك ايجاد الديباجة لها..
    1- كان هناك مقولة يرددها الصهاينة ورددها العرب ايضا وهي ان كل من الطرفين سيلقي بالاخر في البحر ليخلو له وجه الارض.
    2- لم يتم الاعتراف بدولتهم من قبل جميع الدول العربية والاسلامية في بداية الامر..
    3-حين عقدت بعض الدول صلحا ( لاحظ هذه بقوه صلحا ومعاهده بغض النظر عن الاسباب ومن كان بنظرهم او نظرنا منتصرا ) هجرت هذه الدول وقوطعت من قبل الدول العربية..
    3- الاعلام ليل نهار يتحدث عن عدو ( ولك ان تتخيل وقع كلمة العدو الصهيوني على مسامع طفل يمثل جيلا كاملا ) ويسبه ويصفه باقبح الاوصاف والشنائع ثم الان نفس الاعلام يتحدث عن تطبيع بشروط..
    4- دول لم تدخل في معترك مباشر عسكري او سياسي مع اسرائيل ( مثل بلدنا الغالي ) ثم تكون هذه الدول هي من تتبنى مشروع تطبيع وتتحدث عن مكاسب للطرفين... آخذا في الاعتبار ان المملكة لها ثقلها ووزنها في العالمين العربي والاسلامي في هذا الشان..
    5- دول كانت تخطب ود اسرائيل سرا والبعض الاخر حياء.. الان اصبح واضحا للعيان بل ان هناك من هم في السلطة يدافع عن هذه العلاقة التي يصفها بالصديقة اكثر من بعض الدول العربية ( وهم يلمحون..).
    الان ليس في اعلامنا ما يصفهم بالعدو الاسرائيلي بل واصبحنا على نغمة جديدة نسمعها تتردد في اذهاننا صبح مساء وهي التطبيع...ولا ادري كيف اخترع هذا المصطلح ولكن الا ترى اخي الكاتب ان ذالك الجيل اللذي سمع كلمات العدو وقرا في الصحف عن خونه تعاونو مع هذا العدو باتفاقيات وتعاون تجاري يسمع الان ويقرا عن مستقبل زاهر بالتعايش مع هذا الصديق الجديد اللذي لا يفصل عن صداقته سوى ان يقبل بهذه المبادرة.
    6- نغضب حينما نرى الاخوة الفلسطينيين يختلفون فيما بينهم ونغضب اكثر حين تكون هناك اتفاقيات تسلبهم بعض حقهم وهم يرتضون ثم لا نلوم انفسنا بهذا التوجه الجديد من صنع هذه الصداقة...
    لقد صنعتم التشتت في في اذهاننا وذلك عن طريق هذه التناقضات فاين نقف ؟؟!!!
    هل استطيع ان احصل منك على اجابة لهذه الاسئلة لو تفضلت مشكورا اخي الكاتب.

    عبدالعزيز - زائر

    12:36 مساءً 2007/04/26



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة