الرئيسية > الرأي

قراءة في خطاب المليك

ثوابت راسخة ومنهج عمل دؤوب



أ.د. محمد بن حسن الزير

حين يتحدث ولي الأمر الى مواطنيه، يكون الحديث في أعلى درجات الأهمية، وحين يكون حديثه موجهاً إلى الأمة من خلال منصة مجلس الشورى يجب أن تكون درجة الإنصات والانتباه والوعي بمضامين هذا الحديث في أعلى مستوياتها، وذلك لما يترتب على هذا الانتباه والوعي من تحقيق الغرض الإبلاغي الفعال، ولكي يحدث الخطاب الموجه الهادف أثره المطلوب؛ وليكون حلقة مهمة من حلقات الفعل البناء في مسيرة الإنسان المواطن وفاعليته الوظيفية والحضارية.

لقد استمعت كغيري من مواطني هذه البلاد السعيدة إلى خطاب الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - الموجه إلى الأمة عبر مجلس الشورى، ثم قرأت خطابه الموسع الذي تم توزيعه على أعضاء المجلس الموقر.

إن مواطن هذه البلاد ليحس بالسعادة أكثر من مرة وهو يقرأ مثل هذا الخطاب من ولي أمره.. يحس بالسعادة وهو يجد نفسه مسلماً مستسلماً لله بالطاعة والخلوص له من الشرك، ويحس بالسعادة.. وهو يجد نفسه مواطناً في دولة إسلامية، تحقق الظروف المناسبة للمحافظة على إسلامه، وترسيخ ثوابته، وتسعى بجد لرعاية مصالحه، وتنمية حياته في مجالاتها المتنوعة في شمول وواقعية.وتوازن، فتتناغم في نفسه وفي واقعه، مشاعر الرضا والاطمئنان، ومظاهر الفعل والتجاوب لتأدية دوره المناط به في مسار المسؤولية المشتركة.

إن القارئ لخطاب الملك - يحفظه الله - ويسدد خطاه، ويؤيده في مساعيه لخدمة الدين والوطن والأمة - يجد أنه أمام خطاب مميز بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

- تميز بدرجة الحساسية العالية بالمسؤولية وعظم الأمانة.

-- وتميز بالصراحة والوضوح والشفافية.

- وتميز بالشمولية والواقعية ورسم معالم المنهج الصحيح.

- وتميز بالتركيز على أهمية دور المواطن ومسؤوليته.

لقد جاء خطاب الملك عبدالله، بحق متوازناً واضح المعالم، معبراً بصدق ويقين عن رغبة عميقة في النهوض بواجب المسؤولية، واتجاه بقوة بالفعل الصالح نحو المستقبل الواعد بالازدهار والعطاء، بإذن الله تعالى.

العزة بالإسلام:

إن القارئ حين يستعرض هذا الخطاب الكريم الذي ألقاه الملك - يحفظه الله - أو في النسخة الموسعة ليجد أن أول ما يلفت انتباهه، أمر في غاية الأهمية، وذلك هو الأساس المكين لهذه الدولة السنية، إنه "ترسيخ ثوابت الدولة" وهو اعتزازها بدين الإسلام، وأنه المنهج الذي قامت على أركانه دعائم الدولة، وعلى أساس عقيدته التوحيدية، قامت وحدته تحت راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" التي تداعت حولها العصبيات والنعرات وسقط منطق الظلم والبغي.

شراكة في المسؤولية وشراكة في الدور

أكد الخطاب على أن المسؤولية مشاعة بين القيادة والمواطن، وهو واجب مشترك: "ما دورنا نحن الأبناء والأحفاد تجاه تلك الأمانة الثقيلة؟ ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت بأن دورنا يضاعف علينا المسؤولية ويفرض علينا أن نبني فوق ما بنى أوائلنا لذلك على كل واحد منا في هذا الوطن أن يتصدى لدوره مع المسؤولية المشاعة بيننا "وأن هذه المسؤولية المشتركة بين الجميع تفرض على كل مسؤول تقلد أمراً من شؤون هذا الشعب الكريم مسؤولية القيام بأمانته" وشدد الخطاب الملكي على أهمية القيام بالأمانة واستشعار أن هناك مساءلة له تجاهها أمام الله ثم أمام ولي الأمر: "وليعلم كل مسؤول بأنه مساءل أمام الله سبحانه وتعالى، ثم أمامي وأمام الشعب السعودي عن أي خطأ مقصود أو تهاون".

إن هذا الوعي بالمسؤولية المشتركة، سيتجه بالفعل الى الجدية والعطاء: "إن العطاء يكون بالأفعال لذلك سنسعى بشكل جاد تجاه تنمية شاملة تتحقق معها بإذن الله آمالنا وطموحاتنا وذلك لا يتحقق إلا بمشاركة الجميع: الموظف في عمله، والمعلم والمعلمة في مدرستهم، والعامل في مصنعه، والفلاح في مزرعته، وجنودنا البواسل في ساحاتهم، وكل مواطن في مجاله".

ولقد كان - حفظه الله - موفقاً وهو يختم كلمته بقوله "بكم بعد الله أشد أزري مستعينا بتقوى الله وعونه، ويشهد الله على ذلك".

العدل أساس الملك:

لقد جاء خطاب الملك عبدالله - حفظه الله - واضحاً قوياً في التركيز على مبدأ العدل الذي هو أساس الملك، ودعامة استقراره القوية، لقد كانت عبارته قوية مدوية وهو يقول: "ومن هذا المكان أقول لكم من حقكم علي أن أضرب بالعدل هامة الجور والظلم وأن أسعى الى التصدي لدوري مع المسؤولية تجاه ديني ثم وطني، وتجاهكم وأن أدافع بكل قدرة يمدني بها الخالق جل جلاله، كل أمر فيه مساس بسيادة وطني ووحدته وأمنه واضعاً نصب عيني الأمانة التي حملني إياها العزيز القدير".

الفعل الجاد لتحقيق التنمية الشاملة:

ومن أهم العناصر التي ركز عليها خطاب خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - مسألة (الفعل الجاد، وأن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي، فقال "إن العطاء يكون بالأفعال لذلك فإننا سنسعى بشكل جاد تجاه تنمية شاملة تتحقق معها بإذن الله آمالنا وطموحاتنا، وذلك لا يكون إلا بحركة لا تعرف الوهن، وتطور لا يقبل الجمود"، وقال يحفظه الله: "إن طموحاتنا وآمالنا تحتاج منا عزيمة صلبة لكي نحقق تلك الآمال في مسيرتنا الواعدة (بإذن الله) متكلين على الله لخدمة الوطن الذي لن يخذله المخلصون من أبنائه إن شاء الله".

أهمية حماية الوطن ومنجزاته والمحافظة على وحدته وتعميق مضامينها:

ولفت أيده الله الانتباه الى ما يواجهه الوطن الغالي من ظاهرة الإرهاب، وما تحمله من آفة تنال من الإسلام في أذهان غير العارفين بحقيقة الإسلام، وبراءته من هذه الضلالات الفكرية، والانحراف في الفهم، والبعد عن إدراك مقاصد الإسلام، فقال حفظه الله: "ومما يؤسف له أن ينسب إلى الإسلام (دين الرحمة والألفة والمحبة والتسامح والوسطية والسلام) أعمال إجرامية تمارس البغي والعدوان، فقد سعى مرتكبو تلك الأعمال الى زعزعة الأمن والاستقرار في أهم معقل للإسلام بيد أننا نؤكد لكم أن التماسك، والتعاون بين الشعب والحكومة، ويقظة الأجهزة الأمنية وشجاعة رجالاتها سوف تقف بعون الله بالمرصاد لتلك الفئة الضالة".

دستور عمل وتنمية متوازنة في ظل الأمن:

إن مضامين كلمة خادم الحرمين - أيده الله بعونه وتسديده - جاءت وافية عميقة شاملة، بحيث تمثل دستور عمل متكامل في تأسيس المنهج الصحيح في المنطلقات الميدانية الأساسية، وفي البرنامج العملي الشامل لأبعاد المسيرة في مواقعها المتعددة، وفي استهداف المواطن غاية ووسيلة.

ونوه بانطلاقة خطة التنمية الشاملة لتجسيد انطلاقة جديدة في مسار التنمية، وأنها "قد أعدت وفق منظور استراتيجي يهدف الى تحقيق التنمية المستدامة" ولفت الانتباه إلى أوليات الخطة التي تم التركيز عليها وفي مقدمتها:

- المحافظة على القيم الإسلامية.

- وتعزيز الوحدة الوطنية وأمن الوطن واستقراره الاجتماعي.

- رفع مستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل وتنمية القوى البشرية.

- وتنويع القاعدة الاقتصادية.

- وتحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة.

- وتطوير منظومة العلوم والتقنية.

ونوه حفظه الله بأهمية - الأمن - لضمان الاستقرار وتحقيق التنمية: "إن الأمن والأمان هما أهم أركان الاستقرار في المجتمع وأهم مطالب التنمية وهذا يجعلنا عازمين وبكل حزم على التصدي للإرهاب ومظاهره مهما طال الزمن".

في المجال السياسي في الداخل والخارج:

وتناول خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - في خطابه الضافي أهم القضايا في المجال السياسي في الداخل فقد أشار الى اصدار هيئة البيعة لتعزيز البعد المؤسسي في تداول الحكم، ومجالس البلديات، وزيادة عدد مؤسسات المجتمع المدني، وتشكيل هيئة حقوق الإنسان، وقيام مركز الملك عبدالعزيز بنشر ثقافة الحوار في المجتمع.

كما نوه باستمرار الدولة بعون الله في النهج التنموي التطويري في الداخل، وانطلاق المشاريع الوطنية المهمة، مثل المشروع الشامل لتطوير التعليم، والمدن الاقتصادية الكبرى، ومنظومة العلوم والتقنية، وهيكلة القضاء وتطويره، وإنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد ومكافحة البطالة وهذا يؤكد على النهج الإصلاحي المستمر الذي تسير عليه المملكة، وتسعى لتحقيقه في مجالات الدولة ومرافقها المختلفة.

وعلى المستوى الخارجي، أوضح - حفظه الله - موقف الدبلوماسية السعودية في التعامل مع القضايا والمسائل التي تواجه المنطقة والعالم العربي والإسلامي، والعالم بصورة أعم، وأوضح للأمة ما تبذله المملكة من جهود لمواجهة ما تمر به المنطقة من مرحلة خطيرة، وبذل الحلول السلمية، ودرء التهديدات والمخاطر في ضوء تعاليم الإسلام، وروح المسؤولية.

وانطلاقاً من أهمية مكانة المملكة ومسؤوليتها في العالم الإسلامي والعربي كانت المملكة تبادر وتشارك وتقود العمل المشترك بالتشاور والحوار، واستضافة المؤتمرات واللقاءات، وتفعيل أسس التعاون للتصدي لمخاطر الفتنة والصراعات المذهبية، والنزاعات الطائفية، وهي تقوم بذلك مع المحافظة على سياستها الثابتة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى بأي حال من الأحوال..

كما بذلت المملكة كل ما تستطيع في سبيل مواجهة التحديات التي تعاني منها الأمة، فاستضافت القمة الاستثنائية في مكة، وتسلمت رئاسة قمة مجلس التعاون، ورئاسة الدورة الحالية للقمة العربية، وجمعت الاخوة الفلسطينيين على مائدة الحوار في مكة المكرمة برعاية خادم الحرمين الشريفين، ودائماً تظل القضية الفلسطينية محور تحرك المملكة السياسي على الساحات الإقليمية والدولية قديماً وحديثاً منذ عهد المؤسس الى عهد خادم الحرمين الشريفين (الملك عبدالله).

واستعرض - حفظه الله - في كلمته الشاملة، جهود المملكة ومساعيها في كثير من القضايا المهمة الأخرى مثل المسألة اللبنانية، والوضع العراقي المؤلم، وقضية دارفور، والشأن الصومالي وكذلك الملف النووي في المنطقة، وقد تناولها بعبارات شفافة صريحة وجلّى مواقف المملكة وجهودها وسياستها في كل ذلك.

وبروح عالية من المسؤولية تجاه بعض القضايا على المستوى العالمي، بيّن - حفظه الله - سياسة المملكة في مجال البترول - وما تتبناه المملكة من نهج عادل يحقق مصلحة جميع الأطراف ويضمن الوفاء بالتزامات المملكة تجاه اقتصادها وتجاه الاقتصاد العالمي، ومراعاة مصلحة المنتج والمستهلك في الوقت نفسه.

وفي إطار هذه الروح المفعمة بدرجة عالية من الإحساس بالمسؤولية، تسعى المملكة لتجنيب السلام العالي مخاطر التحديات، والنزوع الى الصدام والمواجهة، وتعمل من أجل الوصول الى: "موقف دولي مشترك يسعى الى تعزيز التعاون والتآلف بين شعوب المعمورة ويصون القيم والمقدسات، ويحفظ مقام الرسل والأنبياء" وقال في ختام كلمته: "إن المملكة العربية السعودية دولة محبة للسلام تنشد العدل وتحترم حقوق الإنسان وتعمل على تسخير ما حباها الله من نعم عديدة لتحقيق تطلعات شعبها وتطلعات الشعوب العربية والإسلامية، ضمن مفهوم إنساني مشترك يجمعها مع كل الشعوب المحبة للخير والسلام".

حفظ الله بلادنا من كل سوء، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ قيادتها الرشيدة، وسدد على طريق الحق والخير خطاها لتواصل مسيرتها الناهضة، وتحقيق رسالتها السامية، والرقي بشعبها وأمتها إلى مواقع الرفعة والعزة بعون الله وتوفيقه.

@ مدير المعهد العربي الإسلامي في طوكيو

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة