الشاعرة هيلدا إسماعيل تطرق أدبي الشرقية أيقونة.. أي.. قونة
"القصائد الموزونة لم تعد تمثلني الآن" هذا ما بدأت به الشاعرة هيلدا إسماعيل أمسيتها الشعرية والتي أقيمت في أدبي الشرقية. هذا التنويه من الشاعرة لا يعد بمثابة تنكر لتجربتها السابقة في ديوانها الأول "ميلاد بين قوسين" ولا يعبر عن عدم اعتراف بالطيف الشعري التقليدي. ما كان يفهم من هذا التنبيه هو اعتزازها بتجربتها الجديدة في الكتابة. وتحريض للحضور بأن يتم التفاعل مع خيارها الشعري الذي ستقرؤه في تلك الأمسية. كانت تهيئة للتناغم مع طرقات إيقوناتها. وللأسف أن ذلك التنويه لم يجدِ مع بعض الحضور.
بدأت الشاعرة بنص "تناهيد" وهو النص الذي يمثل حميمة النرجسية الأنثوية التي تجيدها تماما الشاعرة "روحي مدعوكة بالضوء/كلما انحزت لك/ استطال ظلي" وتزيد الشاعرة في تلك القصيدة من التعلق بأشيائها الخاصة وتضع لكل مفردة من مفرداتها اكسسورات الأنثى بعمقها الحميمي. لتصبح عناوين تدل على المجادلة برفقة مع الكائن الذي تستدعيه ليحضر في القصيدة ويجمل عذاباتها "لديك/ولدت بلا ذراعين ؟/ لا شيء يتشبث بك/إلا قلبي. ولا تنسى الشاعرة أن تمنحه دورها فتقول: يا شاعري /اكتبني قصيدة"
ثم قرأت الشاعرة نص "انصاص" وقالت عن ذلك النص: إنها المرأة التي سأكونها بعد زمن طويل. وتدخل الشاعرة عوالم المرأة العجوز بترفها المعهود مع المفردة. وتستحضر سيرة تلك المرأة التي يهزمها الزمن ولكن مشاعرها تظل مرتهنة للود مع تفاصيل الحياة. لم يحفل النص بمأساوية مضللة. مقشرة/ كل ما اهترأ /لا يدل علي /والزمن إلى "انصاص" يقشرني والشاعرة تستثمر معطيات المرحلة العمرية بإتقان. فتضع العكاز في سياقه ولكن دون تلبسه البؤس الجاف "عند التعب/نصف يترهّل/يُداعب خشب العكاز".
في نصها الثالث "مساء لل (موت) ولا أشهى" تأخذنا الشاعرة إلى عوالم النهايات، فمجادلة الموت لم يخرجها عن طقسها المعتاد. لا تتخلى عن مفردتها الأنيقة ولا عن نرجسيتها فتقول: مغرورة بي/توهمت/هدهدة (الدنيا)/أرجحتها/وقضم أظافرها الصغيرة. لكن استحضار تلك اللحظة يجعلها ترتكب جنايات التذكر وتعيد حساباتها مع عامل النظافة وبائعة اللبان وكذلك مع الحبيب : نزواتك الأخيرة/لا خطأ فيها.. لا صواب/إنها هنا.. أمامي تتسكع. وتأخذ دلالات الموت في النص ملامح متباينة، فالموت عند هيلدا إسماعيل يصنع وقتاً للقراءة للسهر، للفوضى: منذ أن مت/ وأنا أجد وقتاً للفوضى/للقراءة/وللسهر مع الموتى أصدقائي
وبقصيدة "سيئة الصنع.. ربما" ألقت الشاعرة آخر قصائدها. وقد تبرأت الشاعرة من أنثى النص وقالت : انها المرأة التي لن تكونها. وفي ذلك النص الذي قال عنه أحد الحضور انه يحمل ملامح النص القصصي. قدمت الشاعرة ذاكرة طفولة لأنثى تدري بسر ذاكرتها وتستعيد تلك الذاكرة برشاقة. من الصعود إلى السطح وحتى فتات البسكويت.
النصوص الأربعة التي قرأتها هيلدا إسماعيل كانت تكفي لتؤكد مشروعية تجربتها الشعرية. وتؤكد أن طموحها في الكتابة لا يتوقف. وهذا هو سر تميزها عن بقية شاعرات جيلها ممن ارتهن للفضاء الالكتروني.
وقد كانت المداخلات لا تتناسب مع الحالة الشعرية التقدمية التي تطرحها الشاعرة في قصيدتها. فالمداخلات في الجانب الرجالي اتخذت موقف الضد من قصيدة النثر. وأعادت طرح تلك الأسئلة المكررة عن مشروعية قصيدة النثر. وذلك الرفض لا ينم عن موقف واعٍ بقدر ما يدل على بلادة الذائقة عندما تتوقف عن النمو. أما الجانب النسائي فكانت المداخلات تأخذ الطابع الحميمي والاحتفاء بالشاعرة. وربما كانت أحدى المداخلات تعكس وصول القصيدة إلى المتلقي وهي تقول: قصائد هيلدا تمثلني. هو تعبير عفوي وصادق. يدل على أن الرؤية الباهتة لدى البعض لا تعيق وصول القصيدة. وكان مقدم الأمسية محمد بن عيسى قد نجح في تقديم الشاعرة. إلا أنه لم يوفق في منح الفرصة لأسماء نقدية وشعرية كمحمد العباس ومحمد الدميني ومبارك الخالدي في تقديم رؤية تتناسب مع منجز الشاعرة. وتوسع دائرة الجدل الواعي حول النص. مقدم الأمسية ترك لأصحاب المداخلات المملة سرقة الوقت. وإذا ما كانت القصيدة بدفء وحميمية الإلقاء الذي تميزت به هيلدا إسماعيل في أمسيتها فحتما أنها ستصل. انتهت الأمسية بحالة رضا عامة وخرج الجميع وإيقونات الشاعرة تطرقهم أيقونة.. أي.. قونة.