لماذا يجب على الأمريكيين الانسحاب في العراق .. لا من العراق؟
في الذكرى الرابعة لغزو العراق تطالعك حقائق وأرقام مخيفة ومخيبة للآمال، فالوعود الأمريكية باجتثاث النظام السلطوي في العراق وإحلال الديمقراطية، ونشر الأمن والرفاهية في بلد دمرته الحرب مع إيران خلال الثمانينيات وأكلت سنوات الحصار الدولي الاثنتي عشرة كل آمال شعبه هو في وضع اليوم أسوأ من أي وقت مضى.
فمنذ بدابة الحرب الأمريكية على العراق نفذت أكثر من 700عملية انتحارية، وقتل أكثر من 600ألف عراقي - أو 65ألفاً حسب الرواية الأمريكية الرسمية -، وشرد قرابة 2مليون بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، حيث اضطر قرابة 1.2مليون عراقي للجوء إلى سوريا والأردن، بينما نزح قرابة 450ألف عراقي من السنة والمسيحيين والآشوريين إلى إقليم كردستان، واضطر قرابة 350ألفاً إلى تغيير محل إقامتهم - لاسيما في المناطق السنية - . أما آخر تقارير الأمم المتحدة فتقول بأنه وخلال العام الماضي (2006) مات قرابة 36ألف عراقي، أو بمعنى آخر يقتل في العراق ما يقارب من 100شخص يومياً وهو رقم فلكي يكشف حقيقة الحرب الأهلية الطائفية المستعرة اليوم في العراق، والتي لا يبدو أن هناك سبيلاً للخروج منها في الوقت الراهن فهي شديدة التعقيد داخلياً وإقليمياً إلى الدرجة التي لا يمكن معها صنع شيء.
هل نلوم الأمريكيين على تأييدهم للحرب؟ هل نلوم إدارة الرئيس بوش على سوء التخطيط لما بعد الحرب؟ هل نلوم تخاذل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن وقف النزيف المستمر؟ أم نلوم الموقف العربي - أنظمة وشعوباً - المخزي تجاه ما حدث وما يحدث في العراق؟ أم نلوم العراقيين أنفسهم على التنافس الطائفي والإثني على السلطة والثروة؟ هل هو خطأ القاعدة أو فلول البعث أو جيش المهدي أو الجيش العراقي أو السياسيين الشيعة أو السنة أو الأكراد؟ .. هذه الأسئلة رغم تنوعها إجابتها واحدة كل له نصيبه في الأزمة. ولكن قلة من يدرك ذلك، فهذه العناصر كلها ساهمت في حجم الأزمة والدمار المستمرين في العراق. صحيح، أنها غير متساوية في المسؤولية، وأن خطأ أو جريمة طرف لا يبرر - أو يشرع - خطأ وجريمة الطرف الآخر، ولكنها أول خطوة في تشخيص الأزمة بشكلها الحقيقي والواقعي. وأنا هنا لا أريد أن أفتح باب النقاش حول مشروعية الحرب، أو المسؤولية عن نتائجها اللاحقة، لأن هذه أسئلة يحدد إجابتها المؤرخون في المستقبل، ولكن ما يهمني هو الحديث عن ما يحدث الآن وماذا يمكن أن نعمل بشأنه، ومن أبرز الأسئلة التي تحضر في هذا السياق هو الجدل حول استمرار أو انسحاب القوات الأمريكية من العراق، ولكن قبل ذلك لا بد أن نقرر عدداً من الحقائق التي لا يمكننا الجدل بشأنها وهو أن ما يحدث في العراق الآن حرب أهلية لها أبعاد طائفية وسياسية وإقليمية، وأن وقف هذه الحرب أمر مستحيل في ظل الظروف الحالية، وأنه ليس ثمة حل سحري كفيل بحل الأزمة العراقية، ولكن كل ما يمكن عمله هو تخفيف الأزمة ومحاولة السيطرة عليها (َُنٌىكُّ حفَفهمٍمَُّ). الأمر الآخر الذي ينبغي تقريره هو أن أمريكا أخفقت في العراق قبل وبعد الحرب، ولكن ذلك لا يعفيها من المسؤولية، أو أن انسحابها سيكون هو الحل للمشكلة - كما تزعم سوريا وإيران والمسلحون السنة والشيعة -، بل يُجمع الخبراء على أن أي انسحاب أمريكي غير مدروس هو بمثابة ترك البلد في فوضى عارمة لا يمكن وقفها قبل أن تحصد كل شيء، وتجعل البلد تحت الاحتلال الإيراني غير المباشر.
إذاً ماذا يمكن عمله بشأن العراق؟
في واشنطن، الجدل بين الديمقراطيين والجمهوريين جعل من قضية الانسحاب من العراق مسألة صراع حزبي، فالديمقراطيون في الكونغرس يطالبون بمشروع انسحاب للقوات الأمريكية في أغسطس 2008، لكي يستخدموا إعادة الجنود الأمريكيين كورقة إنجاز في انتخابات نوفمبر - من نفس العام - بحجة أن ما يحدث في العراق حرب أهلية، وأن علينا أن لا نكون طرفاً في حرب الغير، بينما تعجز إدارة الرئيس بوش عن إيجاد إستراتيجية ناجحة للتخفيف من الوضع المتفجر في العراق، فبعد مرور شهرين ونصف على انطلاق خطته الأخيرة بإرسال تعزيزات إضافية وتعيينه للجنرال باتريس فإن حجم الإنجازات على الأرض متواضع جداً، فالرئيس طالب بتعزيزات تقارب 25ألف جندي، ولكنه حصل على 21ألفاً، ولكي يتفادى مساعدوه العسكريون هذا النقص أطالوا مدة الخدمة في العراق ليصل العدد الفعلي للزيادة ما يقارب 30ألفاً، وبإجمالي يقدر ب 164ألف جندي، ورغم أن الأزمة كما تصفها الإدارة الأمريكية محصورة في أربع محافظات عراقية من أصل 18إلا أن كل هذا العدد الضخم لم ينجح في تحسين الأوضاع. والسؤال الذي لم يقدم له الأمريكيون جواباً حتى الآن هو ماذا يحدث بعد انسحابهم؟ .. فحتى لو كان الديمقراطيون على حق في أن الحرب انقلبت حرباً أهلية داخلية لا نصيب للأمريكيين فيها، فإن ذلك لا يعفيهم من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية، فهم فتحوا صندوق العجائب وخرجت منه كل الشرور الكامنة، وإذا ما تركوا البلد دون انتقال سلمي يحفظ للأقليات العراقية أمنها وحصتها السياسية فإنها بذلك ستكون مسؤولة عن كل قتيل يسقط هناك، وحرب أهلية في العراق مفتوحة - وغير محاصرة كما هي الآن - ستكون لها نتائج كارثية ليس على العراق فقط بل على دول الجوار، والتاريخ يعطي دروساً عديدة بداية من الهند والجزائر وانتهاء بأفغانستان والصومال، ففي الهند أحدث الانسحاب البريطاني إلى انقسام في شبه القارة الهندية قسم فيه البلد إلى بلدين استناداً للتقسيم الديني (1947)، ومات خلال مرحلة التقسيم ما يقارب من نصف مليون إنسان، وتحول أكثر من 12مليوناً آخرين إلى لاجئين، وعواقب تقسيم الهند استمرت على شاكلة حروب طاحنة بين البلدين ونزاعات حدودية حول كشمير ما تزال تهدد الأمن والسلم حتى الآن. أما الجزائر - بلد المليون شهيد - فقد أدى الانسحاب الاستعماري الفرنسي في 1962إلى هروب - ليس فقط 900ألف من أصول أوروبية -، بل إلى فرار قرابة المائة ألف جزائري عربي كلاجئين ممن كانوا يعملون في مناصب ووظائف مهمة إبان تلك الفترة، وعجز ما يقارب هذا العدد من الخروج وتعرضوا لأصناف من التمييز ضدهم. إذاً الحرب ضد المحتل - أيا كان - ليست نتائجها وردية على كل حال، والظروف بعد المستعمر ليست بالضرورة أفضل مما كانت عليه، والعراق معرض لأخطر أنواع الحروب الأهلية التي يجتمع فيها التعصب الديني والعرقي والتطرف الديني والسياسي كلها في مرجل كراهية رهيبة. وأول ضحايا هذا الانسحاب ستكون الحكومة العراقية والجيش العراقي، فالحكومة ستخسر تمثيلها النسبي المتواضع للطيف السياسي العراقي، وسيكون الجميع مستعدين لحمل السلاح. أما الجيش العراقي فسيكون أول انهيار يحدث في عراق ما بعد الأمريكيين، ويكفي أن نلقي نظرة على التاريخ المعاصر في المنطقة، فالجيش اللبناني - على سبيل المثال - كان محايداً في بداية الحرب ولم يتدخل 1975- 1976حتى تأزم الوضع بين الفصائل اللبنانية والفلسطينية وبقية الطوائف الأخرى، ولكنه حين تدخل انهار اتزانه الداخلي وأصبح طرفاً في الحرب، والجيش العراق ليس بأفضل حالاً اليوم مما كان عليه الجيش اللبناني منتصف السبعينيات. أما الخطر الأخير الذي بدأ يطل برأسه فهو الخلاف التركي/ الكردي والتصريحات التصعيدية المتبادلة، فهناك قرابة 200ألف جندي تركي في مناطق حدودية قريبة، والتقارير تتحدث عن اجتياح بعمق 30ميلاً داخل شمال كردستان، وهو أمر إن حدث سيشد كل دول المنطقة للتورط في الحرب الأهلية، بشكل مشابه لأزمة الكونغو خلال منتصف التسعينيات حين تورطت عشر دول في الحرب الكونغولية الأهلية.
لقد لفت نظري في الإعلام الأمريكي تصريحان سياسيان أجدهما في غاية الأهمية، أولهما للسيناتور الجمهوري جون ماكين، والذي قال في كلمة له أمام دفعة عسكرية أمريكية متوجهة للعراق: (بأن أي انسحاب أمريكي سيعرض العراق لحرب أهلية لا مثيل لها، ستكون هناك إبادة بشرية وسنكون نحن المسؤولين عن ذلك)، وهي كلمة حق قد تعرضه ومواقفه المؤيدة لخطة بوش الأخيرة لخسارة الانتخابات الرئاسية القادمة. أما التصريح الآخر، فكان للجنرال الأمريكي المتقاعد والخبير بشؤون المنطقة أنتوني زيني والذي قال تعليقاً على صدور الطبعة الثانية لكتابه "معركة السلام": (إن المطالبة بالانسحاب الأمريكي من العراق - رغم كونه من أشد المعارضين للحرب في بدايتها - يعني تسليم البلد لإيران وتعريض حلفائنا في المنطقة لشرر الحرب الأهلية المتطاير .. لقد خلقنا مرتعاً خصباً للمتطرفين والإرهابيين وعلينا أن نضع إستراتيجية إصلاح لأخطائنا لا وصفة خروج متعجل تعلن فوز المتطرفين على كل منطق سليم في الشرق الأوسط).
بإزاء هذا الجدل الأمريكي الداخلي يمكن ملاحظة أطروحتين لهما أهمية كبيرة، الأولى مقالة مطولة بعنوان "لماذا لا يمكن لأمريكا أن تكسب الحرب في العراق" للبروفيسور جيمس فيرن - مجلة الفورن أفيرز (أبريل) -، والذي قال إن العراق هو حقيقة في أتون حرب أهلية لا تملك الولايات المتحدة وقفها، وأن هذه الحرب ستأخذ مجراها مهما كانت الحلول المطروحة، ويتوقع فيرن - وآخرون - أن تستمر الحرب الأهلية في العراق مدة تقارب خمسة إلى سبعة أعوام من الآن، وهذا وقت يقولون إنه كفيل في أن تدرك الأطراف المسلحة العراقية أنه لا يمكنها الاستيلاء على السلطة وحدها وتصفية الخصوم، ولهذا فنحن نشهد أن الأطراف المسلحة السنية والشيعية - على حد سواء - باتت تركز على استهداف القوات الأمريكية ومطالبتها بالخروج ووضع جدول زمني للمغادرة، لأنهم يعتقدون بأن بإمكانهم تصفية الآخرين والاستئثار بالسلطة حال خروج الأمريكيين - وهذا ما فعله الصدر خلال كتابة هذا المقال حين أعلن انسحابه من الحكومة ومطالبته الأمريكيين بالانسحاب - . أما الأطروحة الثانية فهي عبارة عن دراسة أصدرها معهد بروكنز للبحوث تحت عنوان "الأشياء تتساقط: احتواء آثار الحرب الأهلية العراقية على الجيران"، ويجادل فيها الباحثان كينث بولاك ودانيال بايمن بأن المسألة لم تعد في يد الجيش الأمريكي على منع الحرب الأهلية في العراق، بل في كيفية احتواء آثارها الخطيرة على دول الجوار، وهما يتفقان مع البروفيسور فيرن في أن الحرب الأهلية العراقية سيطول أمدها وأن الإستراتيجية يجب أن تساعد دول الجوار - خصوصاً السعودية والأردن والكويت - التي لم تتورط بتصعيد الحرب العراقية على احتواء أي تأثيرات خطيرة على أمنها الحدودي.
لكن اللافت للنظر هو أن الدراسة تدعو للانسحاب الأمريكي في العراق، وليس من العراق، أي أن يعمد الجيش الأمريكي التقليل من تواجده في وسط العراق وداخل المحافظات المأزومة وأن ينتشر على طول الحدود مع إيران وسوريا لتأمين الحدود من التعبئة لمقاتلي جيش المهدي أو الجيش الإسلامي أو العناصر المسلحة الأخرى. وهي سياسة تهدف إلى أن يتم الضغط على السياسيين العراقيين لتكوين حكومة علمانية عراقية بدل استفراد الائتلاف الشيعي - المجلس الأعلى للثورة والدعوة والصدر - بالحكم منذ مغادرة إياد علاوي للحكومة. الأمر الآخر أن تخفيف التواجد الأمريكي رغم كونه لا يحل المشكلة الأمنية إلا أنه يجعل العراقيين بكافة طوائفهم في مواجهة متطرفيهم - تماماً كما حدث في محافظة الأنبار السنية -، وبوسع الجيش الأمريكي أن ينشئ ملاذات آمنة للأسر العراقية المهجرة - السنية والمسيحية - يحميها بدل هذه التصفية العرقية المقيتة.
وخلال مطالعتي لكثير مما يكتب عن تخفيف الأزمة العراقية الراهنة يمكنني أن ألخص ما قرأت هنا، وأغلبه يتعلق فيما يجب على الجيش الأمريكي أن يقوم به في إطار فكرة الانسحاب في العراق بدل الانسحاب منه، فالمقترحات تتضمن أن يبدأ الجيش الأمريكي بمسارين: الأول فتح باب المفاوضات مع جميع العناصر المسلحة - باستثناء تنظيم القاعدة - لمناقشة مسألة الحصص السياسية والمطالب التي يريدونها للمشاركة السياسية. الثاني، أن تضع الولايات المتحدة جدولاً زمنياً لحل جميع المليشيات العلنية كفيلق بدر وجيش المهدي. والخطوة الأخيرة تقتضي مواجهة هذه المليشيات عسكرياً للضغط عليها باتجاه سلوك طريق المشاركة السياسية ونبذ العنف والتصفية الطائفية. هذه الخطة قد لا تحل الأزمة العراقية ولكنها قد تغير من قواعد اللعبة الراهنة، وهو أمر في غاية الأهمية لإحداث تغيير ملموس، فحماية المهجرين في ملاذات آمنة خارج المدن العراقية باتت ضرورة، فلا يعقل أن نقبل بموت مائة عراقي كل يوم، فالمسألة لم تعد حصصاً سياسية أو مقاومة المستعمر بل هي حماية الإنسان العراقي من آلة القتل الطائفية التي يقوم بها انتحاريون كل صباح.
خيار الانسحاب في العراق هو أقل الضررين .. لا الانسحاب منه، لأنه لا أحد سيضمن عواقب هذا الانسحاب، والمسؤولية الأخلاقية تحتم أنه إذا كان المجتمع الدولي غير قادر على التدخل، ولا الجيران العرب كذلك، فإنه يجب أن لا يٌسلّم البلد لآلة الموت التي ستنتج حرب إبادة بشرية لا محالة.
altoraifi@alriyadh.com