تمثل مجزرة جامعة فرجينيا تيك - التي وقعت الأسبوع الماضي - فاجعة عظيمة. وألم تلك المصيبة ليس مقصورًا على أسر الضحايا ومجتمع الجامعة فحسب، بل إنها تشمل بقية الجامعات والولايات الأمريكية والمدن الأخرى. ووقوع تلك الجريمة في مكان معين هو الجامعة كان مجرد صدفة لأن تلك الجريمة ممكن أن تحصل في أي موقع؛ فكثيرة هي الجرائم التي تقع في المطاعم والملاهي والأندية والشوارع والأسواق والمدارس والبيوت.
والحقيقة أن حدوث جرائم القتل والاعتداء في عدد من الولايات الأمريكية يمكن أن تحصل في أي لحظة وفي أي موقع؛ فالجرائم في الغالب ليست مرتبطة بزمن معين أو بمكان محدد. صحيح أنها يمكن أن تزداد في فترة زمنية معينة وفي بعض الأماكن لأسباب موضوعية تخص المجتمع والنظام في الغالب، ولكن ليس ثمة ما يجعل مكانًا مخصوصًا أو زمانًا معينًا محصنًا من وقوع الجريمة سواء كبرت الجريمة أم صغرت. وهذا الكلام يصح على مختلف البلدان والأماكن والتجمعات البشرية على الأرض؛ ولكن لكل مجتمع من المجتمعات قيمه وأنظمته وشرائعه التي تحدّ من الجرائم أو تقلل منها أو تتلافاها وربما في بعض الحالات تقضي على نسبة كبيرة منها.
ويهمنا في هذا الموضوع ما يتعلق بالوقاية من الضرر ومحاولة تلافي الخطر قبل وقوعه على الطلاب والطالبات الذين يدرسون في أمريكا ويعيشون في مجتمع جديد ويتعاملون كل يوم مع ثقافة تبدو مختلفة في بعض أشكالها.
ومن أبرز الأمور التي يمكن التنبه لها هو أن يؤخذ أي تهديد لفظي أو سلوكي يصدر من أي شخص بجدّية وباهتمام عالٍ للغاية، لأن ذلك التهديد سيقع لا محالة وليس مجرد مزحة عابرة أو محاولة تخويف كما هي الحال في ثقافتنا. وبالمناسبة فإن السلطات الأمنية والمسؤولين والمجتمع بأكمله لا يتهاون أي منهم في كلام الناس فيصدقون ما يتفوه به الشخص أو يكتبه ويتعاملون مع ذلك الأمر بوصفه حقيقة حتى يثبت خلاف ذلك. ولهذا فإن الناس تسير وفق هذه المنظومة، فنادرًا ما نجد أحدًا يكذب أو يبالغ في الأمر أو يحاول تلفيق القصص لكي يظهر بمظهر معين؛ ولو ثبت عليه ذلك فإن النظام لن يتهاون معه وسيحال إلى المحكمة ويعاقب. ولهذا فإن الغالب على الناس في أمريكا الصدق حتى في مشاعرهم السلبية، فحينما يقول شخص بأنه يريد قتلك؛ فيجب أخذ هذا الكلام مأخذ التهديد وإبلاغ الشرطة فورًا بعد اللجوء الفوري إلى مكان آمن.
وفي مقابل ذلك لابد من الحذر عند التعبير عن المشاعر السلبية؛ فإطلاق أي تهديد على أي شخص سوف يؤخذ بالحسبان وستتعامل معه السلطات الأمنية بكل جدّية ولن ينفع الطالب السعودي الاعتذار بأنه كان يمزح أو يريد التعبير عن غضبه. ويمكن الإشارة هنا إلى قصة أحد المغتربين العرب من الجنسية اليمنية حينما هاتف إحدى الصحف المحلية في مدينته غاضبًا من نشر صور سجن "أبو غريب" في وقتها؛ ولمّا لم يجد الاستجابة التي يؤملها شتم الصحيفة والموظف مهددًا بأنه سوف يطربقها على رأسه. ورغم أننا في ثقافتنا العربية لا نعطي مثل هذا التهديد قيمة لأننا نعرف أنه مجرد تعبير عاطفي إلا أن المحكمة اعتبرت ذلك التهديد جديًا ويتضمن النية نحو تفجير المبنى، وقد حكمت على ذلك الرجل بالسجن عدة سنوات.
وفي بعض الحالات يمكن أخذ الحيطة بالابتعاد عن المواقع التي تسمح بوقوع الخطر بنسبة أعلى، ومن ذلك أن الطالبات المحجبات يمكنهن اختيار مواقع في أطراف الفصل الدراسي لتلافي ماحصل من مشكلات في السابق ضد المحجبات حينما طعنت رؤوس بعضهن بالقلم أو بأداة حادة نتيجة كره عرقي أو ديني. كما يمكن أخذ الاحتياط فيما لو عبّر شخص عن كرهه لك، أو امتعاضه من مظهرك، أو شعوره بالتقيؤ حينما يسمع اسمك أو يسمع بلدك، أو تشبيهه لك بالبرغوث أو باللص، أو بإطلاقه صرخة بعد خروجك من عنده أو بعد خروجه من عندك للتعبير عن توتره.
وفي المقابل فإن فهم هذه الثقافة يقتضي من السعوديين أن يغيروا في سلوكهم، فما يصلح في ثقافتهم قد لا يصلح بالضرورة في ثقافة غيرهم؛ وهنا لابد عليهم من الكف عن الكذب وعن المبالغة في الأحاديث وعن جلب قصص غير واقعية والادّعاء بأنها واقعية أو محاولة إشعار الغير بأنهم أثرياء أو أنهم من أبناء الذوات أو غير ذلك من السلوك السلبي الذي يعتقد أصحابه أنهم يبرزهم في مظاهر مفيدة، لكنه في واقع الأمر سيجني عليهم ويجعلهم مثار السخرية.
والواقع أنه لا توجد علامات شكلية معينة يمكن الاستدلال بها على شخصية المجرم، ولكن ثمة سمات سلوكية قد توحي بنمط الشخصية العدوانية. ويمكن لمن يوجد في أمريكا أن يتابع برنامج "الجريمة" التلفزيوني لكي يبني من خلاله خبرة جيدة عن المجرمين وسماتهم ووسائلهم في تنفيذ جرائمهم ضد الضحايا لعل ذلك يعطيه معرفة تجنبه الوقوع في الخطر.
والخطر نوعان، أحدهما مرتبط بالصدفة حينما يوجد الشخص في المكان الخطأ وفي الزمن الخطأ كما هو الأمر في فاجعة فرجينيا. وهناك خطر آخر مرتبط بالشخص، ويكون مصدر الخطر قادماً إليه من معارفه أو ممن تربطهم به علاقة قوية. وهناك من يعزم الضيوف إلى منزله ويظهر لهم الحفاوة والإكرام استنادًا إلى ثقافته، وهناك من يقدر هذا الكرم، ولكن في المقابل هناك من يجد في هذا الكرم ملامح الثراء في مضيفه فيقرر قتله والاستيلاء على أمواله؛ وقد يكون الدافع نفسيًا أو استغلاليًا أو ردة فعل على سلوك صادر ضده.
1
تحليلك دقيق وكلامك جاء في محلة
فالناس في امريكا لا تقدر ان تتنبأ بسلوكهم فقد يكون الشخص وديعا وهادئا جدا ولكنه في يوم وليلة قد يصبح قتال قتلاء ومجرم عتيد.
وآسف لحال الطلاب السعوديين وغيرهم ممن لا يفهمون هذا المجتمع وناسه وثقافته وظروفه التي يمر بها هذا الزمن،
لكن مقالتك تعطي هؤلاء شيء من البصيرة او القيادة لكي يضعوا بعين الاعتبار الخطر دائما ويتلافوه دوون ان يقعوا فيه او على الاقل يتورطوا فيه من دون وعي او من دون قصد.
ولك أجزل تحية
06:55 صباحاً 2007/04/22
2
ويرجعهم سالمين من بلاد الغربه
08:20 صباحاً 2007/04/22
3
طلابنا بحاجة ماسة جدا جدا لمثل هذه النصائح الذهبية التي تساعدهم على مواجهة المصائب والعقبات التي تمر بهم في بلد الغربة
ولهذا أشكرك على هذا الطرح الوطني المفيد والعملي
نفع الله بك
08:53 صباحاً 2007/04/22
4
الله يجزاك خير على هذا الطرح الجميل ومعالجة القضية بشكل سهل ومستوعب
وبالنسبة للشباب المبتعثين يحتم عليهم سنهم وظروفهم الاحتكاك بالاخرين فهل تعتقد ان وزارة التعليم اعطت هؤلاء المبتعثين ندوة اودورة تشرح فيها للمبتعث عن ثقافة البلد الذي سوف يدرس فيه المبتعث (ولمدة لاتقل عن اربع سنوات) امل من الوزارة التعامل مع هذه الامانة التي كلفت بها بالتوعية الكاملة والتوجيه الصحيح
10:00 صباحاً 2007/04/22
5
لا احد ينكر تجربة الدكتور المتواضعه/ ناصر الحجيلان في الولايات المتحدة الامريكية وحرصة الشديد على اخوانه السعوديين المبتعثين فشكرا لك
10:43 صباحاً 2007/04/22
6
مقالة ممتازة حوت المفيد للطلاب والطالبات المبتعثين
نتمنى لهم التوفيق والسلامة من كل شر
ومن أمن حذر ومن حذر سلم
والله الموفق
07:22 مساءً 2007/04/22
7
حفظ الله المؤمنين من كل شر وهذا واقع الغرب معنا بعد احداث الحاديه عشر من سبتمبر والكراهيه واضحه او اعتقد انها اكثر وضوح من ذي فبل ولكن نصيحتي الى الشباب عدم الذهاب حالياً لامريكا الا اذا غيرت من وضعها والحمدلله ان استخراج الفيزا معقده وحجز المواعيد بالشهور ومقابله شخصيه وعدم وجود رد على الموعد وهذه رحمه من رب العالميين
والمقال يحكي واقع حقيقي مصور من كيفيه التعامل مع المقيم المسلم
تحياتي سيدي
10:18 مساءً 2007/04/22
8
شيء يدمي له الفؤاد
ولكن لانقول الا أعان الله المتغربين عن اهلهم ووطنهم ونسأل الله ان يردهم سالمني.
وأشكرك ياكاتبنا العزيز الحجيلان على ملامسة الهم الوطني والروح الانسانية التي تتمتع بها مقالاتك الجميلة.
وفقك الله
12:41 مساءً 2007/04/24
سجل معنا بالضغط هنا