
لم أكن أتوقع أن يكون للصورة دور غير رصد اللحظات الماتعة والذكريات الجميلة حين تتأملها بعد سنوات من التقاطها ونقرأ تفاصيل تلك المرحلة بل ربما يسخر البعض من ملامحنا القديمة وقصات شعرنا وملابسنا العتيقة ونسترسل في الضحك بعد أن تشحذ فينا الصور اطلاق النكات والقفشات ونسج القصص الساخرة، إلى هنا كان دور الصورة في الماضي، ولم نفكر أن تكون لها دور تاريخي.
إلا أن الصورة في معرض سيرة الملك سعود بن عبدالعزيز - يرحمه الله - (أبوخيرين) والمقام بمركز الملك عبدالعزيز الثقافي كانت تشكل ارثاً تاريخياً ووثيقة دونت مرحلة هامة من مراحل تطور المملكة سياسياً ووطنياً واجتماعياً واقتصادياً.
لقد كانت الصورة حديثاً يهمس في أذن من ينظر اليها ويتأملها لتقول له: أنا وثيقة هامة وليس فلاشاً سريعاً ينتهي مع انتهاء ذلك الضوء الخاطف، انما أنا شاهد اثبات على من احتضنهم داخل اطاري.
إن معرض (أبوخيرين) جاء ليقول لهذا الجيل وأنا أحدهم: انك لا تعرف عن رجل بهذه القامة الكبيرة حكم المملكة أكثر من عقد من الزمن، إلا ا نه ثاني ملوك الدولة السعودية فقط؛ بل كان هذا الملك صاحب ريادة بكل ما تحمله هذه الكلمة، وصاحب أوليات تصب في مصلحة الوطن، ومبادرات جعلت من المملكة دولة ذات ثقل سياسي بين الدول بل رسَّخ مكانتها في المحافل الدولية.
ثم وأنت تتجول في هذا المعرض لا تملك إلا أن تدين نفسك.. وتعترف بجهلك وتقول في داخلك: كيف غابت عني هذه المواضيع الوطنية والحقائق التاريخية والسياسية الهامة والتي لم أمر عليها من قبل في كتاب أو صحيفة.
لقد توقفت متأملاً كثيراً من الصور التي برهنت على دور الملك سعود - يرحمه الله - القيادي في كثير من الظروف التي اجتاحت العالم العربي وعصفت به، وكيف كان دوره في مواجهة الخطوب وإدارة الأزمات، بل رأيته شامخاً في منصات الشرف الدولية ورأيته صلباً في مواقف عاصفة لا تعرف اللين. ورأيته عطوفاً باسماً في مواقف إنسانية مترعة بالحب، ورأيته قائداً عسكرياً يقف ببز ته العسكرية أمام قواتنا الباسلة، ورأيته يضع حجر الأساس لأكثر من مشروع تنموي وطني، ورأيته خاشعاً متبتلاً بلباس الاحرام يقبل الحجر الأسود، ورأيته فارساً شهماً يمتطى جواده متقلداً سيفه متوشحاً بندقيته يخوض مع والده الملك المؤسس - يرحمه الله - مواكب الفتح، ورأيته في أبهة المُلءكء وجلال السلطان يقود مواكب العز والسؤدد.
ويتجلى الدور الريادي في عهده - يرحمه الله - في تأسيس مجلس الوزراء عام 1373ه الذي يضم أبرز الخبرات السياسية والوطنية والاقتصادية، اضافة إلى انشائه جملة من الوزارات الهامة كوزارة الداخلية ووزارة المعارف ووزارة الصحة ووزارة الزراعة ووزارة المواصلات، كما أيد - يرحمه الله - تعليم الفتاة في وقت مبكر فأمر لها بفتح المدارس وتأسيس المعاهد، وظهر دوره الإصلاحي والاجتماعي في الغاء الرق وتحرير جميع الأرقاء، وغير ذلك من الصور التي كانت تبوح للزائرين عن جلائل الأعمال التي أنجزها (أبوخيرين).
بقي هنا ألا اغمط الناس حقهم، فقد كان لأبناء جلالته الأمراء والأميرات الدور البارز في ضخ هذه المعلومات والافراج عنها لرواد المعرض، وأخص هنا بالذكر ابنته البارة الأميرة فهدة بنت سعود التي كان لها أكبر الأثر في انجاح هذا المنجز الكبير كبَر صاحبه، وإن كنت أود أن تتكرر هذه التجربة الناجحة لهذا المعرض في كل مناطق المملكة، حتى يستوعب النشء الجديد الدور المحوري الذي قام به الملك سعود - يرحمه الله - والعبء الذي حمله في مواصلة مسيرة التنمية والمحافظة على المكتسبات التي تحققت على يد والده الملك عبدالعزيز - يرحمه الله.
وهنا أتذكر الشاعر أحمد الغزاوي حين وقف منشداً أمامه:
كأنك حينما أقبلت "غيثٌ"
و"نورٌ" دونه فَلَق الصّباح
جوانح أمة، وهتاف شعب
هما ما شئت من حب قُراح
(إمام المسلمين) لك التهاني
بألسنة (الصحائف) و(الصفاح)
اعدءتَ محاسن "الخلفاء" طراً
ولم تبرح تبشر بالصّلاح
وأوسعت البلاد - ندى، وفضلاً
وايثاراً - بأخلاق سماح
وفيكم صح قول "جرير" حقاً
وقد لَهَجَتء به شتى الصّحاح
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطونَ راح