من لقاء سابق للدكتور علي فخرو وزير الصحة ووزير التعليم الأسبق في البحرين مع أحمد منصور في برنامج (بلا حدود) منذ عام كامل نجد أن الدكتور علي فخرو هو بحق مفكر عربي تخصصه في الطب والقلب كاستشاري ثم في التعليم ثم رئيساً للهيئة التنفيذية للجامعة العربية المفتوحة وسفيراً في فرنسا وبلجيكا واسبانيا وسويسرا واليونسكو، واليونسكو منحته بعداً فكرياً وثقافياً وحساً وطنياً قلما يتوفر لمن هم في مثل دوائره.. فهو يشرح الواقع العربي والخليجي بعمق وذهنية واعية وحس وطني قوي.. يتحدث عن هذا العالم النفطي الذي نعيشه سواء في الطفرة الاولى التي كانت بين عامي 1975- 1985م من القرن الميلادي الماضي وكيف استنزفتها حرب العراق وايران ثم حرب الخليج الثانية وفي قنوات بعيدة عن الاستثمار الفعلي بشكل عام ولهذا كان مهماً ان يتم الآن الاستفادة من الطفرة الثانية بعد عام 2005م.. وهي الفرصة التاريخية التي ينبغي أن تستثمر استثماراً خليجياً وعربياً فالأرقام تتضاعف فالبحرين مثلاً كما يقول كانت ايرادات النفط فيها حوالي مليارين وأصبحت في عام 2005م 6مليارات وهكذا معظم الدول المنتجة للبترول وهي بشكل عام قد تزايدت ايراداتها ثلاثة أضعاف الانفاق الحقيقي لها..
ورغم أن هناك استثماراً من هذه الايرادات سابقاً - كما أرى - سواء في برامج الصحة والتعليم والبنية التحتية ولكن الآن مقابل هذه الطفرة ما الذي ينبغي التعامل وفقه. ونحن نواجه هذا الانفاق الرهيب في موضوع العقارات الضخمة والزيادة الرهيبة في أسعارها.. وبعض هذه العقارات والمدن والمجمعات التي تبنى في معظم دول الخليج مثل الامارات نجد أنها مجمعات للترفيه والاستجمام والراحة وأسعارها تفوق الخيال.. بل كما يقول الدكتور علي فخرو ايضاً عن هذا التوجه للاستثمار في هذه المدن والمباني الشاهقة في لقاء آخر معه بث من قناة الشارقة منذ أسابيع فقط أنها بأسعارها التي تبلغ ما بين 5الى 7ملايين دولار ثمناً للشقة الواحدة.. فمن يستطيع من المواطنين الخليجيين أن يشتري هذه الشقق؟؟ وهو يستطيع - لمن يملك - أن يشتري بها قصراً في أي مكان في العالم؟
إذاً من سيشتري لن يكون سوى أغنياء من الخارج.. ولهذا يرى انه مهم ان نعيد النظر في هذه الاستراتيجية لاستثمار هذه الطفرة فيما يعود بالنفع على المواطنين على المدى الطويل وللمستقبل القادم..
فهذه الطفرة النفطية لن تتكرر كما أن احتياطي دول الخليج 45% من احتياطي العالم.. ولكن النفط ومرحلته يتوقع لها أنها لن تزيد على خمسين الى ستين عاماً قادمة وبعد ذلك لأسباب اما اقتصادية او تكنولوجية او لأسباب اكتشافات اخرى سينتقل العالم الى استخدام وسائل اخرى غير النفط!
ولهذا لابد من بناء اقتصاد انتاجي قادر على أن يحل محل هذه الأموال المتدفقة من البترول او أننا بعد أن تنتهي هذه الفترة سنعود مرة اخرى الى مناطق فقيرة معدمة!!
طبعاً هذه النظرة التشاؤمية منه كما يبدو لي لم تكن من فراغ فتاريخ الأمم الصناعية يوضح كيف تحولت من مرحلة الى اخرى في اعتمادها على الاستثمار في الاقتصاد الانتاجي وليس الاقتصاد الريعي..
فكما يقول: اذا أردت أن تبني اقتصاداً صحيحاً فأنت يجب ان تبني اقتصاداً انتاجياً وثانياً في عصرنا هذا يجب أن نركز على اقتصاد ينتج معرفة وثالثاً يجب أن نركز على اقتصاد ينتج خدمات ولكنها خدمات دائمة مرتبطة بالمجتمع ومستقبله.
مقابل ما يوجد في دول الخليج من تزايد سكاني فبعضهم ليسوا من المواطنين الاصليين ولكن كما يقول خلال خمس سنوات كانت هناك زيادة في منطقة الخليج 3ملايين من البشر وأغلبهم ليسوا من العرب.
بالاضافة الى تزايد الفقر .. والبطالة في الخليج تصل الى اربعمائة الف خليجي هم عاطلون عن العمل أغلبهم في المملكة العربية السعودية كما هي بيانات وأرقام غرفة تجارة وصناعة دبي. حيث إن ما نشر في مركز المعلومات في هذه الغرفة أوضح أن دول الخليج في حاجة خلال العقد المقبل الى سبعة ملايين فرصة عمل ستظهر بين الخليجيين ولابد من توفير فرص وظيفية لهم..
وهذا يعني ضرورة بناء اقتصاد المعرفة واقتصاد الانتاج وهذا يعني التركيز على التعليم فإذا أعددت معلماً ممتهناً مثقفاً ثقافة عالية ووفرت له رواتب جيدة وتدريباً مستمراً ومنحته حرية أكاديمية ومناخاً تربوياً يرتبط بتغيير جذري في اسلوب التدريس ليرتبط أكثر بالفهم والابداع وليس التلقين.. حتى اسلوب الامتحانات لابد أن تتغير لتقيس ما يفهم الطالب وليس ما يحفظ.. فإن هذا التغيير يتطلب إنفاقاً على التعليم مضاعفاً ثلاث مرات عما ينفق الآن..
وهذه نقطة مهمة جداً في رأيي فالتعليم في معظم مجتمعاتنا يفتقد (المناخ التربوي الحقيقي) سواء على مستوى التأهيل والتدريب أوتوفير الامن الاجتماعي للمعلم وللطالب فلا تقتير على المعلمين في مرتباتهم ومعايشهم وعلى اهالي الطلاب خصوصاً من يضطر منهم الى الانقطاع عن التعليم ليوفر لأسرته ما يقال لقمة عيش!! في الوقت الذي يتم استثمار هذه الفوائض النفطية في مدن ترفيهية او عقارات ضخمة تحتاج الى فريق أجنبي للبناء وللصيانة وللعمل فيها!!
.. مشكلات التنمية في معظم دولنا الخليجية متشابهة ومعظمها ينحصر في خطأ توجيه قنوات الاستثمار..
لهذا يفترض أن نتوقع الافضل اذا ما اجتهدنا الآن لبناء اقتصاد إنتاجي معرفي تنموي حقيقي..؟